على الرغم من حداثة المكتبة الوطنية في العاصمة الماليزية كوالالمبور، إلا أنها تعتبر بحق المسؤولة عن توفير مجموعة من المعارف على المستوى الوطني للأجيال الماليزية الحالية والمستقبلية.
بدايات
بدأ العمل على تأسيس المكتبة في العام 1966م، وذلك بعد جمع الكتب والوثائق المنتشرة في أنحاء البلاد، وشهدت منذ تأسيسها تنقلات عدة إلى أن تم تثبيتها في العام 1970م في شارع فردانا، ومن ثم في سنة 1972م نُقلت إلى مبنى في شارع سليمان في كوالالمبور..
وتم في نفس العام اعتمادها رسمياً بموجب قانون المكتبات الوطنية. نمت المكتبة وتطورت ونتيجة لضيق المكان الموجودة فيه قامت الحكومة في العام 1978م، باختيار موقع جديد لها في شارع تون رزاق في كوالالمبور، وعينت عدداً من المهندسين للعمل على وضع تصميم للمبنى الجديد، وتم تقديم تلك التصاميم ونالت الموافقة في العام 1982م.
استغرق العمل على بناء المبنى نحو عشرة أعوام، إلى أن تم افتتاحها رسمياً في العام 1992م، لتكون المرجع الأساسي والمركزي للإنتاج الفكري الوطني المطبوع في كل المجالات والتخصصات المعرفية.
وتمتد المكتبة على أرض مساحتها 2.2 هكتار، في موقع ساهم في إعطائها فرصاً للنجاح وأداء الدور المنوط بها نظراً لسهولة الوصول إليها ووضوح مكانها وبروزه.
تضم المكتبة ثلاثة مبان تشمل المبنى الرئيسي، برج «ويسما سيجارا» وبرج «تي أتش سيلبورن»، ويستند تصميم المبنى على مفهوم القبعات الماليزية التقليدية التي هي رمز للفخر الثقافي في ماليزيا، والنقوش على السقف تشكل بدورها نمطاً فريداً من نوعه، وهي مستوحاة من الأقمشة المصنوعة يدوياً والتي تعتبر تراثاً للبلاد.
جهود متواصلة
تواصل المكتبة جهودها الرامية إلى تعزيز عملية جمع الكتب والاستحواذ للعب دور نشط في عمليات إحياء النهضة الثقافية في البلاد، حيث عمد القائمون عليها إلى إنفاذ قانون الإيداع في المكتبة منذ العام 1986، ومن أهم مقتنياتها مجموعة «ماليزيانا» التي تعد مصدر فخر المكتبة الوطنية، وتتضمن جميع الكتب الماليزية التي نشرت داخل وخارج البلاد..
وعلى رأسها المخطوطات النادرة التي يعود تاريخها لما بين القرن السادس عشر الميلادي ومنتصف القرن العشرين، وتبلغ نحو 4662 مخطوطة أصلية، من بينها عدد من المخطوطات بلغة الملايو القديمة المكتوبة بالأبجدية العربية، ويُطلق على الخط المكتوب بها الخط «الجاوي» ومن اللافت للانتباه وجود زخارف مطلية بالذهب في المخطوطات المدموغة بأختام توضح الحكم السياسي للعهد الذي كُتِبَت فيه المخطوطة.
مخطوطات إسلامية
تضم المكتبة مخطوطات تحوي مواضيع تتعلق بتعاليم الإسلام وتاريخ وصول أوائل المسلمين إلى ماليزيا وجزر الأرخبيل الملاوي، إضافة إلى نسخ نادرة من القرآن الكريم.
وهنالك مخطوطة «كتاب صلوات» الذي یحتوي على قصائد باللغة العربية نقلت سيرة الرسول محمد (ص) من الولادة وحتى بلوغه سن الرشد، كما شملت كتباً للفقه والتشريعات الإسلامية، ومباحث عامة في القانون والتاريخ، وكتباً في المعارف الطبية، ورسائل ملوك وزعماء الملایو التي أرخت لحقبهم وتاريخ ممالكهم.
وتعتبر هذه المخطوطات من أهم المراجع التاريخية التي تم الحفاظ عليها للتعرف إلى ثقافة وتاريخ الحضارة الملایویة، وتم تخصيص مركز لها في المكتبة الوطنية تتوافر فيه الشروط البیئیة الملائمة للحفاظ عليها من حيث الإضاءة وسعة المكان ودرجة الحرارة والرطوبة، إضافة إلى فريق من الخبراء لمعالجة أي تلف يطرأ عليه.
إنجاز
السجلات التاريخية لملايو عبارة عن عمل أدبي يتناول تاريخ جماعة الملايو وحكامها، بدأ العمل على إنجازها في العام 1613، وتمت كتابة النسخة الأصلية منها أثناء فترة حكم سلطنة ملقا، باللغة الملايوية الكلاسيكية على الأوراق التقليدية في المخطوطات الجاوية القديمة، كما نُشرت نسخة قديمة منها في العام 1924 بالأبجدية الرومانية بوساطة ويليام شيلابر.
شملت المواضيع التي تتناولها تأسيس مملكة ملقا وعلاقتها بالممالك المجاورة، فضلاً عن التسلسل الإداري للمملكة والولايات التي تلتها، وقد تم إدراج هذه السجلات في العام 2001 ضمن السجل الدولي لمنظمة اليونيسكو.
رؤية وأهداف
تتلخص رؤية المكتبة في عدد من النقاط التي تسعى من خلالها للقيام بدور قيادي في قطاع المكتبات في ماليزيا، وهي أن تصل إلى المكانة التي تجعلها حاضنة للتراث الوطني، والبوابة التي يستطيع الباحثون من خلالها الوصول إلى موارد المعلومات الوطنية الماليزية..
والأهم غرس عادة القراءة بين الماليزيين، وتهدف من خلال هذه الرؤية إلى جعل الثقافة متاحة للجميع، وتسهيل الوصول إلى مجموعات الكتب المهمة التي تحتضنها، وجعل المكتبة ذات شهرة عالمية جاذبة للناس من كل أصقاع الأرض.
الخدمات والمرافق
توفر المكتبة عدداً من الخدمات، منها ما هو متعلق بخدمات المراجع والموارد كخدمة القراءة الاستشارية التي تؤمن جميع متطلبات القراء أثناء استعلامهم عن الكتب، سواء داخل المكتبة أو عن طريق الهاتف أو الفاكس وأيضاً عبر موقعها الإلكتروني.
وهناك خدمة حزم المعلومات، حيث تضم المكتبة العديد من الأقراص المدمجة التي يحتاج إليها الباحث، ويمكن للمستخدم البحث عن العناوين التي يريدها باستخدام مجموعة من قواعد البيانات وتهدف هذه الخدمة إلى بناء وحدات متكاملة ومتنوعة لمختلف المواضيع، وتقليل الوقت الضائع الذي يستهلكه الباحث أثناء البحث، كما تسهل عمل نسخ لتلك الأقراص بدلاً من ضياع الوقت في التصوير.
ومن الخدمات المتوافرة أيضاً، خدمة ميكروفيلم الجرائد، وهي موجودة في الطابق الثالث من المكتبة، تحت إدارة «وحدة المعلومات الماليزية»، وهي ملائمة للباحثين وطلاب المدارس الثانوية، ويوجد 30 عنواناً لميكروفيلم الجرائد وبعدة لغات: الماليزية، الإنجليزية، الصينية واللغة الجاوية، كما أنه عند قيامك بزيارة موقع المكتبة يمكنك الاطلاع على الجرائد التي تم تحويلها إلى ميكروفيلم وتواريخ إصدارها.
وهناك غرف في المكتبة مسموحة للأشخاص الذين يحتاجون لاستخدام أجهزة الحاسب المحمول، حيث يمكنهم العمل بشكل منفرد أو كمجموعة من الأشخاص للمناقشة والقراءة، كما يوجد في الدور الثالث من المكتبة نحو 12 آلة تصوير، وباستخدام بطاقات التصوير المشحونة مسبقاً يمكن استخدام تلك الآلات.
الاستعارة من المكتبة
تسمح المكتبة بإعارة الكتب للبالغين والأطفال والمجموعات، حيث يمكن إعارة 200 كتاب لمدة معينة مقدارها 3 أشهر، وتستفيد المعاهد بشكل خاص من خدمة الاستعارة، حيث تقوم بأخذ الكتب وتوفرها لطلابها في غرف القراءة، وتتحمل تلك المعاهد الخسارة في حالة ضياع الكتاب.
أما خدمة التوثيق فتهدف لفهرسة أوراق العمل التي تقدم في السيمنارات والاجتماعات المحلية، حيث تم توثيق ما يقارب 2041 ورقة عمل، وتمت فهرستها في قاعدة البيانات التي تملكها المكتبة الوطنية. كما يوجد في المكتبة دليل إلكتروني يسمح للمستخدم بالبحث عن جميع المكتبات الوطنية في ماليزيا، حيث تم ربط جميع المكتبات بذلك الدليل، وهو بمثابة محرك البحث في جميع المكتبات الأكاديمية، المكتبات العامة، والمكتبات الخاصة.
4600 مخطوطة قديمة على شبكة الإنترنت
قامت المكتبة الوطنية الماليزية في العام 2014 بتحويل نحو ألفي مخطوطة مكتوبة بالخط العربي الجاوي القديم إلى شكل رقمي، ووضعها على الإنترنت، وذلك في إطار جهودها للمحافظة على التراث الملایوي المرتبط بالإسلام واللغة العربية..
وتعتبر هذه المرحلة الأولى من مشروع ماليزي يتضمن وضع 4600 مخطوطة قديمة يتجاوز عمرها مئات السنين على شبكة الإنترنت لتسهيل وصول الدارسين والباحثين إليها، ويعتبر هذا المشروع جزءاً من الجهود التي تبذلها المكتبة لترغيب المواطنين خصوصاً الشباب منهم في الرجوع إلى مخطوطات الملایو القديمة المكتوبة بالخط العربي منذ القرن السادس عشر، ما يعمق انتماءهم لثقافتهم المرتبطة بالدين الإسلامي واللغة العربية.
وتسعى المكتبة لرفع جميع المخطوطات المتوافرة بالخط الجاوي القديم على الشبكة العنكبوتية الدولية للحفاظ على المخطوطات الأصلية، خوفاً من التلف لكثرة الاستخدام، ويشمل المشروع كذلك حملة ترويج لهذه المخطوطات عبر الجامعات المحلية والمعاهد المهتمة، وفق خطة تشمل إقامة معارض ومؤتمرات خاصة للتعريف بهذه المخطوطات التراثية، إضافة إلى تخصيص مساقات في علم المخطوطات، ليتم تدريسها في بعض الجامعات.



