أدب من نوع خاص، هو ذلك الذي تستنشق عبير الخليج في أشكاله الأدبية، التي أبدعتها ملامح تنوعت بين الإماراتية والسعودية والعمانية والبحرينية.. وغيرها، لتجد كل إبداع ينضح بنكهته الخاصة، ويعانق محليته متجاوزاً حدود منطقته ومصافحاً أشقاءه في دول الخليج، ليحكي حكاياهم، ويروي همومهم وقضاياهم، معلناً أن الإبداع الخليجي كتلة واحدة، رغم اختلاف نكهاته، ومحتضناً تلك المذاقات تحت هوية واحدة اسمها الأدب الخليجي.

وفي ملتقى الإمارات للإبداع الخليجي، الذي اختتمت فعاليات دورته السادسة قبل أيام، تجمع المبدعون في تظاهرة ثقافية، أكدت على أن الإبداع على اختلافه وتنوعه، فهو ينضوي تحت هوية واحدة تتسع للجميع، تتفق في العناوين العريضة، وتحمل الملامح الأولى نفسها، إلا أن لكل منها جملة تفاصيل تزيدها ألقاً، وخصوصية تضيف إلى تفردها تفرداً وعمقاً.

»بيان الكتب« التقى عدداً من المبدعين الخليجيين. أكدوا أن الأدب الخليجي كتل متفرقة بهوية واحدة، وأن الاختلاف والتنوع مكمن الجمال، لافتين إلى أن قضاياهم واحدة، وأنهم تجاوزوا اليوم حدود مناطقهم ليعانقوا دول الخليج ككل.

بداية، أكد الدكتور سعيد السيابي من سلطنة عمان، دكتوراه من جامعة جريفث بأستراليا وماجستير في الآداب، أن الثقافة بشكل عام عابرة للحدود، وأن المثقف الخليجي جزء من هذا التشكل الموجود على مستوى العالم..

وقال: القضايا التي يطرحها المبدع الخليجي وإن لامست المحلية واستفادت منها ومن عناصرها، إلا أن الأفكار والقضايا التي تجري مناقشتها مطلقة، فقضايا الحب والإنسانية والصدق والأمانة هي قضايا موجودة في كل بيئة.

خارج الإطار

ولفت السيابي إلى أن الإبداع خرج من نطاق محليته مع ازدهار حركة النشر ودعم الثقافة والمؤسسات الثقافية، ومع التشجيع والتكريم والملتقيات والمهرجانات الثقافية..

وقال: خرجت بالتالي النصوص الخليجية من إطار محليتها، ورغم انها تحمل هوية المنطقة التي ولد فيها الإبداع، إلا أن الكتاب الخليجيين تجاوزوا حدود مناطقهم ومدنهم، فكاتبة من الإمارات تكتب عن هرمز، وكاتب من البحرين يحلق في سماء الإمارات وهكذا.. وهذا التمازج في النهاية يعبر عن هوية أبناء الخليج الذين يشعرون في دواخلهم بأنهم كتلة ثقافية واحدة بإطار عربي.

واحدة

»تبقى الهوية واحدة رغم اختلاف النكهات«. هذا ما قالته القاصة والإعلامية لارا الظراسي من اليمن، لافتة إلى أن هوية الإبداع الخليجي واحدة، وهي هوية عربية، إلا أن لكل أدب نكهته الخاصة، وأضافت: إذا كنا جميعنا نشبه بعضنا البعض فهذه مصيبة، والاختلاف في رأيي رحمة، وهو ما يعطي المذاقات المختلفة للإبداع الأدبي، وكذلك الثقافة، كلما تنوعت فإن ذلك يمنحها عمقاً وبعداً إنسانياً وثقافياً وفكراً مختلفاً.

وأشارت لارا إلى أن اختلاف الأفكار والكتابات والرؤى، يقدم للقارئ سلة من فواكه الأدب بمذاقات شهية ومختلفة، ما يزيد الأدب جمالاً وعمقاً ويعطي القارئ كل ما يبحث عنه، لتتنوع الخيارات أمامه..

ولذا فالاختلاف في حد ذاته نعمة في مجال الثقافة والأدب. وتابعت لارا: حين اقرأ لنجيب محفوظ أعرف مصر من دون أن أذهب إليها، وحين اقرأ لنزار قباني أتجول في الشام بلا سفر. ولذا، فالإبداع الأدبي على اختلافه يُكوِّن لدى القارئ بعداً ثقافياً وحضارياً وتاريخياً وجغرافياً في كتاب واحد، وهذا الأمر يعد مهمة صعبة لا يجيدها إلا المبدعون.

خصائص وتحولات

ذكر الروائي محمد المزيني من السعودية، عضو الأمانة العامة لملتقى الإمارات للإبداع الخليجي، أن دول الخليج العربي، تشترك في خصائص ثقافية معينة، وقال: كل التحولات التي مر بها الخليج العربي، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو عمرانية أو حضارية متشابهة، وإذا بدأنا من التحول الأول في الخليج العربي، وهو التحول الحداثي في فترة الثمانينيات من القرن الفائت، نجد أن الخليج العربي كان من السباقين إلى البناء الحداثي في المنظومة الثقافية..

وما نطرحه اليوم في ملتقياتنا يدور في ذاك الإطار، فالهوية والحداثة من القضايا الأساسية التي ناقشناها أخيراً في ملتقى الإمارات للإبداع الخليجي في دورته السادسة، وكان للثقافة الحداثوية في الخليج العربي تأثير مباشر على كثير من المثقفين الذين قدموا إليه، وها هم حالياً، موجودون فيه ويقدمون قصيدة النثر والشعر والمسرح والرواية، ليدل ذلك على تأثرهم بالحراك الثقافي في الخليج العربي..

ولتظهر بالتالي، أسماء كثيرة تعاركت وتقاطعت بشكل كبير، إلا أنها تشترك في هوية واحدة ممزوجة في نفس خليجي واحد. وبين المزيني أن الخليج العربي كتلة إبداعية واحدة لا تفترق إلا من حيث الخصائص البيئية الصغيرة جداً في المناطق المطلة على البحر والمناطق الداخلية، وما عدا ذلك، فلن نجد أي شيء متميز جداً يفرق هذا الإبداع عن ذاك.

مساران

بدأ الناقد والباحث علي العبدان حديثه قائلاً: هوية إبداعنا الخليجي واحدة لأننا عرب، وإن كانت هناك هويات محلية مختلفة إلا أن هناك الأصول الأدبية الموروثة تجمعنا، إضافة إلى تطلعات الكثير منا للاستفادة من قيم المعاصرة، وهذان المساران يجمعان بيننا. وأشار العبدان إلى أن الهوية الواحدة تحمل تحتها أهدافاً مشتركة.

وقال: من الضروري أن نصل بإبداعنا العربي إلى قيم أدبية وجمالية تستفيد من الموروث والأصالة، وهذا سبيل الأمم التي تطورت ونمت قبلنا. وعما إذا كانت النصوص الأدبية الخليجية تحمل الملامح والهوية ذاتهما، قال: تمييز النصوص يعود إلى الوسائل التقنية المستخدمة، إذ ينزع بعض الكتاب أحياناً إلى الاستفادة من الموروث المحلي، وهذا يسهل علينا معرفة انتماء هذا البلد.. وكل فن إبداعي تتنازعه جهتان، الجهة الإبداعية المطلقة الشاملة والمحلية، وهذا يغني الأدب.

جمال الاختلاف

وذكر الشاعر والإعلامي المصري سامح محجوب، أن الإبداع الخليجي كتل متفرقة وهذا مكمن الجمال فيه. وقال: الثقافة والإبداع ابنا التنوع، والثقافة العظيمة تبنى على التنوع والاختلاف، لأن أكثر ما يمكن أن يقتل أية ثقافة هو أن تتحول إلى نمط واحد فتختنق.

واستعان محجوب بعبارة غاندي التي قال فيها »علي أن أفتح نوافذي كي تهب عليها رياح كل الثقافات، بشرط ألا تقتلعني من جذوري«. وهنا قال محجوب: الفن والثقافة العمود الفقري لأية هوية، باعتبارهما مخزوناً إنسانياً، وعلينا أن نفتح نوافذنا للثقافات على اختلافها بشرط التمسك بثقافتنا وهويتنا.

وقال محجوب، إنه من المفترض أن تطغى الهوية العربية على الإبداع، إلا أن الهويات الصغيرة تبقى مهمة وحاضرة، لأنها تحمل بين ثناياها نكهة الثقافة الشعبية ما يمنحها الخصوصية الجميلة التي لا تتعارض مع اللغة والهوية.

حاجة

يرى متخصصون أن الأدب الخليجي متميز جداً في العالم العربي. ويقول الباحث محمد المزيني في الشان: نغوص اليوم في عمق تجربتنا الماضية والحالية، ونريد تقييم هذه التجربة بشكل دقيق وصارم، وأن نضعها على مشرط النقد، لنرى إلى أين وصلت هويتنا خلال الـ40 سنة الماضية من البناء الثقافي الحداثوي الذي مررنا به، كما نحتاج لمناقشة هذه التجربة بمزيد من التعمق.

رحلة في مفهوم وسمات الأدب الخليجي

قدم الناقد والمفكر السعودي الدكتور سعد البازعي، محاضرة قبل عدة أشهر في ندوة الثقافة والعلوم في دبي، بعنوان »الأدب الخليجي: المفهوم والسمات«، تناول فيها الأدب الخليجي، وأكد فيها أنه حين نقول الأدب الخليجي فإننا نستعمل مصطلحاً ننسب بمقتضاه الأدب إلى الخليج، أي نجعل الخليج، أي الخليج العربي، مرجعية للإبداع الأدبي بكافة صوره، الخليج بوصفه موقعاً جغرافياً وتكويناً سياسياً اقتصادياً.. وقبل ذلك تجمعاً إنسانياً.

ولفت في محاضرته إلى أن الأدب الخليجي في الاستعمال الدارج يشير إلى الأدب المنتج في دول مجلس التعاون الخليجي الست، وهذه ليست بكل أجزائها واقعة في منطقة الخليج. فمن الناحية الجغرافية، يقع بعضها على ساحل البحر الأحمر أو أقرب إلى اليمن، والبعض الآخر على بحر العرب وأجزاء غيرها أقرب إلى الشام والأردن وفلسطين.

فنحن من الناحية الجغرافية البحتة ننسب الكل إلى الجزء وهي نسبة غير دقيقة. هذا ينسحب بالدرجة الأولى على السعودية وعُمان في المقام الأول، وعلى الكويت من حيث محاذاتها للعراق وإيران.

الوعي بهذه الإشكالية في المصطلح مهم ومفيد لكيلا يطغى المصطلح على واقع الثقافة والأدب. فيصبح المصطلح بضيقه هو الدال على الواقع باتساعه. والواقع ليس جغرافياً فحسب، وإنما هو إنساني ورحب رحابة التطلعات والمعاناة، رحابة الإبداع، ومتنوع تنوع الأفراد وقدراتهم على اجتراح الجماليات ومعالجة اللغة برؤى متفردة.

قصور وفائدة

وأشار البازعي إلى أن مصطلح الأدب الخليجي لا يخلو على قصوره من فائدة، وهي أنه يساعدنا على رؤية هوية تتنامى في منطقة مهمة وكبيرة من الجزيرة العربية. وربما أن هذه الهوية لم تترك أثرها العميق بعد في ما نسميه أدب المنطقة أو ما نسميه »الأدب الخليجي«، لكنها ستفعل مثلما فعلت الهويات السياسية التي طرأت عبر قرن من الزمان فجعلتنا نتحدث عن أدب سعودي وإماراتي وبحريني الخ.

الكتاب والانتماء

وأكد أن استشعار الكتاب على اختلافهم، بالانتماء إلى بقعة من الأرض وإلى كيان سياسي محدد ومجتمع يأتلف ضمن ذلك الكيان، ينشئ هوية يصطبغ الأدب بصبغتها تدريجياً، ومن هنا فالمصطلح قادر على تفسير جزء من الظاهرة الأدبية إن لم يكن الظاهرة بأكملها.

وبيــــن أن »الأدب الخليجي« مصطلح مثل »أدب الجزيرة العربية«.. لكنه لا يستـــــطيع رسم ملامح أو سمات. ووضح أن من أهم القضايا التي تحولت إلى سمة رئيسة في أدب المنطقة هي قضية التحضر، أو قضية المرور عبر برزخ الحداثة من مجــــتمعات بدوية أو زراعية أو بحرية بسيطة وشبه متحضرة إلى مجتمــــعات تعيـــــش إشكاليات التحديث في القرن العشـــرين ثم الحادي والعشرين..

وهذه قضية كبـــرى ليس في أدب المنطقة فحسب، وإنما أيضاً في مناطق كثيرة من مناطق الوطــــن العربي وفي ما يعرف بالبلاد النامية ككل، وإن تفاوتت في الأشكال والمستــــــويات والآثار..

فالبعد الجغرافي يقول لنا بوضوح إن منطـــــقة الخليج منطقة صحراوية أولاً وريفية وبحرية ثانياً، وأدب المنطقة مضطر للتعامل مع هذا الواقع، لأن البيئة تفرض نفسها سواء وعى الكاتب ذلك أو لم يعه، لكن الكتاب المتـــــــميزين بالوعــي وبالإمكانات الأدبية الخلاقة، واعون دائماً بتلك الإشكالية، ولو تعاملوا معها بطرائق مختلفة.

انصهار وتكامل وتلاقٍ بين الأشقاء

كدت الدكتورة أنيسة السعدون من البحرين، دكتورة الفلسفة في اللغة العربية وآدابها، أن الأدب الخليجي ينصهر في هوية واحدة، ويتكامل بشكل كبير في القضايا التي يطرحها والتحديات والمجالات التي يتناولها، لافتة إلى وجود تلاقٍ كبير بين الأشقاء، الذين تجمعهم نقاط تشابه وتلاقٍ كثيرة على جميع الأصعدة، السياسية والثقافية والدينية والعروبية، بالإضافة إلى التلاقي في الفن والأدب والإبداع.

ولفتت السعدون إلى أن دول الخليج تتشابه في القضايا وهموم الواقع المعاش، وإشكالات العلاقة بين الرجل والمرأة، والتحديات التي تواجه المرأة، والمشكلات التي يعانيها المثقف في علاقته مع المجتمع والسلطة، وتعرية الواقع لنفسه وما يتأزم به من وجوه عدة كالفقر والجهل والبطالة، وهذه المضامين الفكرية تتلاقى فيها دول الخليج إلى حد كبير.

تقاليد إبداعية عامة تميز الجميع

يؤكد متخصصون أن هناك تحديات وتغييرات ينصاع لها بعض الأدباء في محاولة لتكوين هوية لأنفسهم، كمدرسة خاصة أو تيار خاص ينخرطون فيه، ليتسم أدبهم بخصائص تلك المدرسة أو ذاك التيار، لكن الأغلب الأعم أن المبدعين الخليجيين في بدايات انطلاق الأدب الخليجي كانوا يلتقون في تقاليد عامة، إذ سيطرت على أدبهم المدرسة الكلاسيكية ..

وبالتالي كان الاستمساك بها هوية لأدبهم، وتأييداً من قبل المجتمع، لأن البعد عن ذلك يخلق فجوة تُشعر المبدع بغربة واغتراب، ولذا كان المبدعون يشعرون بضرورة الالتزام بالجو العام الأدبي من الناحية الشكلية أو المضمونية.

ويبدو أن الكتاب من جيل الشباب، يركزون على الكتابة حول موضوعات عصرية تماشي طبيعة متطلبات العصر وماهية القضايا الجديدة، وذلك، كما يبين نقاد، ليس امرا سلبيا، لكن العملية بحاجة لتحصين.

إذ لا بد من اعتناء هؤلاء الكتاب بمراعاة طبيعة هوية المجتمع وبناه الفكرية والاجتماعية، لتكون النتاجات بناءة من حيث عدم اغفالها ذاتية المجتمع الخليجي وخصوصيته. ونجد في الصدد، أن هيئات ومؤسسات ودور نشر خليجية كثيرة، لا تغفل هذا المجال، إذ توجه الشباب الى ضرورة الاعتناء بتناول القضايا المعاشة من غير اي تجاوز لمفردات الهوية الخليجية.