خوف.. ظلام.. رعب.. أشباح.. مصاصو دماء، هذه بعض المفردات الأساسية التي تحبس أنفاس قراء أدب الرعب، والذي تحفل المكتبة الغربية بعديد من إبداعاته، ومنها: «فرانكشتاين» لماري شيلي، «سقـوط بيت آشـر» للأميركي إدغار آلان بو، «دراكولا» للأيرلندي برام ستوكر.
وعربياً، هناك تجارب بارزة في هذا الخصوص، مثل:«صندوق الدمى» لشيرين هنائي، «صانع الظلام» لتامر إبراهيم.
واللافت أن هذا الحقل من الادب، لا يلقى اهتماما وشعبية في العالم العربي، كما الحال في الغرب، أو أن ذلك مرده عدم تطوره وتميزه عربيا. وفي الشأن يرجع متخصصون بالمجال، أسباب ضموره وعدم ارتقائه، إلى جملة عوامل جوهرها عدم صوابية تعاطي النقد معه.
«البيان» ترصد واقع أدب الرعب على المستوى العربي، وتبحث في واقعه الحالي وأسباب ضموره وتأخره لدينا بينما يتسم بارتقاء نوعي في دول الغرب.
«من أكثر الأزمات التي يواجهها أدب الرعب في العالم العربي، تجاهله من جانب النقاد الذين يرفضون النزول من أبراجهم العاجية من أجل قراءته ومناقشته بشكل حقيقي». بهذه الكلمات لخَّص محمد عصمت، أحد كتاب ادب الرعب، لـ«البيان»، حقيقة وضع هذا النوع من الأدب على المستوى العربي..
موضحا أن الكُتّاب الغربيين متفوقون في هذا اللون لأن لديهم نقادا على مستوى الحدث، يتفاعلون ويقومون بدورهم على المستوى المطلوب، ولذا، حسب رأيه، فإن كثيرا من كتب الرعب هناك تحولت أفلاما، وحققت هذه الأعمال أعلى المبيعات، على النقيض من ما يحدث لدينا على المستوى العربي.
قوالب ثابتة
وتابع عصمت: هناك قوالب ثابتة لا يخرج عنها النقاد العرب، ويخافون مخالفتها حتى لا يهدموا الصنم الأدبي الذي ولدوا وتربوا في كنفه.
. ومن المؤكد أن التقليل من شأن هذا المساق الإبداعي واختزال الهدف منه في التربح المادي، إهانة للقارئ في المقام الأول. فالقارئ يدرك جيدا الغث من السمين..
والقول بأن القارئ سهل الانقياد ليس في محله، إذ إنه يعلم ما يريد، بل هو أكثر وعيا من الكاتب والناقد. وبين صاحب رواية «الممسوس» أن البعض يُسيء فهم الهدف من روايات الرعب ويُحمّلها أكثر من ما تحتمل، لافتا إلى أن الهدف من الأدب والفن عموما المتعة، ثم تليها أهداف أخرى، مثل: رفع نسبة الوعي.
نضوب
يشير الكاتب أحمد خالد توفيق، إلى أن كون هذه الأعمال لا تحظى باهتمام النقاد والقائمين على الثقافة المصرية والعربية، لا يعني ضعفها. ويستطرد: ليس لدينا بالطبع مفتاح لقياس مدى كون الكتابات تتبع هذا النوع الأدبي أو ذاك، لكننا في النهاية، لا نملك إلا التعبير عن أنفسنا من خلال النوع الذي نرتئيه.
ويبين سبب توقفه عن كتابة سلاسل الرعب التي كانت تعتبر من علامات الكتابات للشباب في فترة التسعينيات: يعود هذا إلى نضوب الأفكار.. إضافة إلى عدم رغبتي في أن يتحول هذا اللون الأدبي إلى إحدى العادات السخيفة لدى القراء، وهو الأمر الذي كان سيطلق تساؤلات عديدة حول ضرورة توقف هذه السلاسل، ومن ثم التحول إلى الأعمال الروائية في الوقت الحالي.
نضج
الروائية إيمان الدواخلي توضح أنه رغم السمعة السيئة لأدب الرعب، إلا أن هناك أعمالا، من وجهة نظرها، جمعت بين الأدب والرعب لتنتج محتوى جيدا وممتعا يستحق القراءة في الوقت نفسه.
وتقول: هناك على سبيل المثال، رواية «الروحاني» لأحمد الملواني، التي أرى أنها استكملت الدمج بين الحكاية والتخويف، من خلال احتوائها على قصة مشوقة. وفي الوقت نفسه تمتلك جملة من عناصر الأسلوب والمعاني والعمق، حيث تستوفي شروط صناعة عمل مكتمل.
حاجة مرحلية
أما الناقد مدحت الجيار فيعتقد أن الأدب ليس لديه موضوعات محددة، بل يباشر الكاتب في أول موضوع يشغله أو يهمه أو يتخيله، كما ان الأنواع الأدبية الجديدة تتوالد وتتنافر من أجل أن تعطي لنا موضوعات وأشكالا أدبية ربما لا نرتاح لها.
ويضرب الجيار مثالا على ذلك، روايات الخيال العلمي التي تتحدث عن منجزات العقل البشري التي تتجاوز الخيال، ومنها: روايات أو أفلام تتحدث عن زراعة أعضاء داخل الأعضاء، أو تركيب مواد علمية وأشكال هندسية. ويشرح أن هذه الأعمال تحتوي مشاهد عنيفة ومليئة بالدماء لبشر يستمتعون بشكل وطعم الدماء، مؤكدا أن هذا هو التطور الطبيعي في الوقت الراهن.
دور قاصر
يشدد الناقد حسام عقل، على أن الحل تجاه هذا النوع الأدبي، لا يكمن في الابتعاد عنه، بل في الاهتمام به.. والتركيز عليه، خاصة وانه يأخذ حيزا كبيرا من اهتمامات جيل الشباب الحالي، والذي يجب الالتفات إليه من أجل فهمه، ومن ثم التعامل معه، ومعرفته.
ويشير عقل إلى أن دور النقد حتى تجاه أدب الرعب، يعاني القصور، ذلك بينما انه يجب أن يكون حيويا وموجها لا هادما، ومن ثم يسهم في الوقت نفسه، برفع مستوى الفكرة واللغة لدى الكتاب الصغار، إضافة إلى توعية الكتاب في مسار اختيار قضاياهم والعمل على تطويرها، وهو الأمر الذي يجب أن يشارك فيه النقد بشكل كبير من أجل رفع مستوى هذا النوع الأدبي.
«دراكولا».. نبع القص المرعب وبوابته
مر أدب الرعب بمراحل تطور عديدة، فظهرت في القرن الخامس عشر على وجه التحديد قصة فلاديسلاف باساراب حاكم والاشيا، وهي مقاطعة في ترانسلفانيا برومانيا، الذي أخذ عن أبيه لقب «دراكولا»، والتي استلهم منها الأدباء فيما بعد قصصا وأفلاما عدة.
كما ظهرت في القرن السادس عشر مسرحية الأديب الألماني غوتة «فاوست»، التي استلهمت التراث الذي يحكي عن الرجل الذي باع روحه للشيطان.. وخلال القرن الثامن عشر ظهرت رواية «قلعة أوترانتو» التي كانت الرواية الأولى التي جمعت بين الرومانسية والرعب، ثم بدأ الكُتّاب خلال القرن الثامن عشر في اتخاذ قصص مصاصي الدماء والسحرة..
وفي القرن التاسع عشر برزت أعمال تتجه للرعب وظلت تحظى بقراءات من مختلف بقاع العالم حتى الآن، وتعد أشهر الأمثلة على هذا رواية «فرنكشتاين» ورواية «دكتور جيكل ومستر هايد» ورواية «صورة دوريان غراي» للأديب الأيرلندي أوسكار وايلد.
حضور قديم تشهد عليه أبرز الأساطير والحكايا
لا أحد يعلم على وجه التحديد البداية الحقيقية لأدب الرعب، إلا أن عديداً من الأساطير القديمة تضمنت قصصاً هدفها إثارة الخوف لدى المستمع أو القارئ، ويتفق الباحثون على أن هذا النوع من الأدب لم يتخذ شكله الحالي إلا مع بداية ظهور روايات «الرعب القوطي»، الشهيرة والتي تحكي القصص في أجواء مرعبة قديمة، مثل حوت القلاع والبرق وأضواء الشموع. وحاز هذا النوع من القصص شعبية واسعة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، على يد كل من آن رادكليف وهوريس وبليس.
وفي وجه عام، يؤكد دارسون ومتخصصون عديدون، أن هذا النوع الادبي له جذور بينة في القص والحكايا والاساطير الشعبية الموروثة، ومن المرجح ربما، أنها الاساس الحقيقي له.



