تواجه صناعة الكتاب في الوطن العربي صعوبات جمة منذ العام 2011 حتى الآن. لذا، يعتني هذا التقرير في بحث القضية بتوسع، كاشفا ومناقشا مشكلات صناعة الكتاب في الوطن العربي، التي غدت مهددة وتئن تحت وطأة مشكلات كثيرة، ذلك وإن كانت شهدت نموا مطردا في دولة كالجزائر، نتيجة برنامج وزارة الثقافة الجزائرية الذي يدفع بحركة النشر بصورة كبيرة.
أرقام غير واقعية
في محاولة لتتبع أرقام جادة وتحليلية لحركة النشر في الوطن العربي، تؤدي بنا كافة الدروب والمسالك إلى أرقام غير حقيقية؛ فحجم النشر في الوطن العربي يتراوح بين 40 و60 ألف عنوان، ما بين مجلة وكتاب ودورية وسلسلة.. إلخ، لكن تكمن عقبة تحديد الرقم بدقة في عدم دقة أرقام الإيداع..
وعدم اكتراث عدد من المؤسسات بفكرة الإيداع الوطني؛ فالمنشور رسميّا في الوطن العربي خلال عام 2012 يتراوح بين 30 و40 ألف عنوان. والرقم نفسه عام 2013..
والرقم ذاته أو أزيد قليلاً في عام 2014. نستدل على ذلك من أن مصر وحدها في عام 2014 سجل لديها 22 ألف عنوان طبقاً لأرقام الإيداع في دار الكتب المصرية، بينما بلغ عدد الكتب والمجلات التي لم تحصل على أرقام إيداع 4 آلاف، هذا يعني أن مجمل النشر في مصر وحدها 26 ألف عنوان.
في قطر

تعددت في العشرين عاما الماضية، المؤسسات المنتجة للكتب في دولة قطر، وكانت وزارتا الثقافة والأوقاف، أكبر مؤسستين ناشرتين للكتب في قطر يليهما نادي الجرة، لكن برز في السنوات العشر الأخيرة المزيد من المؤسسات المعنية بالنشر، ومنها؛
•مؤسسة قطر التي أسست دار نشر مع بلومزبري، إضافة إلى النشر الذي تقوم به كليات ومراكز المؤسسة.
•المركز العربي لدراسات وأبحاث السياسات.
المملكة المغربية
على جانب آخر، تمثل المملكة المغربية، الجانب الآخر في رصد حركة النشر في الوطن العربي. هنا نتحدث عن حجم أكبر من النشر. إذ لا يقل عدد المطبوع في المملكة المغربية سنويّا، عن 4 آلاف عنوان، لكن هناك مشكلات في هذا النشر وحركته والتعريف به، منها:
•ضعف التوزيع خارج التراب الوطني المغربي، •قلة عدد النسخ المطبوعة من عدد كبير من العناوين، إذ تتراوح النسخ ما بين 200 وألف نسخة من العنوان الواحد.
النشر العابر للحدود
تبرز هنا قضية النشر العابر للحدود، ويتوارد سؤال ملح: هل يمكن احتسابه ضمن النشر الوطني، أم يجب إدماجه داخل تقارير النشر ضمن النشر الوطني للدولة المقر؟ وهنا نقصد بصورة محددة المنظمات الإقليمية، ومنها:
•المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأسيسكو ومقرها تونس)،
•المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الإسيسكو ومقرها المغرب).
النشر والمضمون
هناك إشكالية كبيرة في حركة النشر في العالم العربي، تتمثل في العلاقة بين مضمون ما ينشر وحجم ما ينشر وطبيعة النشر ذاته. إن الحراك الذي حدث مع بداية القرن الحادي والعشرين والمرتكز على الرواية بشكل أساسية كمصدر لحراك النشر، إنما قام على عدة معطيات، أبرزها: التفاعل عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
فأجيال الكتاب الجدد نجحت في بناء شبكة للدعاية لها والترويج لأعمالها عبر هذه الشبكات، بغض النظر عن مضمون إنتاجها، والذي يصل في بعض الأحيان إلى التعبير عن خواطر شخصية، حتى إن دور النشر العربية الكبرى نشرت مدونات على الإنترنت..
واجتذبت شبابا لهم صفحات رائجة وعدت هذا نجاحا كبيرا. كما ساهمت شبكة التواصل الاجتماعي في ظهور أجناس مختلفة في عالم النشر، وظهور نجوم لهذه الأجناس، حتى ظهرت القصة القصيرة جدّا. إن تفاعل الكاتب مع قرائه عبر الإنترنت ورده على جمهوره، يتيح له ساحة لترويج أعماله، وهو ما كفل الشهرة لكتاب كثر،مثل: أحمد مراد.
ويخالط هذا ظهور عدد من دور الشباب التي بلغ عددها عام 2012 في مصر 30 دار نشر، لترتفع في 2013 إلى 50 دار نشر. يؤشر هذا لضرورة بناء مرصد عربي للكتاب، وهو مشروع أساسي يجب أن يقوم عليه اتحاد الناشرين العرب، ليكون مرجعا في الحكم في هذه المسائل الخلافية.إن أكثر الأمور التي جرى بحثها خلال إعداد هذا التقرير، هو:
مضمون النشر ومدى تقديمه خدمات للباحثين والقراء، بل مدى امتداده إلى نقل وترويج المعرفة. وفي حقيقة الأمر، إن قوائم دور النشر العربية التي توزع في المعارض، كانت هي محل التحليل للوصول إلى نتائج محددة في هذا الاتجاه.
هناك نسبة محددة، وهي: 60% من حجم ما ينشر في الوطن العربي ينحصر بين 40% للكتاب الديني و20% للروايات الأدبية. ويعني هذا أن الكتب الدينية خلال الأعوام 2012 و2013 و2014 احتلت المرتبة الأولى في مضمون النشر العربي. وهذه النسبة ليست ثابتة بل كانت في العام 2012: 43%.
وفي عام 2013: 40%. وفي عام 2014: 44%. ويعود تصاعد هذه النسبة، ليس فقط إلى وزارات الأوقاف العربية والمؤسسات الدينية التي تمتلك برامج نشر وميزانيات كبيرة، بل إلى ظهور رغبة عربية عارمة لفهم ظاهرة الإسلام السياسي والتيارات الدينية المتطرفة والفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي .. وغيرها من الموضوعات.حركة الترجمة
تمثل الترجمة مقياس لمدى تفاعل أي مجتمع مع العالم المحيط وكذلك مقياس لمدى طموح هذا المجتمع لنمو المعارف والعلوم فيه، بل وقدرته على ملاحقة الجديد في كافة مجالات العلوم، فالترجمة تجدد البنية الذهنية للمواطن العربي، وتطمح كل بلدان العالم النامي إلى نقل كم متزايد من المعارف والعلوم إلى لغاتها، وتمثل اللغة الإنجليزية 85% من جملة الرصيد المعرفي في العالم؛ لذا زادت أهمية الترجمة في الوطن العربي..
وبرزت العديد من التجارب في هذا المجال، لكن شهد العامان 2012م و 2013م، تراجع دور المركز القومي للترجمة في مصر في هذا المجال في حين برزت مؤسسات أخرى؛ إلا أنه في عام 2014م، شهد المركز القومي للترجمة تصاعداً في إصداراته مع ارتفاع جودة الترجمة.
Ⅶ60% من حجم ما ينشر في الوطن العربي ينحصر بين 40% للكتاب الديني و20% للروايات الأدبية
Ⅶالكتب الدينية خلال الأعوام 2012 و2013 و2014 احتلت المرتبة الأولى في مضمون النشر العربي
Ⅶدعم مؤلفات الأطفال يأتي بصورة أساسية من الحكومات والجهات الرسمية
Ⅶ5% من دور النشر العربية متخصصة بصورة أساسية في كتب الأطفال
Ⅶالكتاب العلمي يشغل ما يقرب من 20% إلى 30% من حجم حركة النشر في الوطن العربي
Ⅶظاهرة بروز دور نشر تعنى بإبداعات الشباب برزت بفعل معطيات واحتياجات عصرية عديدة
Ⅶشهد العامان 2012 و 2013 تراجع دور المركز القومي للترجمة في مصر
عوالم الطفل تفتقر النشر كصناعة متكاملة ودقيقة
إذا اتجهنا إلى كتب الأطفال، سنجد أن دعمها يأتي بصورة أساسية من دعم الحكومات العربية لها، ومن حرص الأسر على تعليم أطفالهم، فضلاً عن أن 5% من عدد دور النشر العربية متخصصة بصورة أساسية في كتب الأطفال، في حين أن 36% من دور النشر العربية تضع كتب الأطفال ضمن أولوياتها..
لذا يمثل كتاب الطفل نسبة تتراوح بين 15-20% من حجم ما جرى نشره في الوطن العربي للأعوام: 2012 و2013 و2014.
اعتماد الأجيال الجديدة على أجهزة الهواتف اللوحية الحاسوبية IPad وغيره في التعلم والترفيه، مع توافر برمجيات تعليمية وأفلام كارتون مسلية أقل كلفة وأكثر تفاعلية. ويؤكد هذا ضرورة تحول دور النشر العاملة في هذا المجال إلى إنتاج هذه البرمجيات وإنتاج نوعية جديدة من كتب الأطفال تفاعلية مع الفضاء الرقمي..
كما أن أكبر الكوارث التي بدأت، أن بعض دور النشر ما توجه إليه هو مجال لعب الأطفال واستيرادها من الصين، من دون بناء صناعة متكاملة في هذا المجال، وهو الأمر الذي يتطلب جهوداً حثيثة طويلة المدى.
الترجمة
هنا يبدو القياس الصعب أيضا. إذ تتجه حركة الترجمة إلى العربية على الرغم من نموها وتعدد المؤسسات ودور النشر المعنية بها، إلى أن تكون تحديا شديد الوطأة يجعل منها كابوسا تحتاج معالجته إلى تدخل حاسم من الدول، سواء لتعزيز المؤسسات العامة والإقليمية العاملة في هذا المجال، أو لدعم جهود دور النشر الخاصة في هذا المجال، هنا تبرز دور نشر مثل:
العبيكان، جرير، دار الكتاب العربي، الساقي.. وغيرها، كمساهم في هذا المجال من النشر، وإن كانت تركز بصورة أساسية على الأدب والسياسة وعدد محدود من التخصصات، فأرقام الكتب المترجمة فيها لا تقارن بغيرها.
ويبين لنا المسح أن مشروعات الترجمة وسلاسلها، كانت أكثر جدية في تقدم العلوم الإنسانية والتطبيقية، بصورة تسهم في إحداث نقلات نوعية في الوطن العربي في هذا المجال، ولولا بعض المشروعات الناجحة في الترجمة خلال السنوات الأخيرة، لانعزل العرب عن تطورات الفكر والثقافة وتطورات العلوم والتكنولوجيا، ومن أنجح هذه المشروعات:
المركز القومي للترجمة (مصر)، عمادة شؤون المكتبات- جامعة الملك سعود، مجلة (نيتشر): «Nature».
الكتاب الجامعي.. 90٪من حجم المؤلفات العلمية
تشهد حركة النشر في حقل الكتب العلمية انتعاشا خجولا، والمقصود بالكتاب العلمي هو الكتاب المتخصص في الدراسات الإنسانية والعلمية التطبيقية، وهذه تمثل طبقا للمسح ما يقرب من 20% إلى 30% من حجم حركة النشر في الوطن العربي. ويمثل الكتاب الجامعي النسبة الأكبر من حجم الكتاب العلمي، إذ يمثل حوالي 90 % ..
وإن كان يهدد هذا المجال اتجاه الجامعات نحو التعليم الرقمي خلال السنوات المقبلة، فضلاً عن أن العديد من الخدمات التعليمية والدوريات في مجالات كالطب والكيمياء والهندسة، تقدم بسهولة عبر شركات دولية تتيح خدماتها باشتراكات للجامعات والمكتبات، تتميز بملاحقتها للجديد في العلوم.
فضلاً عن أن استخدام الطلاب وأساتذة الجامعات للنظم الجديدة يرفع التصنيف الدولي للجامعات، والتي باتت في منافسة محمومة داخل هذا التصنيف، لذا فلا مستقبل للكتاب الجامعي.
وتبرز الدراسات التحليلية في الخصوص، أن أسباب تراجع تصنيف العلوم التطبيقية باللغة العربية، بسبب تراجع برامج تعريب العلوم، وبدأ هذا التراجع في سوريا بصورة أساسية حتى نكاد نصل لانخفاض نشر العلوم باللغة العربية بنسبة 95% عما كان عليه قبل العام 2011، كما الحال في العراق ذاته، والذي كان يمتلك برنامجاً متكاملاً.
ويقتضي النشر والمضمون تقييم خطط النشر لدى العديد من دور النشر الرسمية والخاصة، وينعكس هذا على استخدام تلك المطبوعات كمراجع في الدراسات الأكاديمية. وعند فحص عينة عشوائية من الرسائل الجامعية التي جرت مناقشتها في العام 2014 في 6 جامعات عربية، من مصر والمغرب والعراق والسعودية وتونس والكويت، وبلغ عدد هذه الرسائل 500 رسالة. وبلغ عدد هذه الرسائل 500 رسالة، ومن ما اتضح منها :
•استعانت 70% من هذه الرسائل بكتب تراثية محققة، ترتكز على ما حقق بصورة أساسية في دور نشر لبنانية ثم مصرية ثم سعودية ثم أردنية.
•تمثل الكتب الصادرة في الفترة 2011 إلى 2013 من هذه العينة، 15% من حجم المراجع وتكاد المطبوعات الصادرة من القاهرة وبيروت تتساوى في هذه العينة، تجيء بعدهما السعودية ثم المغرب والإمارات والكويت والأردن.
غروبات «فيسبوك» تفاعلات تواكب متطلبات العصر في النشر
أخذت العديد من مجموعات الفيسبوك «الغروبات» تحويل الكتب الصادرة قديما وحديثا، إلى صيغ تتيحها عبر الموقع الشبكي، بل وزاد الأمر توسعا بإتاحة الرسائل الجامعية وتبادلها.
كما أن بعض الباحثين يرسل أعماله لهذه المجموعات طلبا لمراجع أو مصادر في موضوع البحث أو يطلب رسالة أو كتابا أو بحثا في موضوع يجري عليه بحثا، فيكون الرد غالبا بالإيجاب. مثل هذه التفاعلات تكشف عن عجز دور النشر العربية عن مواكبة متطلبات هؤلاء الباحثين، ومتطلبات الباحثين هي مجال عمل طورته العديد من دور النشر الدولية وغيرها.
ومن هذه المجموعات واحدة تجمع مؤرخي ومحبي التاريخ الإسلامي تضم ما يقرب من 11 ألف باحث من مصر والعراق والأردن والسعودية.. إلخ.
النشر الرقمي.. مشكلات التوزيع والقرصنة أخطار وعوائق ماثلة
ينقسم النشر الرقمي إلى عدة فئات؛ فئة معنية بتوزيع الكتاب المطبوع عبر شبكة الإنترنت، وأبرزها: نيل وفرات، التي أصبحت أيقونة في هذا المجال، وشجعت العديد من الموزعين عبر شبكة الإنترنت على الولوج في هذا المجال، كحال: جوميا وسوق وجمالون.
أما الفئة الثانية من النشر الرقمي، فهي توزيع الكتب بصيغ رقمية، وهذه الفئة تواجه مشكلات تتعلق بتقنيات عدم سرقة هذه الكتب الرقمية وإتاحتها بالمجان عبر الإنترنت، وهو ما يراه الناشر الأصلي إهدارا لحقوقه.
ونتوقف هنا عند فئة ثالثة تسعى إلى بناء قواعد للمعلومات وتسويقها، فتبرز في هذا الصدد دار المنظومة في الرياض التي تأسست في العام 2004، وفي العام 2015، جرى إطلاق منصات لقواعد المعلومات متخصصة في البحث والاسترجاع.. كما أن هناك الكثير من الفئات والجهات في الخصوص.
300
لا نستطيع حتى الآن أن نقرر باطمئنان رقما محددا لعدد الكتب المطبوعة في الوطن العربي، وإن كانت الأرقام تشير إلى أن عدد ما طبع في مصر منذ القرن 19م إلى الآن لا يقل عن 300 ألف عنوان، بينما عدد ما طبع في الوطن العربي إلى الآن لا يقل عن مليون عنوان، وهذه الأرقام في حاجة إلى دراسة ببليوغرافية دقيقة، تشمل كافة الدول العربية..
لكن المثير للانتباه هو فقدان العرب عددا كبيرا من المكتبات العامة وخزانتها من الكتب منذ العام 2003م إلى الآن، وبصورة خاصة منذ ثورات الربيع العربي أي منذ 2011م، وجاء حريق المجمع العلمي المصري في 2012م، ليتوج هذه المأساة بفقدانه ما يزيد على 15 ألف كتاب نادر.
لهذا السبب حرصت مكتبة الإسكندرية على إنشاء قسم للكتب النادرة، ولا ينافسها في هذا سوى مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، ومركز الملك فيصل للدراسات والبحوث في الرياض.


