أن تكتب وتكتب، فتجد لمدادِ قلمك صدىً، ولبقعة الحبر التي انبعث من روحك بصمة محفورةً في نفوس الآخرين، فتعبر كلمتك إلى القلوب، وتقتحم العقول والأذهان بلا استئذان، وتجتاز جميع الحواجز، لتحُطُّ رحالها تحت ضوء الشمس، فتصل إلى حيث يُحتفى بها، ويعانقها الألق مبتهجاً ببريقها، فهذا ما تفعله الجوائز الأدبية.

وها نحن اليوم أمام مجموعة من الجوائز الأدبية، التي أخذت على عاتقها مهمة الاحتفاء بالإبداع الأدبي، وتتويج أصحابه ملوكاً على عرش التميز، والتصفيق لذاك العطاء الذي يتحول تلقائياً إلى طاقة إيجابية، ومصدر إلهام يضاعف الجهود رغبة في تقديم الأفضل.

ورغم ان الجوائز تعد رمزاً مهماً يُخلد ألق صاحبه، إلا أن النظرة لبعضها ضبابية، فالمصداقية يشوبها بعض الغبار، ما جعلها تعاني أزمة ثقة. «بيان الكتب» تواصل مع نخبة روائيين، أكدوا في حديثهم أن الجوائز الأدبية مهمة في دعم الإبداع، إلا أن بعضها تطغى عليه المحاباة وتتحكم فيه العلاقات، ما يجعلها مثار تحفظ بالنسبة للكثيرين.

مقياس

«لم أنل منها الكثير». هكذا بدأ الروائي والكاتب المصري الدكتور محمد المنسي قنديل حديثه عن الجوائز الأدبية، وأكمل: أراها وهي تمر من أمامي وتذهب إلى حيث تشاء، وحين كنت صغيراً، كنت أنال الكثير منها، ولكن أصبحت المنافسة قوية الآن.. والمصارعون كثيرين.

وأشار قنديل إلى أن الجائزة الأدبية تعد فرصة جيدة لإلقاء الضوء على الكُتَّاب الذين يفضلون العيش في الظل..

وقال: معظم الكتاب يكتبون في غرف مغلقة، لا يعرفون ما هي ردود الأفعال على ما يكتبون، فهل يراهم أحد، أو تلقى كتاباتهم أي تقدير من أحد؟ وذكر قنديل أن الكاتب لا يستطيع أن يعرف الاجابة على تلك الأسئلة إلا عندما يُمنح جائزة، أو ينال تكريماً، لتصبح الجوائز بذلك مقياسا للعمل نفسه لا للكاتب.

تَحفُّظ

بدأت الروائية اللبنانية هدى بركات حديثها عن الجوائز الأدبية بالاعتذار، إذ قالت: أريد أن أعتذر قبل الإجابة، ودُعيت لترؤس لجنة جائزة تُعتبر اليوم من أهمّ الجوائز العربيّة ورفضت، وحاولتُ مناقشة بعض الشروط لكنّي يئست سريعاً، ولذا فالجوائز الأدبية العربيّة مثار تحفّظ بالنسبة الي. وبصراحة، هذا الأمر يثير حزني، وخصوصاً أنني كاتبة عربيّة وأكتب بلغتي الأم.

دهشة

وأكدت هدى أنها أصيبت بالدهشة حين قرأت اسمها على اللائحة القصيرة لجائزة مان بوكر العالميّة، التي تُعطى مرّة كلّ سنتين وعن كامل الأعمال، وتابعت: أصبت بالدهشة ولم أفهم من رشّحني!!

ولكنني بالطبع فرحت كثيراً، وكنت فخورة أكثر حين قرأت أسماء من رُشّح قبلي من أهمّ أدباء العالم، لكن حزّ في نفسي أن لا أكون في ترشيحات جوائز عربيّة مهمّة ! وأنهت بركات حديثها: حين تأتي الجائزة من طرف اللغة التي اخترت الكتابة فيها، تكون أهم من الترجمات ومن الجوائز العالميّة، سيكون رائعاً أن نبدأ من أمكنتنا قبل أن نذهب إلى العالم.

حالات وظروف

سألنا الروائي السوداني حمور زيادة عن مدى إيمانه وثقته بمصداقية الجوائز الأدبية، فأجاب: لا أقدر أن أحكم على الجوائز الأدبية هكذا في العموم، فهناك جوائز لها مصداقيتها ومكانتها، وهناك أيضاً جوائز تعتمد على المحاباة والعلاقات، ولذا لا يوجد حكم مطلق على كل الجوائز.

وأشار زيادة إلى أن لكل حالة ظروفها الخاصة فيما يتعلق بالجوائز الأدبية، ولكن بشكل عام، فإن حمى الجوائز الأدبية هي أحد أسباب الانفجار الأدبي الحديث في الكتابة، وقال: لا نستطيع أن ننكر أن حلم الحصول على جائزة من العمل الاول أصبح يراود كثيرين، أو حلم التحول إلى مليونير من جائزة أدبية واحدة، وهذا جعل كثيرين يجربون الكتابة على أمل حدوث المعجزة.

أزمة ثقة

الأمر مختلف بالنسبة للروائية السورية لينا هويان الحسن، التي أكدت في البداية، أن وجود الجوائز أمر ضروري، كونه ينعش حس المنافسة بين الأدباء، كما أن الجوائز تحسن من أوضاعهم المعيشية، ولكن كان لديها أزمة ثقة فيما يتعلق بجوائز الحكومات، وقالت: لا أثق بالجوائز التي تمنحها «الحكومات»..

أو تلك التي تسمى «التقديرية»، ولكن هنالك الجوائز الإبداعية التي تمولها جهات غير حكومية، أي لا تحمل شعاراً سياسياً بعينه، وهذه تعتمد على لجان سرية تقرأ وتغربل، وهنا يمكن الحديث عن نسبة عالية من المصداقية.

أحدثت الجوائز الأدبية الإماراتية فارقاً كبيراً، ونجحت في لفت الأنظار وإشعال رغبة الكثيرين في اقتناصها، وذلك لتميزها وقيمتها الأدبية الكبيرة، والسمعة الطيبة التي تمتاز بها، وقدرتها على تجاوز نواقص وعقبات ومآخذ كثيرة وقعت فيها جوائز مهمة، ومن أبرز هذه الجوائز:

انطلقت «جائزة الشيخ زايد للكتاب» الإماراتية عام 2007. وتضم عدة فروع وتمنح للمبدعين من المفكرين والناشرين والشباب، عن مساهماتهم في مجالات التأليف والترجمة في العلوم الإنسانية، التي لها أثر واضح في إثراء الحياة الثقافية والأدبية والاجتماعية، وذلك وفق معايير علمية وموضوعية. أنشئت (البوكر) العربية عام 2007 في أبوظبي..

وجرى تنظيمها بتمويل من هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وبدعم من مؤسسة جائزة بوكر البريطانية. وتمنح الجائزة في مجال الرواية حصراً. وتترشح فيها ست روايات لتتنافس فيما بينها على الجائزة، وهي جائزة يترقبها الوسط الثقافي والروائيون سنوياً. ويتسابقون للمشاركة فيها. كما أنها عززت حضور الرواية في أوساط القراء وساهمت في التعريف بأدبنا وكُتابه في الخارج.

انطلقت «جائزة العويس الثقافية» عام 1988. وتمنح الجائزة مرة كل عامين، لعدد من الكتاب والمفكرين العرب، على إنتاجهم في مجال القصة والرواية والمسرحية والشعر والدراسات الأدبية والنقد، والدراسات الإنسانية والمستقبلية.

شغلت جائزة «اتصالات لكتاب الطفل» التي انطلقت عام 2009، وتعتبر هذه الجائزة التي ينظمها المجلس الإماراتي لكتب اليافعين برعاية من شركة اتصالات، أحد أبرز وأهم الجوائز المخصصة لأدب الأطفال في العالم العربي. وفي العموم، من الصعب حصر جميع الجوائز الثقافية العربية التي ترعاها المؤسسات الإماراتية وذلك لكثرتها وتنوعها، ولكن يتفق الجميع على أن هذه الجوائز كان لها فضل كبير في دفع عجلة الثقافة إلى الأمام وترسيخ الهوية العربية والارتقاء بالثقافة والأدب.

بوابة الشهرة ومفتاح التسويق

تعد الجوائز الأدبية والثقافية في الأصل، غربية المنشأ، فلم يكن لدى الوطن العربي اهتمام بأمر الجوائز إلا عن قريب، ليظهر فجأة عدد من الجوائز الأدبية والثقافية التي ملأت الساحة، وأدت إلى طفرة أدبية وثقافية كبيرة، زادت شغف الكُتاب والأدباء واندفاعهم نحو الأدب، وتقديم محتويات ذات جودة عالية.

وساهمت هذه الجوائز في تسليط الضوء على إبداعات كثيرة، حتى ان الكثيرين أصبحوا يعتمدون عليها كوسيلة يختارون الكتب من خلالها، إضافة إلى أن الأدباء أصبحوا يعتمدون عليها في تقييم أنفسهم وإبداعاتهم.

وفي ظل غياب النقد الأدبي في الوطن العربي، تلعب الجوائز الأدبية دوراً مهماً يرى الكثيرون فيه تعويضاً عن دور النقد الغائب.

جائزة نجيب محفوظ خفت بريقها

جوائز عدة قدمت الكثير للأدب العربي، إلا أن حضورها خفت بريقه، ومن هذه الجوائز، جائزة نجيب محفوظ الأدبية، وهي جائزة أدبية تُمنح لإحدى الروايات الحديثة في حفل سنوي يقام في 11 ديسمبر، وهو اليوم الموافق ليوم مولد الكاتب نجيب محفوظ، وأطلق هذه الجائزة قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة للمرة الاولى عام 1996، وتبلغ قيمة الجائزة 1000 دولار أميركي مع ترجمة الرواية الفائزة إلى اللغة الإنجليزية ونشرها.

وهناك «جائزة مؤسسة ساويرس للأدب المصري» وهي جائزة سنوية منحت للمرة الأولى عام 2005 من مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية في مجال الرواية والقصة القصيرة، وبدءاً من عام 2008 أضيف مجالا السيناريو والفيلم الروائي الطويل. وتهدف الجائزة إلى تنشيط الحركة الأدبية في مصر وتشجيع شباب الكُتاب على الإبداع، وتهيئ الفرصة لظهور المواهب الحديثة.

وتضم القائمة «جائزة كفافيس» وسميت بهذا الاسم نسبة إلى الشاعر اليوناني كفافيس الذي ولد في فلسطين في 29 ابريل 1863، وعاش في مدينة الإسكندرية، منذ مولده حتى وفاته في 29 ابريل 1933.

وتمنح الجائزة للمبدعين من مصر واليونان مرة كل عامين، وبدأت الجائزة عام 1990 بهدف تنمية العلاقات الثقافية بين مصر واليونان.

كما أن هناك مجموعة كبيرة من الجوائز لالعربية، العريقة، خفت بريقها وباتت خارج الاضواء، جراء عوامل كثيرة، في مقدمها الجانب المالي.. إلى جانب نوعية تركيزها والمسائل التي تعتني بها، وأيضا طبيعة رؤى وجهود القائمين عليه. ويرى متخحصصون، ان المسالة في عمومها، تحتاج لجانا عربية متخصصة، تدرس القضية وتقترح الحلول الناجعة.