تموج مكتبة «الكتب خان»، خلافا لطبيعة حي المعادي الهادئ الذي تتخذ من أحد شوارعه الرئيسة مقرًا لها، بحالة من النشاط الدائم، مكَّنتها من أن تحفر اسما كبيرا في ثنايا الوسط الثقافي برغم بُعد المسافة بينها ووسط البلد الذي يستقطب الكم الأكبر من المكتبات والمثقفين.
وفي غضون عشرة أعوام، ظهرت المكتبة كمؤسسة ثقافية شاملة ترعى الأدب والفن بأنواعهما كافة، واتخذت من وضع أقدام شباب الكُتّاب على طريق التميز هدفا رئيسا لها، لتدفع بهم إلى الوسط الثقافي بتجارب متميزة لا تحتكم إلى أي اعتبارات سوى الموهبة.
في شهر مايو من عام 2006، كانت الانطلاقة الأولى للمكتبة، عندما قررت كرم يوسف أن تغير مجال عملها، من الإداري إلى حقل شغفها الدائم بعالم الكتب والنشر، واهتمت المكتبة منذ اليوم الأول بشكل خاص بدمج الكتب مع الندوات واللقاءات، إضافة إلى توفير أجواء مثالية للقراءة، من مشروبات ساخنة وباردة ومكان مريح يغري ويحرض على القراءة.
تحكي كرم يوسف عن طبيعة المكتبة وفعالياتها: سعينا إلى إنشاء مكان يحبه القراء، حتى لا تصبح الكتب خان مجرد مكتبة تقليدية للشراء، بل مكان يجمع بين الثقافة والقراءة والحفلات والكافيه وغيرها، الأمر الذي جعلنا نحظى بكثير من الأصدقاء المترددين باستمرار على المكتبة، حتى إن بعض الوجوه نراها مرتين أو أكثر في اليوم نفسه.
سمات تميز
تتبدى الصلة الحقيقية التي أرادت كرم صناعتها عبر اسم المكتبة نفسه، فمسمى «الكتب خان» الذي اختارته، يعني المكان الذي تحظى فيه الكتب بالرعاية والاهتمام، على حسب توضيح كرم، فالخان قديما يشبه الفندق حاليا، إذ إنه لراحة المسافرين من عناء السفر، فهنا في هذه المكتبة راحة للكتب، وراحة لقرائها.
على واجهة مقر الدار والمكتبة، تستقبل كلمة «الكتب خان» بشكلها المتميز، الرواد، تحدوها أشجار الورد والنخيل من كل جانب، فتصنع بمزيج اللونين: الأخضر والأحمر، إضافة إلى النوافذ الخشبية وتصميم المكتبة الهادئ، بهجة ناشئة من جمال الرؤية قبل الولوج إلى المكتبة، وتمتلئ طرقات وحوائط المكتبة بالأرفف، التي تصنف وفق مجالات عدة، بعضها لكتب الأطفال، وأخرى للروايات والتاريخ وعديد من المجالات المتنوعة.
وفي أحد أركان المكتبة جرى تخصيص مكان للندوات يتسع لعديد من الحضور ضمن الفعاليات المختلفة التي تقوم بها، والتي أثمرت عن اقتناص دار النشر جائزة «القاهرة 360» كأفضل مكان في مدينة القاهرة لسنة 2015، والتي تعد دليلا هاما لمعرفة كل مكان في القاهرة.
وأطلقت جائزة سنوية لأفضل الأماكن لـ30 فئة من الأماكن الترفيهية في العاصمة المصرية، وعبّرت المديرة العامة للمكتبة كرم يوسف عن سعادتها البالغة إزاء هذه الجائزة، واعتبرتها شهادة تعتز بها المكتبة وتعني لها الكثير.
مصاعب وتميز
وتوضح كرم، الناشرة ومديرة الدار، أن مصاعب عديدة تواجه المكتبة والدار، أهمها أننا أمة لا تقرأ، وهو الأمر الذي يحد بشكل كبير من ازدهار سوق القراءة في مصر، موضحة أن الأزمة ليست أننا أمة فقيرة، بل هي مسألة أولويات تعوّد عليها الشعب المصري..
حيث لم يعد الكتاب في مقدمة أولوياته. أما الصعوبة الثانية فهي غلاء الإيجارات والشراء بشكل عام الذي يدخل من ضمنه جميع خامات الطباعة، وتتمنى كرم أن تجد أرضية ثابتة تحكم مسألة التوزيع، مؤكدة أن الوضع القائم حاليا لا يوفر مثل هذه القوانين الثابتة فيما يتعلق بالقراءة بشكل خاص.
وتؤكد كرم أنها تؤمن بكل ما تقوم به ويحركها في الشغف بنشر الثقافة والمعرفة، موضحة أن هذا الإحساس بشكل خاص، يعزز مثابرتها من أجل استكمال ما تؤمن به.
كما تشير إلى أن أفكارا عديدة لا تزال قيد التحضير والتنفيذ في الآونة القادمة، إذ من المنتظر أن تعكف المكتبة ضمن فرعها الجديد، على تخصيصه «للأندر غراوند»، الذي سيحتوي بشكل خاص على الموسيقى الشبابية، إضافة إلى عرض أفلام شبابية، وتخصيص يوم من كل شهر من أجل قراءات شعرية متنوعة.
كما تؤكد أن بروز المكتبة ضمن أهم المكتبات في مصر، وراؤه إخلاص القائمين على المكتبة في عملهم، موضحة أنها اهتمت بشكل خاص بالأنشطة الثقافية..
وتأمل أن تتحسن الأمور في مصر بشكل أفضل، وأن يكون للمكتبة بصمة في هذا الاتجاه من خلال إرساء فكرة دعم القراءة، والتشجيع على ممارستها، وضرورة أن تصبح من أولويات حياة المواطن المصري، وأن يفهم الجمهور دور المكتبة الحقيقي.
تنوع
تنظم الكتب خان العديد من الفعاليات لجذب جمهورها من القراء والزائرين لها، منها: محاضرات في «التذوق الموسيقي» من إعداد وتقديم الدكتورة نهلة مطر.. وهي مؤلفة موسيقية مصرية عزفت مؤلفاتها في: جمهورية مصر العربية وسويسرا وتركيا والولايات المتحدة الأميركية. وإلى جانب ذلك، أطلقت المكتبة دعوة للاحتفال بالشعر والموسيقى تحت عنوان «100 ألف شاعر وموسيقي من أجل التغيير»..
من خلال عدد من القراءات الشعرية والموسيقية، وتضم 650 فعالية شعرية وموسيقية من 110 دول ومدن حول العالم. ومن المقرر تنظيمها في مصر في مدن: القاهرة وبورسعيد والإسكندرية.
كما وجهت المكتبة دعوة إلى جميع المكتبات والمؤسسات.. وغالبية الكيانات الثقافية الكبرى وحتى الصغرى، المستقلة وغير المستقلة، من أجل الاشتراك في تلك الاحتفالية التي تهدف إلى إعلاء قيم الحرية والعدل والمساواة.
كذلك توفر المكتبة لقاءات حية للجمهور مع الكتاب البارزين، لمناقشة أعمالهم ومد أواصر التواصل بين الكاتب الذي يراه القارئ غالبا من وراء كتابه فقط. ومن ذلك، لقاء مع الروائي إبراهيم عبدالمجيد، حول فن الكتابة الإبداعية من خلال مناقشة كتاب «ما وراء الكتابة..
تجربتي مع الإبداع». كما ناقشت أيضا الكاتب الشاب شريف عبدالمجيد، الذي حازت مجموعته القصصية «تاكسي أبيض» الصادرة عن دار المصرية اللبنانية، على إعجاب جماهيري ونقدي.
أيضًا، تنظم المكتبة حفلات توقيع، سواء للأعمال الصادرة عن المكتبة أو لأعمال أخرى، ومن بين هذا: حفل توقيع ديوان «وجه يارا.. قصائد من أجل الحرية». إذ ضم الديوان مجموعة من القصائد التي كتبها شعراء مصريون وعرب وأجانب، حول فكرة حرية الرأي والتعبير.
ونظمت المكتبة حفل توقيع ومناقشة لكتاب «ترجمة الثورة المصرية.. ثورة 25 يناير» للدكتورة سامية محرز، بحضور مجموعة من دارسي الأدب والثقافة المصرية. وأيضا، حفلة لتوقيع كتابي «الاتفاق» لحسن خان و«15 سبيلاً إلى تعدي باديو» الذي أعد بمشاركة 15 فنانا مصريا..
وتأتي أهمية الكتاب الاخير من كونه يحاول الاشتباك مع الأطروحات الخمس عشرة التي يقدمها الفيلسوف الفرنسي آلان باديو داخل أعماله، عن الفن المعاصر.. إلى جانب توقيع رواية «روائي المدينة الأول» للشاعر والروائي عمر حاذق، وكتاب «الأصول السياسية للتنمية» للدكتور عمرو إسماعيل عادلي.
وإضافة إلى الحفلات والفعاليات المتنوعة، تعرض الكتب خان، مجموعة من الأفلام المهمة والمميزة من شتى دول العالم، مثل: الفيلم التسجيلي «جورج أورويل:
حياة في صور»، الفيلم الكندي الفرنسي «حرائق»، الفيلم الأميركي «إنهم يقتلون الجياد» -إنتاج عام 1969 وإخراج سيدني بولاك، الفيلم الفرنسي «رجل وامرأة» للمخرج الفرنسي كلود ليلوش الذي سبق وفاز في 1966 بجائزة الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي وأحسن سيناريو..وكذا جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان.
خارج الحدود
لم تقتصر المكتبة في أنشطتها على الكتاب الشباب المصريين أو العرب وحدهم، بل امتد ذلك إلى الكُتاب الأجانب. ومن ذلك، تنظيمها أمسية قراءات شعرية جمعت شعراء مصريين:( محمد المزروعي ومحمود شرف ومنتصر عبدالموجود)، مع الشاعر المكسيكي روبرتو ريسينديس أراندا والشاعر الكوستاريكي كارلوس بيالوبوس، اللذين قدمهما المترجم الدكتور علي المنوفي.
كما حرصت المكتبة على أن تستضيف الشاعر الأميركي توماس هايلي، الذي قرأ مقتطفات من ديوانه «ماذا تعرف اليد اليمنى؟».. وقصائد أخرى جديدة، ويعد هايلي كاتبا وشاعرا ورئيس مجلس أمناء منحة فولبرايت، وعين رئيسا للمنحة من قبل الرئيس الأميركي باراك أوباما، ونُشرت أشعاره وكتبه في عدد كبير من الدوريات والمجلات الشعرية البارزة.
ورش فنون السرد والكتابة الاحترافية
لم يقتصر دور المكتبة على الفعاليات فقط، بل امتد إلى التعليم المباشر من خلال الورش التي تستضيفها وتطلقها للكتاب الشباب الموهوبين..
والتي تتميز المكتبة بها، حيث نظمت ورشة الكتابة الإبداعية و«القصة: الفكرة والحكاية»، بإشراف الكاتب محمد خير، إضافة إلى ورشة في شرح أساسيات فن الكتابة الروائية وأساليب السرد، التي أقيمت من أجل تمكين المشاركين من إنتاج مشروعهم الروائي المقترح للورشة، تحت إشراف الكاتبة لنا عبدالرحمن.
المكتبة نظمت أيضا ورشة رسم الزيت، وورشة «اتعلم رسم» بمشاركة رسام الكاريكاتير مخلوف، إضافة إلى ورشة صور عن عملية التهشير والتظليل بالحبر، حاضر فيها الفنان التشكيلي صالح بك.
أسعار تناسب القارئ محدود الدخل وتخفيضات دائمة
تتيح المكتبة مجموعة متنوعة من الكتب المخفضة، والتي تتبع لدور نشر مختلفة، لتكون أسعارها في متناول يد القارئ البسيط. وتجري هذه التخفيضات تحت عنوان «الفرشة» التي تتوافر في يوم الجمعة الأول من كل شهر، متضمنة موضوعات مختلفة بين الرواية واللغة العربية أو الطبعات المنتهية أو القديمة، وأطلقت المكتبة هذه الفعالية منذ عامين.وذلك في فرع الكتب خان باللاسلكي.



