ما بين البحث عن لقمة العيش، وتأمين حياة اجتماعية أفضل، وما بين الهروب من التنكيل والملاحقة والتضييق الأمني، اضطر كثير من المبدعين، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، إلى هجرة أوطانهم، وانتشروا في العالم، خاصة بلدان الغرب الأكثر انفتاحاً وحرية، ليصنعوا حالة إبداعية فريدة في المشهد العربي، بل والعالمي، لا سيما فيما عرف بـ«شعراء المهجر»، لكن الملاحظ أيضاً أن مبدعين من الشبان اتجهوا أيضاً إلى الهجرة.

«بيان الكتب» يرصد هذه الظاهرة، بقديمها وحديثها. وما أسست له ورسخته من توجهات وقيم إبداعية وحضارية.

في البداية، يوضح أستاذ اللغة العربية في جامعة الزقازيق، الناقد مدحت الجيار لـ«بيان الكتب»، أن هجرة الأدباء ظاهرة بدأت منذ القدم، ثم ظهرت بشكل واضح عند ظهور جماعة شعراء المهجر، وهو الأمر الذي جعل لهؤلاء الكتاب مدرسة، وطريقة خاصة بهم لفتت أنظار العالم إلى قضيتهم ورؤيتهم للحياة، لتمضي السنوات على الكتاب المهاجرين الذين تتنوع أسباب هجرتهم على حسب احتياجاتهم الشخصية.

ويتابع الجيار: «المبدع مثال حر لا يمكن أن يسلم نفسه لجمود أو ثبات، فأحيانا تكون الهجرة مقصودة لاكتساب معارف جديدة، أو فتح آفاق جديدة للكاتب، كأن يشاهد جغرافية مكان ما أو نظاما سياسيا مختلفا يكتب عنه أو خلاله، والثاني أنه أحيانا تضيق الحياة على الأديب، ويهاجر من أجل لقمة العيش ليزيد دخله، ويتعرف على سبل جديدة للحياة..

وأحيانا تكون الهجرة إلى مناطق أخرى يتعلم منها علما جديدا، أو يرى فيها أشكالا كتابية مختلفة ومتقدمة عن ما هو فيه، وبالتالي الهجرة دائما مصاحبة للتغيير والتمرد، ومصاحبة لتحسين الأحوال الاقتصادية والاطلاع على كتابات جديدة».

«غير صحيح»

أما عن هجرة الأديب من أجل الكتابة، فيؤكد الناقد المصري أن هذا الأمر غير صحيح من وجهة نظره، مفسرا ذلك بقوله: «يمكن أن يعيش الكاتب في بلده، وينشر ما يريد أن يقوله في إحدى الدول العربية الأخرى مثل لبنان أو المغرب وغيرهما، لذا فالسفر إلى الخارج من أجل الحرية ليس مبررا على الإطلاق، بل هو هروب لا أكثر ولا أقل».

ظروف وأسباب

ولم تختلف الأسباب التي تدفع إلى هجرة المبدعين في العصر الحالي، فيمكن ان يضطر العديد من الأدباء للسفر بسبب ظروف عملهم، حيث أوضح الشاعر والروائي المصري أشرف أبو زيد، المقيم خارج وطنه، أن طول وقت الغربة علّمه التعامل مع حالات الحنين تلك، مؤكدا أنه سجل العديد من لقاءاته داخل مصر ليستمع إليها عندما تجرفه أشواقه إلى وطنه وأصدقائه.

وبين أنه كثير الاستماع إلى رموز الفن والطرب المصري، أمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وحتى الشيوخ الذي يرتلون القرآن الكريم، مثل عبد الباسط عبد الصمد، الذي يُعد صوته هو الوطن بالنسبة له.

وعن دوافع السفر لديه، لفت أبو زيد إلى أنه لا كرامة لمبدع في وطنه، فهو لا يجد دعماً يمكنه من التفرغ للإبداع، ولذلك كان دافعه إلى الهجرة السعي وراء الرزق الذي يمكنه من الإنفاق على أسرته وعلى إبداعه.

وأضاف، إنه برغم قسوة الاغتراب، إلا أنه يصقل تجربة المبدع، ويثري تجربته، وينعكس ذلك في المنتج النهائي الذي يقدمه لجمهوره.

غياب

والحالة نفسها، واجهها الكاتب وليد علاء الدين، كما قال. إذ أكد أنه ظن في البداية أن الاغتراب يحقق حياة كريمة له ولأسرته، لكن شعور الغربة والحنين كانا أقوى لديه..

مشيرا إلى أنه اكتشف أن أمورا مثل العمل والاجتهاد لا قيمة لها داخل العديد من الأوطان العربية التي لا تثمن الجهد والإبداع في مقابل الرشوة والفساد وغيرها، وهو الأمر الذي يحزنه للغاية، لأنه يصب في مصلحة عدم تكافؤ الفرص بين المواطنين داخل وطنهم، ويشجعهم على الهجرة إلى الخارج.

بينما أوضح الروائي طلال فيصل، لـ«بيان الكتب»، أن ظروف عمله كطبيب هي التي أجبرته على العيش في ألمانيا، ليتعلم اللغة الألمانية، ويمارس المهنة والإبداع بسهولة بعد عدة مصاعب واجهته، لافتا إلى أن الغربة أفادته بالتعرف على العالم الخارجي في العديد من الموضوعات التي يتناولها داخل رواياته..

رغم الحنين الذي ينتابه كثيرا إلى وطنه، إلا أنه حتى الوقت الحالي، لا يزال يعمل في مشاريع الترجمة ضمن سلسلة الجوائز، مستفيدا من لغته وثقافته الألمانية في تقديم منتج أدبي جيد للقراء المصريين.

تضييقات معمَّر القذافي

وبعيدًا عن لقمة العيش، هناك أسباب أخرى لهجرة المبدعين، كما يتبين في أرض الواقع، إذ تعد التضييقات الأمنية التي تمارسها بعض الأنظمة سببا جوهريا لذلك، وهو ما أشار إليه الروائي الليبي إبراهيم الفقيه في حديثه إلى «بيان الكتب»، موضحا أنه في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي عانى عديد من الأدباء من التنكيل بهم داخل السجون الليبية..

من دون أية محاكمات تذكر، فقط لمجرد كون الرئيس الأسبق يخاف أن يبرز نجمهم عليه، وهو الأمر الذي اضطره حينا إلى مهادنة النظام بسبب خوفه من البطش، مشيرًا إلى الأدباء الذين لم يهادنوا كان التنكيل بهم هو الحل الأمني الأسهل.

ورغم كون الفقيه لم يعان في بلده من الملاحقة، كما يبين، إلا أنه اختار السفر هو وعائلته إلى مصر من أجل حياة أكثر رحابة في ظل حرية أكبر لم يكن يتيحها نظام القذافي، مؤكدا أن خوفه من الاستمرار تحت جناح هذا النظام هو ما اضطره إلى السفر من أجل استكمال مشروعه الأدبي.

من سجون صدام إلى ألمانيا

الروائي العراقي عباس خضر، عاش التجربة ذاتها، إذ هرب منذ سنوات طويلة إبان نظام صدام حسين، الذي زج به بالفعل في السجن لسنوات رغم صغر سنه، وظل في السجن حتى صدر عفو رئاسي أتاح له الخروج مع المعفو عنهم، وبسبب تشديد الإجراءات التي كانت تقر بضرورة زيارة المفتشين كل أسبوع..

والمنع والتضييق والمراقبة، قرر الهجرة، ولم يكن ذلك متاحا بسهولة، وهو ما اضطره إلى الهرب ليتنقل بين العديد من البلدان قبل أن يستقر في ألمانيا، والتي عانى فيها في البداية، نظرا لاختلاف اللغة، ولكنه استطاع هناك الإخلاص لأدبه في المقام الأول، وهو الأمر الذي يسعى إليه أي أديب.

وعن الحنين إلى الوطن، قال عباس: «حنيني للعراق انتهى حينما زرته في عام 2003 بعد سبع سنوات من مغادرته في 1996، فعندما عدت لم أجد سوى الخراب، ولا أقصد خراب المدن إنما خراب القلوب والأرواح. من يومها وانأ أعيش في وطن لا دخل له بالأوطان، وطن شخصي أحدد ملامحه حسب رغبتي».

ولكن، رغم هذا، يلفت الأديب العراقي الى أن العراق لم ينفصل عن أعماله: «كل رواياتي تتناول مواضيع عراقية مع تنوع مكاني يفرضه النص، أحيانا تلعب بعض دول شمال إفريقيا ووسط أوروبا أهمية أكثر من العراق، في نهاية المطاف الأدب الذي نكتب هو نتيجة، بوعي أو بلا وعي، لتجارب خضناها بطريقة ما ذهنيا أو واقعيا، وتجربتي مع العراق ليست عابرة أبداً».

أما فيما يخص العودة، فقال: «إذا وجدت 50% من الحرية التي أحصل عليها في ألمانيا أدبيا وإنسانيا، فلن أتردد في العودة إلى العراق، لكن مساحة الحرية التي أتحرك فيها الآن لن تقودني في بلد مثل العراق إلا إلى حبل المشنقة أو طلقة غير طائشة».

اتجاه سياسي

يشير الكاتب طنسي زكا داخل كتابه «قراءة سياسية لأدب أعلام المهجر» أن أدب الشعراء خاصة في شمال أميركا كان يعد أدبا رائدا ملتزما، حيث إن كتاباً مثل أمين الريحاني وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة سبقوا كتاب لبنان وسوريا في دعواتهم للحرية والاستقلال، إضافة إلى مهاجمة الانتدابين الفرنسي والبريطاني ومعاهدة سايكس بيكو، إلى جانب سبق الشعراء في بلادهم الأصلية بفكرهم القومي والاشتراكي على وجه خاص.

كما كتب هؤلاء الشعراء عن أهمية الحرية والثورة، التي هي السبيل الطبيعي للحرية وأهمية توحد العرب ضد الاستعمار، ليقدم الكتاب في الوقت نفسه المواقف المتباينة لهؤلاء الشعراء، والتي تتباين ما بين النزعات المختلفة، والتي تنوعت بين العروبية والقومية والاشتراكية، وإن كانت في النهاية ذات هدف أخير واحد.

مهاجرون مبدعون «شوام» أسسوا الرابطة القلمية عام 1920

يمكن القول إن هجرة المبدعين العرب قادها بالأساس شباب من لبنان وسوريا ومصر، تركوا أوطانهم لأسباب تنوعت بين البحث عن العمل، أو طلب العلم، أو استكشاف عوالم جديدة، فضلًا عن الهروب من كبت الحريات والملاحقة الأمنية أو الطائفية في أوطانهم آنذاك، وكانت وجهتهم غالبًا إلى الأميركتين (الشمالية والجنوبية)..

فيما بين 1870 و1900، استقرت فئة منهم في المهجر الشمالي «أميركا» وأسست «الرابطة القلميّة» سنة 1920، برئاسة جبران خليل جبران، وعضوية: ميخائيل نُعيمة، إيليا أبو ماضي..

وكانت اسم مجلتهم «السائح» التي عكست صورة رائعة للأدب العربي في المهجر، بينما استقرت فئة أخرى في المهجر الجنوبي «البرازيل» وأسست «العصبة الأندلسية» سنة 1932، برئاسة ميشيل معروف، وعضوية: داود شَكّور، نصر سمعان، شفيق المعلوف، إلياس فرحات، رشيد الخوري. وأصدروا مجلة «العُصبة» التي حملت أصواتهم وآراءهم الأدبية في تجديد الأدب العربي.

جبران وأبو ماضي.. رائدان وحكاية

يعد الشاعر إيليا أبو ماضي من بين أهم أعلام أدباء المهجر، إذ سافر بعد أن ضاقت به سبل العيش في لبنان، فوجد ضرورة الرحيل لتحقيق أحلام حياته بالخارج، فسافر إلى مصر 11 عاما، ثم عاد إلى وطنه ولكنه لم يتحمل، ليسافر من جديد إلى الولايات المتحدة الأميركية، لكونه لم يستطع العيش أكثر من ذلك بلبنان..

ومكث بأميركا حتى وفاته، كما يعتبر من أهم الأعلام أيضاً: جبران خليل جبران، فوزي المعلوف رائد الصحافة العربية في أميركا الجنوبية.