احـتضـنـت مكتبات الهند لمئات السنين، جـزءاً مـن الـثـقـافـة العربية، حيث يوجد فيها ما يزيد على مائة وخمسين ألف مخطوطة وحوالي 40% من تلك المخطوطات مخطوطات باللغة العربية، يرجع بعضها إلى القرن الأول الهجري.
اهتمام الهند بحفظ المخطوطات وتسجيلها، بدأ فعليا في القرن التاسع عشر، حين باشر عددٌ من الباحثين بإعداد سجلات لبعض المخطوطات ذكروا فيها وصفاً بسيطاً لمضمون كل مخطوطة ولمحة عن مؤلفها. وخزنت هذه المخطوطات في المكتبات المختلفة المنتشرة في أنحاء البلاد، مثل:
مكتبة رضا في رامبور التي تحتوي ذخائر علمية نادرة جعلتها بحق حاضنة لثروة علمية وثقافية تجاوزت أهميتها حدود الهند، ونالت اعتراف العالم بأسره.
وهي تضم حالياً أكثر من 90 ألف كتاب قديم مطبوع باللغات: العربية، الأردية، الفارسية، السنسكريتية، البشتية.. وغيرها. كما تضم بين جنباتها أكثر من 21000 مخطوطة، بينها 5500 مخطوطة عربية، و3100 لوحة خطوط عربية، كانت نتاجاً مبدعاً لعدد من كبار الخطاطين العرب والمسلمين.
مركز إشعاع علمي
مكتبة رضا هي المكتبة الرسمية في رامبور. وسميت بذلك الاسم كنوع من الوفاء للأمير رضا علي خان أحد أهم حكام ولاية رامبور. وهي موجودة على بعد 210 كيلومترات من العاصمة نيودلهي، في داخل قصر رائع بناه الأمير حامد علي خان (1889- 1930)، وفق عدد من الطرز المعمارية كالهندية والأوروبية والإسلامية.
تأسست المكتبة على يد الأمير علي خان في العام 1737 حيث أودع فيها ذخائره الخاصة، وزودها بالعديد من الكتب والمخطوطات واللوحات الفنية. ومن ثم بعد ذلك، سار أعيان دولته على خطاه وقدموا إلى المكتبة مقتنياتهم الشخصية من الكنوز. وتطورت المكتبة مع الزمن حتى أصبحت مركز اشعاع علمي، وحظيت باهتمام عدد كبير من الشخصيات العلمية والأدبية والسياسية، الذين عملوا على إثراء مخزونها الثمين.
شهد العام 1774 في الهند، حرب روهينة، التي دارت رحاها بين الإنجليز والأمراء «الروهينيين» في «روهيل كهند». وكان عاماً صعباً على المكتبة، حيث نقل معظم كنوزها إلى لكناو خوفاً من أن تتعرض للسرقة أو التلف ومن ثم في العام 1857 وبعد سقوط لكناو عادت المكتبة إلى رامبور مرة أخرى.
تاريخ المكتبة يشير إلى أن الفترة الممتدة بين 1894 و 1935 كانت بمثابة العصر الذهبي للمكتبة، حيث جرى رفدها بالكتب والمخطوطات النادرة، من مختلف أصقاع الهند والدول العربية والإسلامية، ومن خزائن ومكتبات العديد من حكّام الولايات الهندية.
كنوز
تعد مكتبة رضا، مستودعاً فريداً للمخطوطات النادرة باللغات المختلفة، والتي تثبت التواقيع والأختام الموجودة عليها أنها تعود إلى مكتبات إسلامية مختلفة من: اسبانيا، بغداد، العراق، إيران، مكة المكرمة.. وغيرها. وهي تضم أكثر من 90 ألف كتاب قديم، بعضها يعود تاريخه إلى أكثر من ألف سنة..
وبعض هذه الكتب جرى نسخه على الرقاع وأوراق النخل، ومن أبرزها المصحف الشريف الذي يقال إن الإمام علي بن أبي طالب كتبه بيده وبالخط الكوفي على رقاع من جلود الإبل، وهنالك أيضا نسخة أخرى من المصحف الشريف كتبها عميد الخطاطين العرب والمسلمين:
أبو علي محمد بن حسين بن مقلة البيضاوي البغدادي الذي اخترع الكتابة العربية بخط النسخ، بدلاً من الخط الكوفي. كما تحتضن المكتبة نسخة وحيدة من القرآن الكريم لا وجود لها في أي من المكتبات العربية والإسلامية، خطّها وزيّنها الخطاط البغدادي يعقوب المستعصمي، وهذه النسخة ليست الكنز الوحيد الذي كان حكرا على مكتبة رضا. فهنالك أيضا مخطوط هام جداً يعود تاريخه إلى القرن التاسع الميلادي.
وهو كتاب تفسير القرآن الكريم لعلي عبد الله سقيان الثوري، المتوفى سنة 777 م، وهناك أيضاً تفسير نادر آخر وهو «النقاط والعيون» للإمام أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب المواردي (المتوفى في 1058م)، ويرجع تاريخ هذه المخطوطة إلى القرن الثاني عشر الميلادي. كما يعد أيضاً «تفسير الكشف والبيان» الشهير للإمام أبي إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي من المخطوطات الفريدة الموجودة في المكتبة..
بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من مخطوطات أحاديث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، مثل مخطوطة منيع الأخبار التي ألفها أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يعقوب البخاري الحنفي في القرن الثاني عشر الميلادي. وتكمن أهميتها في أنها تحمل ملاحظات المؤلف في أماكن عديدة. وهناك الكثير الكثير غير ذلك.
وتمتلك المكتبة مجموعة كبيرة من المخطوطات حول الفقه وأصول الفقه. ومن ضمن هذه المجموعة، مخطوطة «أنوار البروق» التي كتبها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس، ومخطوطة «تنبيه المسالك» التي تحظى ببالغ الأهمية وتتعامل مع جميع السمات الصوفية، إذ كتبها تقي الدين أبو بكر الحسيني، وهي مكتوبة في عام 1464م.
وهناك مخطوطة بارزة قديمة لكليلة ودمنة، كتبها أبو المهدي نصر الله بن محمد بن عبد الحميد الغزنوي في القرن العاشر الميلادي مع 82 صورة مثيرة للرجال والحيوانات والطيور.
كما تتفرد المكتبة باحتوائها على كتاب «رسالة غرامية في السلوك» للمؤلف أحمد الغزالي، المتوفى سنة 1123، إلى جانب مخطوطة نادرة لمؤلف «شرح الكفاية» للرازي، ومخطوط شعري استثنائي هو «ديوان بابر»، أو «بياض بابر»، المكتوب سنة 1538.
وتحتوي المكتبة على ديوان حافظ شمس الدين الشيرازي، المتوفى سنة 1388، وهذا الديوان كان موضع اهتمام الإمبراطور المغولي «أكبر» نظرا لاحتوائه على حكم نادرة ساهمت في منحة شهرة واسعة فأمر بترتيب نسخ عديدة منه لضمان بقائه من جيل إلى جيل. ولكن للأسف، لم يتبق من تلك النسخ سوى نسخة وحيدة في الهند وهي موجودة في مكتبة رضا.
وهناك مؤلَف هام باللغة العربية، حول الجغرافيا الوهمية والمخلوقات العجيبة، يحمل عنوان «عجائب المخلوقات»، ويحتوي على صور غريبة للبشر والحيوانات والطيور. والكاتب الأصلي لهذا الكتاب زكريا بن محمد القزويني (المتوفى في 1283م).. ولكن كتبه في ما بعد كمال الدين حسين بخط النسخ في العام 1571م.
وهناك مخطوطة قديمة جداً مزينة بطريقة فنية للترجمة الفارسية، ترجع للعام 1203م، ومخطوطة «دستور الباب» التي يرجع تاريخها الى العهد الغزنوي وتتضمن مصطلحات إدارة حكم فيروز شاه. كما يوجد داخل المكتبة 150 مخطوطة بارزة من وسط آسيا وإيران والهند، من أبرزها: المخطوطة الفريدة لجامعة التواريخ.
وكتبها رشيد الدين فضل الله بخط النسخ، وتضم 81 صورة تجسد أسلوب الحياة والفن والهندسة المعمارية للقبائل المنغولية. ومخطوطة لـ«ديوان جامي» المكتوبة في 1509م-1510م، وتشتمل على أختام مشاهير النبلاء المغول وختم والدة الامبراطور أكبر حميدة بانو بيغم، ابنة علي أكبر. وثمة مخطوطات بلغة بشتو الكابولية.
وهي اللغة القومية لأهل روهينة، الذين أسسوا ولاية رامبور في «روهيل كهند». وهذه المخطوطات تشتمل على آداب بشتوية، من شعر ونثر ونوادر وحكم وقصص وسرديات تاريخية، وبعضها مصور مثل «ديوان رحمان»، و«ديوان خابور»، و«الديوان الأزرق» للشاعر الغزنوي رحماني زهيدي.
وفي مكتبة رضا أيضاً مخطوطات سنسكريتية وهندية، وأخرى مكتوبة بالعديد من اللغات المحلية، لا يقلّ عددها جميعاً عن ألف مخطوطة.
هذا بالإضافة إلى أكثر من 1700 مخطوطة باللغة الأوردية، تتمحور حول 80 موضوعاً، والملفت للنظر أن معظم هذه المخطوطات مكتوب بخط يد مؤلفيها. ومن الجدير بالذكر وجود كتب منقولة إلى الأردية من لغات أخرى، مثل ترجمة «راماينا» لأحمد خان غفلت، ومسودات حول تاريخ رامفور، وكتابات للمولوي عبدالمجيد خان.
90 Ⅶألف كتاب قديم بالعربية والأوردية والفارسية والسنسكريتية والبشتية
21000Ⅶمخطوطة بينها 5500 عربية و3100 لوحة خطوط عربية وإبداعات أخرى فريدة
Ⅶتُمثّل بيت الكتب الرسمي في رامبور واكتسبت الاسم تيمناً بمؤسسها الأمير رضا علي خان
Ⅶأنشئت عام 1737 وعاشت مرحلة ذهبية خلال الفترة بين عامي 1894 و1935
جهود تاريخية لحماية المحتويات
في عشرينيات القرن الماضي، كانت توضع المخطوطات في دواليب حديدة محكمة الإغلاق في المكتبة، لدرجة لا تسمح حتى بتسريب الهواء إلى داخلها. وفي حال ملاحظة حدوث تسرب للرطوبة كان يجري اخراج المخطوطات المخزنة ووضعها في الشمس حتى تجف. ومن ثم يُعاد تخزينها من جديد داخل الدواليب.
لم يقتصر الأمر على حفظ المخطوطات من التلف، بل كان يجري تعيين أشخاص مهمتهم نفض الغبار عن أوراق الكتب، حيث كانوا يقومون بتنظيف كل مخطوطة على حدة، مستخدمين لتلك الغاية، مادة خاصة لنفض الغبار وقماشاً أبيض ناعما، حيث كانوا يخرجون المخطوطات والكتب من الدواليب ويضعونها على سجادات نظيفة وكان التنظيف يستغرق وقتا طويلا قد يستمر من الصباح حتى المساء.
أما في حال تعرض المخطوطات لهجوم من قبل الحشرات فكان يجري تنظيفها يدويا. ومن ثم توضع في الشمس لمدة ساعتين أو ثلاث لإزالة الحشرات. وبعدها يجري عزلها في دواليب منفصلة حفاظا على بقية المخطوطات والكتب.
كما يتم تسليم المخطوطات والكتب الهشة والمتضررة الى مصلحي الكتب ومجلديها، الذين كانوا يعملون على لصق الأوراق، أو وضع الرقع على النص الرئيسي للمخطوطات بإلصاق الأوراق الرقيقة الشفافة بمعجون تم صنعه لهذا الغرض.
خطوات ناجحة على طريق الأتمتة
جرى العمل بشكل دؤوب على حوسبة مكتبة رضا، وجعلها مكتبة رقمية. ولهذا الغرض، طورت برامج خاصة، بغية تسهيل الحصول على المعلومات والوصول إلى المراجع بسرعة وتقليل التعامل مع المخطوطات الأصلية لتجنيبها من التعرض للتلف، الناجم عن كثرة الاستخدام وتحقيق الجانب الأهم في عملية الرقمنة ..
وهو نشر المعرفة والمعلومات وجعلها متاحة أمام الباحثين والطلاب في مختلف أنحاء العالم. وانجز 45 ألف صورة رقمية من 150 مخطوطة بارزة و100 مخطوطة نادرة و40 ألبوماً للصور النادرة و85 ألبوماً للنماذج النادرة للخط الإسلامي.



