مئات من عناوين الكتب تصدر في مصر سنويا، وأضعاف هذا الرقم في مختلف الدول العربية الأخرى، إلا أن كثيرا من الأفراد في مصر والعالم العربي، ربما لا يشعرون بضجيج المطابع، ولا بما ألقته أرحامها للقارئ، والسر في ذلك غياب حلقة محورية بين المنتج الثقافي وبين مستهلكه، ألا وهي التسويق..

وليس خفيًا اشتكاء عديد من المثقفين من ضعف التسويق الأدبي، الأمر الذي يؤثر في كثير من الأحيان على القراءة بشكل عام، وتسبب في تراكم آلاف المؤلفات في مخازن دور النشر دون أن يعرف عنها أحد شيئا.

( بيان الكتب)، يلقي الضوء على هذه الأزمة، ويستعرض آراء جملة متخصصين في المجال، عارضا لأوجهها وطبيعة العوائق وأوجه الحلول.

اكتشف مسؤولو وزرة الثقافة المصرية، صدفة، أن مخازن هيئة واحدة من هيئاتها، وهي المركز القومي للترجمة تحتوي على أكثر من 2500 عنوان لمئات الآلاف من النسخ لأعمال أصدرها المركز ولم تجد طريقها إلى القارئ، ذاك بسبب عدم اهتمام البعض في تسويق هذه الإصدارات كي تصل إلى الجمهور، ومن ثم تحقيق الأهداف المرجوة منها.

وبالطبع لم تكن الحال بأفضل منها كثيرا في هيئات أخرى تابعة لوزارة الثقافة مثل الهيئة المصرية العامة للكتاب، والتي تراجع الاهتمام بإصداراتها بعد توقف "مشروع القراءة للجميع"..

ومن ثم تكدست إصدارات الهيئة في المخازن، لا سيما مع الارتفاع الكبير في أسعارها، إذ باتت تنافس في الارتفاع، أسعار كتب المطابع الاستثمارية، وكذا بسبب غياب التسويق والدعاية لهذه الإصدارات، كما كان عليه الأمر في السابق.

حلقة وصل

يؤكد د.شكري مجاهد، رئيس المركز القومي للترجمة، أن المركز بدأ بالفعل العمل على حل الأزمات التي تعيق تسويق الكتب المترجمة الخاصة بالمركز، والعمل على إيجاد بدائل جديدة للتوزيع في مصر والعالم العربي، وعدم الاكتفاء بمركزية القاهرة في منافذ بيعها. وأشار إلى أن المركز يعكف على وضع خطة تسويقية عن طريق المشاركة في المعارض المتنوعة..

إضافة إلى مضاعفة الاهتمام بجودة الإخراج والطباعة وصياغة العناوين المترجمة، لتكون أكثر جذبا للجمهور، مع الاهتمام أيضا بالدعاية المقروءة والمسموعة والمرئية، لأحدث الإصدارات، بهدف إيجاد حلقة الوصل بين الكتاب والقارئ.

كساد

يوضح متخصصون أن رفض بعض دور النشر لأعمال بعينها آفة أخرى تهدد التسويق الأدبي، الأمر الذي أضر الكُتّاب أنفسهم وتسبب في أزمة لكثير منهم فيما يخص نشر أعمالهم وتسويقها، وهو الأمر الذي يؤكده الناقد يوسف نوفل.

إذ يضيف: دور النشر صارت لا تنشر سوى الأعمال الهابطة، من وجهة نظرنا نحن النقاد، لا لشيء إلا لتحقيق مبيعات كبيرة في ظل الكساد الحالي، الأمر الذي يضطر بعض الكتاب إلى إقحام مناطق وقضايا مسكوت عنها داخل عملهم، لضمان لفت الانتباه ومن ثم الانتشار والبيع، فيزيح الستار عن ما ألفناه مختبئا، أو يصطدم بعقيدة أو دين أو سياسة أو وضع اجتماعي..

والناشر في النهاية تاجر يهمه العمل الذي يثير الرأي العام أو يثير الغرائز، ومن ثم يحقق مبيعات كبيرة، وبالفعل هناك طبعات من أعمال وصلت إلى نيف وعشرين طبعة، وهي في الغالب أعمال ساقطة وهزيلة لا يصح أن تسمى أدبا بأي حال من الأحوال.

تهميش مقصود

بدورها، تبين الناشرة سوزان التميمي، صاحبة دار إيزيس، أن حركة التسويق تعتمد على المصالح دائما، حتى في المؤسسات الثقافية الحكومية، موضحة أن الكاتب المعروف يطبع له عمله وينشر، ويعاد طباعته .. وهو ما لا يحظى به كثير من الكتاب الصاعدين الذين لا تربطهم مصالح وعلاقات بالمؤسسات الحكومية.

وتؤكد التميمي أن كل ذلك خلق حالة من التخبط في الوسط الثقافي، وأثر بشكل سلبي على حركة النشر. فلا بد أن يكون الكاتب مشهورا أو صديقا لأحد الأشخاص ضمن الهيئة الحكومية حتى يهتموا بعمله وتسويقه، وغير ذلك فإن بقية الكتاب مهمشون، خاصة الشباب. تخبط

يلفت محمد عبود، مسؤول القسم الثقافي في إحدى الصحف، إلى أن هناك أزمة تخص النشر، فالناشر في الوطن العربي، إضافة إلى عمله الأصلي، هو وكيل أدبي ويمثل منفذ المطبعة وهو الموزع إلى جانب مسؤوليته عن الدعاية والإعلان، ذاك بخلاف ما هو الأمر فعلا خارج الوطن العربي، والذي يقتصر دور الناشر فيه على النشر فقط..

بينما هناك أناس آخرون يعملون في وظائف مستقلة كوكيل أدبي أو كتوزيع، الأمر الذي يضع كثيرا من مراحل صناعة الكتاب في يد واحدة، وهو ما يخلق الكثير من العبء والتخبط، الأمر الذي يؤثر في النهاية على ترويج الأعمال وكل الخطوات المتعلقة بالنشر.. إلى جانب قلة نسبة القراءة بين الجمهور المصري والعربي.

كذلك الارتفاع النسبي في تكاليف الرسوم الجمركية على مواد الطباعة، الأمر الذي يؤثر بشكل سلبي على ارتفاع أسعار الكتب، وكذا عدم وجود قانون يحمي الملكية الفكرية، مما يتسبب في سرقة كثير من الأعمال.

التسويق الإلكتروني

يقترح الشاعر رفعت سلام- رئيس سلسلة المائة كتاب بالهيئة المصرية العامة للكتاب، ومن أجل الخروج من هذه الأزمة، أن تكون هناك متابعة لطبعات الكتب، وضرورة دراسة احتياج السوق للأعمال المنشورة، ونشر أعداد من الطبعة الأولى بما يتلاءم مع احتياج السوق لها. ويرى انه إذا استطاع الكتاب تحقيق مبيعات جيدة لا بد من إعادة طبعه مرة أخرى.

ويعطي سلام مثالًا على ذلك ب"سلسلة المائة كتاب"، التي استطاعت تحقيق كثير من الإنجازات في مجال الترجمة.ويطالب بزيادة كميات النسخ وتسويقها الجيد في الأقاليم، مبينا أن المستقبل صار في التسويق الإلكتروني، إذ انتشر هذا النوع من التسويق خلال العقدين الأخيرين من خلال موقع "أمازون" وتحديدا عام 1994م.

وأوضح سلام أنه وبالمقارنة مع الغرب، بدأ العرب السير على النهج نفسه، وانتشرت فكرة بيع الكتب المطبوعة عن طريق مواقع الإنترنت، وبدأت في مصـر منذ عام 2008م وأخذت في التزايد.

ناشرون يتهمون المؤسسات الرسمية بتعمد تهميش كُتَّاب والتسويق لآخرين

الناشر العربي يجمع مهام عديدة فهو وكيل أدبي ومنفذ المطبعة والموزع والمروج

رفض ناشرين أعمالاً بعينها آفة تضر بالكُتّاب أنفسهم وتسبب أزمة لمجموعة منهم

مكتبات مشروعات ثقافية جديدة تفرز

من العلامات المضيئة والتي يمكن أن تسهم في زيادة تسويق الكتب ـ وفق مثقفين ـ إقامة العديد من المكتبات العامة، وكذلك تدشين مجموعة من المشاريع الثقافية الجديدة، وكذلك الزيادة النوعية التي تشهدها حركة القراءة لدى الشباب، وظهور المواقع الإلكترونية التي تعنى بالقراءة، والتي يمكن من خلالها التسويق للكتب، ووجود شركات الدعاية التي تقوم من خلال الإنترنت بإقامة الدعاية اللازمة..

وكذلك الجوائز المحلية والدولية التي تحولت لنوع من الدعاية الإيجابية لصالح الكتاب، فضلا عن حفلات التوقيع والندوات التي تساهم هي الأخرى في تشجيع القراء على التعرف على الكتاب ومن ثم شرائه.

كما نشرت عدة أعمال تقدم حلولا لأزمة التسويق الإلكتروني، مثل كتاب "أسرار التسويق الاستراتيجي"، وكتاب "كيف تنشئ الأسواق وتغزوها وتسيطر عليها" لفيليب كوتلر، إلى جانب كتاب "كيف يجري تسويق الكتب" للكاتبة أليسون بافرستوك.

غلاف الكتاب ركيزة انتشاره الواسع والإقبال عليه

بات غلاف الكتاب في الوقت الحالي، داعما بل ركيزة لزيادة تسويقه واقتنائه من جانب القراء، وهو الأمر الذي دفع دور النشر إلى الاستعانة برسامين محترفين ليصبح الكتاب أكثر جذبا وتشجيعا على القراءة، وهو الأمر الذي يدخل ضمن إطار ذكاء التسويق. وفي الخصوص، يؤكد الرسام محمد حلمي، أن العلاقة الأولى التي تظهر بين القارئ والكاتب هي غلاف الكتاب..

موضحا أن التجارب أثبتت أن الغلاف الجذاب أكثر بيعا من غيره ذي الغلاف العادي، وتعد هذه الحيلة أقدم الحيل التسويقية الخاصة ببيع الكتب، حيث يصبح الغلاف مثيرا لفضول القارئ حول العمل بأكمله، ليدفعه إلى شراء العمل ومعرفة ما الذي تنطوي عليه صفحاته، مشيرا أنه في الوقت ذاته، لا يجب أن يكون الغلاف ملغزا أو معجزا، إنما مشجع بشكل تشويقي، وهو ما يبين تفوق رسام على آخر.