الكتب مستودعات المعارف والخبرات والتراث، ولكن قليلين يُقبلون على قراءتها أو حتى تصفحها سريعاً، وأيضاً بعض الأفراد فقط يقدّرون قيمة ما تحويه من معلومات وثقافة، ويخصصون جزءاً من وقتهم لها..
وفي الوقت الذي لا يزال فيه البعض متمسكاً بالقراءة التقليدية، تشير أحدث تقارير «اليونسكو» إلى رواج «القراءة النقالة»، لا سيما وأن الناس يقرؤون أكثر عندما يقرؤون على هواتفهم المتحركة التي تتميز بخفة وزنها ورخص أثمانها، الأمر الذي يستدعي الحذر من تداعيات هذا النوع من القراءة على صحة الإنسان وعقول الشباب ولا سيما صغار السن.
(بيان الكتب) يضيء على الظاهرة وآثارها وأفقها المستقبلي وتداعياتها وماهيات الإجراءات الواجبة لتلافي إفرازاتها غير السوية، وذلك من خلال قراءات في دراسات وبيانات متنوعة صادرة في الخصوص، وكذا عبر رصد آراء مجموعة مثقفين ومتخصصين.
تشير دراسة حـــــديثة لـ«اليونسكو»، إلى أن «القراءة عبر الهــواتف النقالة» ليست ظاهرة في المستقبل، بل انها شيء يحدث اليوم.. وأن مستقبلاً واعداً ينتظرها، خاصة وان الهواتف النقالة تحولت إلى مكتبة حافلة بالكتب، نظراً لسهولة استخدامها وأسعارها المنخفضة وانتشارها الكبير.
وتضيف الدراسة، إن الأجهزة المحمولة يمكن أن تساعد الناس على تطوير واستثمار وتعزيز مهارات القراءة والكتابة ونشر التعليم وتوفير الكتب، لا سيما وأن شريحة كبيرة لا تستطيع تحمل تكلفة شراء الكتب في بعض الدول النامية، ما يدفعها للتوجه نحو القراءة الإلكترونية.
كما أكدت الدراسة أن ستة مليارات نسمة من أصل سبعة مليارات نسمة في عالمنا، يمتلكون الأجهزة النقالة التي تعد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأسرع انتشاراً في التاريخ، كما أن الروايات الرومانسية حظيت بأعلى نسبة قراءة، طبقا لما بينته الدراسة تلك، التي أجرتها «اليونسكو».
قوة
يقول جمال بن حويرب، العضو منتدب لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، في تعليقه على الموضوع: يستمد الكتاب قوته من صيغته المطبوعة لا الرقمية، لأنها تتميز بالدقة العالية نظراً للعمليات التصحيحية الكثيرة التي تخضع لها، كما أن العلماء يعتمدون على الكتب المطبوعة لأنها أكثر صحة من حيث المعلومات، بينما الكتب الرقمية تخضع للتغيير والتحديث.
ويتابع جمال بن حويرب: ما ألاحظه أن أفراد شريحة كبيرة من الناس يستخدمون هواتفهم الذكية لتصفح حسابتهم الخاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وقراءة المقالات والأخبار. وأما لقراءة الكتب الرقمية فهم يعتمدون على «الآي باد»، لأن شاشته أكبر ومريحة للنظر.
عزوف
ويعلق الأديب عبدالغفار حسين على القضية: القراءة الإلكترونية طاغية بين الشباب، لأنها تتيح لهم الاطلاع على الكتب الرقمية في أي زمان ومكان، ويمكنهم حمل أدواتها في جيوبهم أينما ذهبوا، وهذا ما يجعل شريحة كبيرة منهم عازفة عن القراءة التقليدية، أما في الغرب فالمكتبات لها روادها من جميع الأعمار، كما أن قراء الكتاب المطبوع في تزايد مستمر.
واقع
وعلى صعيد آخر، تقول الهنوف محمد، عضو مجلس إدارة- المسؤول الثقافي في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات: إذا كنا نتحدث عن الجيل الجديد، فإن الدمى التي يلهو بها هي جهاز «آي باد» والهاتف الذكي، لذا من الطبيعي أن يميل هذا الجيل لاحقاً نحو القراءة الإلكترونية أو «القراءة النقالة»، ذاك عبر التقنيات الحديثة..
ومن ثم يستمتع بها، على عكس الكتب الورقية التي يجدها مملة لأنه لم يعتد عليها في المنزل ولم يعتمد عليها بشكل كبير في المدارس والجامعات. فالأبحاث والمشاريع والواجبات والتقارير باتت تُسلم عبر البريد الإلكتروني للمعلم.
كما أن التعليم التفاعلي الآخذ بالانتشار أنسى المعنيين ملمس الورق، وكل ما أنصح به هو ضرورة تعزيز الرقابة على القراءة الإلكترونية للأبناء، لأن المعلومات التي يستقونها من المواقع ليست موثوقة، ويحتمل أن تستغلهم جماعات الشر والتدمير وتؤثر عليهم لأغراض تهدد أمن المجتمعات.
شبكة
أما مها شاكر، أستاذة جامعية وناقدة، فأوضحت أن الإقبال على القراءة الإلكترونية سيؤثر بلا شك على طباعة الكتب الورقية. وتواصل: في مقارنة بسيطة بين الكتابين: الرقمي والمطبوع، سنجد أن الأول يتوافر غالباً بلا ثمن أو بأسعار رمزية.
وهناك نوعان من القراء، فالبعض يميل إلى قراءة المقتطفات والأخبار المختصرة الخفيفة والاطلاع على أكبر كم من الصور، أما البعض الآخر فيهوى قراءة الكتب الرقمية، وبالنسبة لي، فكثير من الكتب لا أجدها مطبوعة، ولكن ساعدتني شبكة الانترنت على الوصول إليها بيسر وسهولة.
مزايا
يؤكد د. أبو بكر حسين، أستاذ جامعي، أنه لا غنى للشعوب عن القراءة التقليدية، لأن الأجهزة ربما تتعطل، فضلاً عن سلبياتها التي تهدد صحة الإنسان. وقال: نحن لسنا ضد التطور، بل نشجع مواكبة التطورات التكنولوجية شرط المحافظ على الإرث القديم في الوقت نفسه.
ويتابع: تحقق القراءة التقليدية، عبر الكتب، إشباعاً روحياً ونفسياً للقارئ. كما تساعد على رسوخ المعلومات في الذهن لوقت طويل، إلى جانب تعزيز النطق الصحيح. ولعل السبب في ذلك، أن القراءة التقليدية تساعد الإنسان على استخدام أكثر من حاسة.
ويستطرد: أسعار الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية مرتفعة مقارنة بأسعار الكتب، وإذا أردنا جعل أمة اقرأ تقرأ بالفعل، علينا البدء من الأطفال في المدارس والشباب في الجامعات، وذلك عبر تخصيص حصص للقراءة تتضمن أنشطة متنوعة ترسخ لديهم حقيقة أن الكتاب خير صديق وليس الموبايل.
تعتمد القراءة الفعالة على ذهن الإنسان وليس على عينيه، حسب ما يقوله الخبراء في الصدد. فالعينان يمكنهما قراءة كتب كاملة في وقت قصير، أما ما يحد من سرعة القراءة فقدرة الذهن على ترجمة الحروف التي تراها العينان إلى أفكار ومعلومات لها معان ودلالات.
ومن ما لا يحتمل الشك، طبقا لما يقوله الخبراء في هذا الشأن، أنه بالإمكان تدريب الذهن على تقبل سرعات قرائية أكبر بكثير من تلك التي يستخدمها القارئ العادي، والسرعة العالية في القراءة هي إحدى العلامات المميزة للقارئ المتمرس، ولكن إن كانت هناك سمة تميز القارئ الجيد عن غيره، فهي المرونة..
حيث إن القارئ الجيد هو الذي يستخدم عدداً من السرعات والأساليب القرائية المختلفة.. كما يحاول أن يكيف أسلوب قراءته وفقاً لذلك الهدف، ولتكون قارئاً جيداً وسريعاً، بناء على نصائح المعنيين، فما عليك إلا أن تتبع هذه التعليمات.
القارئ المرن.. أساليب وسرعات وأهداف
معوقات القراءة والمسؤوليات المشتركة بين القراء والكتّاب والناشرين سواء كانت القراءة للاستفادة أو للمتعة، فهذا لا يتوقف على الشخص وحده، فالمؤلف والناشر كلاهما يستطيع أن يعوق القراءة، فالمؤلف ربما يجعل من الموضوع السهل مادة صعبة الفهم بكتابته الرديئة، والناشر يمكنه أن يثني القارئ عن متابعة الكتاب بما يقدمه له من تصميم هزيل أو إخراج ضعيف.
وينصح الخبراء بأن يلقي القارئ نظرة سريعة على المادة القرائية قبل أن يشرع في القراءة، وأن يتصفحها ليرى ما إن كانت تستحق أن يضحي من أجلها بوقت أطول. وإذا راود القارئ الشك حول أهميتها فما عليه إلا إلقاء نظرة إضافية على عناوين الفصول وتعريف ووصف الناشر لمحتويات الكتاب.. أو إلى أي خلاصات يجدها في الكتاب، والهدف من ذلك تهيئة الذهن للعمل بنشاط وحيوية.




