لا تأتي سيرة النقد الأدبي، إلا ونجد مقعده خالياً، فهو الغائب الذي تتوالى الإبداعات الأدبية في غمرة غيابه، وتتواصل المطالبات به وبحضوره، إلا أن غفوته طالت، وأكوام الأوراق التي يتوسدها تحتاج إلى نفض الغبار عنها.

روايات وقصص ونصوص إبداعية في مختلف مجالات الأدب، لا ترافقها إبداعات متوازية في مجال النقد، ليطرح ذلك تساؤلات كثيرة، أهمها، على من يقع اللوم في غياب النقد، وهل لا يزال المبدعون يضعونه نصب أعينهم، وكيف يُعوضون غيابه؟

«بيان الكتب» التقى عدداً من المتخصصين في مجالات الأدب والنقد، إذ أكدوا أن اللوم يقع على كاهل النقاد في مسألة غياب النقد، لافتين إلى أن طريقة تعاملهم معه تفتقد إلى المهنية، ومشيرين إلى أن بدائل أخرى نجحت في تعويض دور النقد، أهمها الجوائز الأدبية وآراء الجمهور.

أوضحت الدكتورة هويدا صالح، دكتوراه في النقد الأدبي، أن النقاد مُدانون في طريقة تعاملهم مع النقد، وقالت: يتعامل النقاد مع النقد على أنه نظريات جاهزة، يقتحمون من خلالها النص الإبداعي، ليطبقوا نظرياتهم عليه، وهذا خطأ كبير، لأن النص الإبداعي يجب أن يسبق النقد. ومن المفترض أن يولِّد كل نص زاوية الرؤية التي يجري التعامل معها نقدياً.

وتحدثت هويدا صالح عن مشكلة أخرى، وعنها قالت: يتعامل النقاد مع المشهد الإبداعي وكأنهم في قاعات درس، فالمضمون أكاديمي مدرسي بحت، وليس هناك أي إبداع في مجال النقد، وبرأيي أن هذا ما يفقده بريقه، ويجعله ليس أكثر من نظريات جامدة، في حين أنه من المفروض أن يكون النقد إبداعاً متوازياً، بعيداً عن الجمود.

وذكرت هويدا صالح أنها تكتب نقدها بعض الأحيان حول نصوص لا تعرف أصحابها، وقالت: تستوقفني بعض الكتابات وتجبرني على أن أكتب رؤية نقدية حولها، وحين يقرأ أصحاب الأعمال نقدي حول إبداعاتهم، يتواصلون معي ويعبرون عن سعادتهم الكبيرة بوصولي إلى نصوصهم ووضعها تحت مجهر النقد، ما يشير إلى حاجة كل كاتب إلى تقييم كتاباته ونقدها، وما يؤثر بهم كثيراً اختياري لنصوصهم من دون سابق معرفة تربطني بهم، ما يجعل رؤيتي النقدية بعيدة عن المجاملة أو الهجوم، وهذا ما يحتاجه النقد ليكون محايداً.

وأشارت هويدا إلى أن الناقد هو من يقدم صورة سيئة عن نفسه للمبدع، وذلك لتجرده من المهنية في أحيان كثيرة، ما دعا الكاتب إلى أن يتجاهله، ويستمر في الكتابة من غير الرجوع إليه.

انطباعات

قال الروائي علي أبو الريش، إن النقد غائب عن النصوص الأدبية. وأضاف: غياب النقد مصيبة ومشكلة كبيرة، وللأسف، فالنقد الموجود لدينا ليس إلا مجرد انطباعات تخلو من الموضوعية، ولا تعتمد على أسس علمية، ولذا فهو ليس مؤثراً. وذكر أبو الريش أن الانفتاح والتواصل الثقافي بين دول العالم، أسهما في زيادة الوعي لدى المبدعين في مجال الأدب، إذ جعلا المبدعين على اطلاع على أبرز وأهم النتاجات الأدبية العالمية.

مقياس النجاح

يحمل الروائي يعقوب الشاروني على عاتقه هم الطفل وأدبه في ظل غياب النقد، لافتاً إلى أن كل جنس أدبي بحاجة إلى أن يوضع تحت مجهر النقد البناء، لتتواصل مسيرة الإبداع، وقال: النقد الأدبي غائب، ونحن بحاجة ماسة إليه، وللأسف، لدينا عناوين كثيرة اليوم، ولم يتناولها أي ناقد، وهذه مشكلة حقيقية.

ولفت الشاروني إلى أن نسبة ما جرى نقده من أعمال ونصوص أدبية تصل إلى 1%، وهذا أمر مخيف، وله انعكاسات سلبية على الأدب. وبين الشاروني أنه في ظل غياب النقد، أصبح القراء هم مقياس النجاح بالنسبة له كروائي، وقال: أحصل على جائزتي الكبرى من الأطفال، فحين أجد كتاباً لي طُبِع 16 طبعة تكون جائزتي قد وصلتني، وأعلم أن ما كتبته أحدث صدىً في النفوس.

وأكد الشاروني أن الجوائز الأدبية تعوض غياب النقد، وخصوصاً أنه لا توجد حركة منظمة لدراسة أدب الأطفال في العالم العربي، لا تنظيرياً ولا تطبيقياً. ولفت الشاروني إلى أنه يعوض غياب النقد من خلال الاستفادة من النقد الموجه لأدب الكبار..

وقال: طوعت الدراسات النقدية الموجهة للكبار في خدمة أدب الأطفال، إذ وجدت حولي مكتبة غنية منذ كنت طفلاً في السابعة من العمر، وتربيت على كتابات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، إضافة إلى الخبرة التي اكتسبتها من أخي الأكبر الكاتب والناقد يوسف الشاروني.

عينٌ خبيرة ترصد مكامن جمال النصوص وأوجه الخلل

 اختلطت المفاهيم فيما يتعلق بالنقد الأدبي، ففي حين يتعامل بعض النقاد مع النقد على أساس أنه نظريات يجري القياس عليها وتقييم النصوص وفقاً لها، يرى آخرون أن النقد ليس مجرد نظريات، بل دراسة شاملة للنص الأدبي، بمعنى أن يسبق النص النقد وليس العكس. ولذا، فالدور الحقيقي للنقد هو دراسة ونقاش وتقييم وتفسير النص الأدبي.. ووضع اليد على مكامن القوة أو الضعف أو الجمال أو القبح فيه، من خلال عين ناقدة يمتلكها خبير يعي أهمية ودور النقد في الارتقاء بالأدب، ويتمكن من نقد المادة الأدبية بكل حيادية، بغض النظر عن أية علاقة شخصية ربما تربطه بالكاتب.

ويسبق الأدب ظهور النقد، لأن دراسة النص ونقده يعتمدان اعتماداً مباشراً على وجود مادة أدبية تدفع الناقد إلى دراستها، وعلى الناقد أن يعلل ويحلل ما يقول معتمداً على خبرته وذوقه ودراساته وقراءاته السابقة، واطلاعه على مناهج النقد على اختلافها.

صفات

يشير متخصصون إلى أنه لا بد أن يتصف الناقد بعدة سمات تعينه على تقديم رؤى نقدية مستوفية، وأهمها :

Ⅶ أن يمتلك قدراً وافراً من المعرفة والثقافة.

Ⅶ العين الناقدة، بمعنى أن تنفذ بصيرته لتعينه على إصدار حكم نقدي صائب.

Ⅶ الذوق السليم والحس المرهف، ما يجعل من المادة النقدية فناً ينفذ إلى الروح والعقل.

Ⅶ أن يقف من الكاتب وليس النص، موقفاً محايداً، فينسى أثناء عملية النقد طبيعة العلاقة التي تربطه به، سواء كانت علاقة طيبة أو عكس ذلك.

الأسلوب الأدبي

يوضح نقاد ومعنيون، أنه لا بد في العملية المعيارية السليمة لآليات النقد، من التركيز على الأسلوب الأدبي. إذ ينقسم إلى أسلوب تعبيري وآخر تقريري، وتشكل العاطفة في الأسلوب الأدبي الدعامة الأساسية له، وتكون أهم من الحقائق والأفكار، على عكس الأسلوب العلمي الذي تشكل فيه المعرفة العقلية الأساس الأول في عملية بنائه.

ويمتاز الأسلوب الأدبي بالصور الخيالية والموسيقى الواضحة بين الكلمات، ما يجعله قادراً على إثارة الانفعالات في نفوس القراء.

عناصر

يأخذ الناقد أثناء عملية تقييمه، عدة عناصر بعين الاعتبار، ليقدم رؤية نقدية وافية، ويستطيع من خلالها الإتيان على أسلوب الكاتب من جميع جوانبه، وعناصر الأسلوب، وهي

Ⅶ الأفكار: فكرة النص أول مقياس يحكم عليه الناقد في عملية التقييم.

Ⅶ العاطفة: هي الدافع المباشر إلى القول وروحه.

Ⅶ الإيقاع: الصورة الطبيعية لانفعالات النفس وعواطفها.

Ⅶ اللغة: الصورة اللفظية وبيان ما تنقله الصورة من حقائق ومشاعر.

خطاب نقدي يتشتت بين الحماسي والعاطفي

ناقش الدكتور صالح هويدي في ورقة عمله التي شارك فيها في ملتقى الشارقة الثاني عشر للسرد «الخطاب النقدي المشوش»، تفاصيل موضوع التحقيق هذا..

وذلك من خلال حديثه عن القصة القصيرة جداً، لافتاً إلى نوعين من الخطاب النقدي المصاحب لهذا الفن السردي، أولهما خطاب نقدي حماسي ينافح عن رؤيته بلغة حاسمة ومشاعر عاطفية لا تخلو من مكابرة، والثاني خطاب نقدي معتدل، يجنح نحو الهدوء والمنهجية والبعد عن اللغة الحاسمة والأحكام القاطعة، وهو ما يتطلع إليه الأدباء والنقاد، ويسعون إلى تكريسه.

وذكر هويدي أن أبرز قسمات الخطاب النقدي الحماسي، تتمثل في اعتماده مصطلحات غامضة تعوزها الدقة والضبط المنهجي، والمبالغة في التفريغ والتقنين والتقعيد وهو ما لا يتسع له هذا الفن، بالإضافة إلى خلط المفاهيم واختراق التصورات النقدية التي انتهت إليها الدراسات النقدية العالمية للمساواة بين الجزء والكل، أو الخلط بين النوع والجنس.

ليس هجاءً غاضباً ولا مديحاً مجانياً.. بل عقل متخصص

ذكر الكاتب والصحافي السعودي محمد الرطيان، في أحد مقالاته حول النقد، بأنه كي تحصل على مُنتـَج ذي جودة عادية، وقليل الأخطاء، لا بد من نقده قبل وبعد وخلال إنتاجه، لافتاً إلى أن النقد ليس هجاءً غاضباً، ولا مديحاً مجانياً، بل عقل متخصص بهذا المنتج يراقب عملية إنتاجه، ويكشف الخلل فيه إن وجد، ويدل على الطريقة الأفضل لإنتاجه بشكل أجمل، يحذرك من الخطأ، ويدلك على الصواب، وحتى عندما تصل إلى الصواب، ينقده لكي تصل إلى الأكثر صوابا، والأعلى جودة.

وذكر الرطيان أن النقد بحاجة إلى أمور أساسية، أهمها: الوعي واستيعاب المنتج الذي ننتقده، الصدق والشجاعة لمواجهة المنقود، الحرية والنوايا الطيبة وحسن الظن. وأشار إلى أن النص الأدبي بحاجة إلى ناقد في الأدب متمكن من أدواته، يقرأ النص بشكل مختلف، ويلقي الضوء على زواياه المظلمة ويفككه، لافتاً إلى أنه كلما ازداد عدد النقاد الجيدين امتلأت الأوراق بالنصوص الجيدة.