طراز فني إسلامي رفيع، يزين منزلاً أثرياً قديماً، يقع في أحضان القاهرة التاريخية.. خلف الجامع الأزهر، يعود إلى العصر العثماني، عرف باسم «بيت الست وسيلة»، الذي يعد حالياً واحداً من أجمل بيوت القاهرة التاريخية، متميزاً بروائعه الفنية التي تحليه من جميع جوانبه، من الداخل والخارج، صانعة منه تحفة فريدة لن يكررها الزمن، ليتحول البيت في العصر الحديث إلى مزار أثري وثقافي، وخاصة بعد أن وقع الاختيار عليه ليكون بيتاً للشعر العربي، ليصبح في العصر الحديث ملتقى للشعراء ومملكة لهم، ففيه تخرج أجمل الأشعار، وتُكتشف المواهب.

تعتبر واجهة «بيت الست وسيلة» الرئيسية الواجهة الشمالية الشرقية، ويوجد في أقصى يسارها مدخل المنزل، الذي يفضي إلى «دركاه» تؤدي إلى فناء واسع يفضي إلى القاعة الرئيسية ..

والتي تعتبر القاعة الصيفية، وتحتوي سقيفتها بعضا من النقوش العثمانية، إضافة إلى النص التأسيسي للمنزل، في حين يتصدر المقعد حائط به دواخل استخدمت من قبل كدولاب توضع فيه الملابس أو أدوات الوضوء، بينما يعلو الأرفف عددٌ من رسومات للمحراب للدلالة على اتجاه القبلة عند الصلاة.

نمط قديم جاذب

بني البيت على شكل البيوت القديمة، والتي روعيت فيها التصميمات القديمة المكونة من المشربيات التي ركزت على أن يستطيع سكان البيت رؤية المارة، بينما لا يستطيع هؤلاء رؤية من يوجد في الداخل، وبنيت تلك المشربيات من أجل أن تجلس النساء على راحتهن حتى يستمتعن بجلسات الطرب والغناء.

وهذا في حين يأخذ مدخل البيت شكلاً منكسراً من أجل أن لا يلمح الضيوف أياً من أركان المنزل، ليفضي إلى الصحن الذي يحمل الحجرات التي كانت عبارة عن مخزن للحبوب واسطبل خيل وطاحونة وحجرة للخدم، ومندرة.. بينما في اتجاه يمين الباب توجد بئر المياه.

أما فناء المنزل، فيأخذ شكل ساحة مكشوفة يتوسطها مقعد خشبي، وتزينها نقوش مستطيلة محفورة، إضافة إلى أشكال نباتية وخطوط عربية. والبيت من أعلاه تميزه قبتان بأضلاع ثمانية فوقها غطاء هرمي بني من أجل توفير الإضاءة داخل المكان، في حين يحتوي السقف على فانوس خشبي مفرغ بهدف إنارة المكان.

بيت الشعر

في عام 2010، اختير بيت الست وسيلة ليحتضن بيت الشعر، ذلك بعد اقتراح من الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وهو الاقتراح الذي استجاب له وزير الثقافة آنذاك، فاروق حسني، ليفتتح بيت الشعر العربي في حضور كبير من المسؤولين والمثقفين.

واجتمعت في حفل الافتتاح، مجموعة من الشعراء الذين ألقوا عدداً من القصائد المؤرخة تبعاً للحقب التاريخية، حيث قرأ حينها عبد المعطي حجازي عدداً من القصائد التي تخص الحضارة المصرية القديمة، مرورا بالمرحلة الهلينستية فالقبطية، ثم تبع ذلك إلقاء الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة أشعاراً تخص المرحلة العربية الوسيطة، والتي قرأ منها ما خطه شعراء مثل: عمر بن الفارض والبهاء زهير.

ومن جانبه، ألقى الشاعر فاروق شوشة نماذج من الشعر المصري الحديث من خلال ما كتبه البارودي، وصولاً إلى أمل دنقل، أما فيما يخص الشعر العامي..

فقدم شوشة ما كتبه فؤاد حداد وصلاح جاهين، إلى جانب إلقاء الشاعر أمين حداد ما كتبه فؤاد حداد عن محمد عبيد بطل الثورة العرابية الذي استشهد في التل الكبير. وأخيراً، ألقى الشاعر حسام نصار مقاطع من ما كتبه شاعر العامية الراحل صلاح جاهين، في حين عزف الموسيقار العراقي نصير شمة ثلاث مقطوعات استلهمها من شوقي ولوركا والسياب.

فعاليات ثقافية

يقيم بيت الست وسيلة، خلال الفترة الحالي، عديداً من الفعاليات والندوات الشعرية ضمن باقة برامجه، نذكر من بين التي نظمت في هذا الخصوص، على سبيل المثال لا الحصر:

ندوة للشعراء النوبيين والتي استضاف من خلالها مجموعة من أهم الشعراء النوبيين دعماً لذلك النوع الفني الخاص بذلك المكان. وهذا إضافة إلى إطلاقه مسابقة شعرية كل عام من أجل اختيار ديوان شعري فائز من بين الأعمال المقدمة بين الفصحى والعامية، إذ يُعطى الفائز مكافأة مالية، علاوة على طبع ديوانه من خلال صندوق التنمية الثقافية.

البيت يقيم أيضاً مجموعة من الأمسيات الشعرية بداخله، يستضيف من خلالها الشعراء المعروفين أو المغمورين من أجل دعمهم، كما يعيد ذكرى العديد من الشعراء الراحلين الذين أثروا في التاريخ الأدبي، مثل ما قام به من إحياء ذكرى الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور.. وحفل التأبين للكاتبة ابتهال سالم.

هذا بالإضافة إلى الفعاليات المختلفة التي يتميز بها بيت الست وسيلة، مثل: مبادرة «عيش بلدي» التي تتضمن العديد من العروض المسرحية أو الفنية إلى جانب الشعر والعود وغيرها. كما يستضيف العديد من العروض الفنية، كاستضافة «فرقة اسكندريلا» وإقامة أمسية شعرية نوبية، فضلًا عن مناقشة أعمال أدبية متنوعة بين الدواوين والقصص والروايات، سواء لكبار الكتاب أو للشباب.

كما يحتفل البيت، في كل عام، بيوم الشعر العالمي (الذي يوافق 21 مارس)، على طريقته الخاصة، من خلال أمسية شعرية ضخمة تضم عديداً من الشعراء. وفي العموم، غدا بيت الست وسيلة حضناً مثالياً للفعاليات التي تعنى بشكل خاص بالشعر، رافعاً بذلك راية الشعر أولاً، ومعيداً للشعراء جزءاً من رونقهم وحقهم المهدور.

قاعات تستضيف فعاليات فكرية متنوعة

أُعِد البيت ليكون مركزاً ثقافياً شاملاً، إذ خصصت وزارة الثقافة في مصر، قاعات ضمنه وفق طرز تناسب تنظيم شتى الفعاليات التي يمكن أن تقام فيه. وفي السياق، أعدت قاعة ضمنه لعقد الندوات والأمسيات الشعرية والثقافية. كما جهزت أخريان خصيصا لإقامة الصالونات الأدبية التي تستضيف كبار الأدباء والمفكرين، إلى جانب الجمهور المشارك، وذلك من أجل إقامة النقاشات الفكرية المثمرة.

كذلك بنيت مكتبة «سمعبصرية» مجهزة بأحدث أجهزة الكمبيوتر والعرض، تسهيلاً على الجمهور، ودمجاً للتكنولوجيا مع الثقافة، حيث يعرض عن طريقها عدد من الأفلام السمعية والبصرية، إلى جانب مكتبة الشعر التي تضم مجموعة من الكتب والمراجع، في مجالات الأدب ونقد الإبداع الشعري، هذا بالإضافة إلى مجموعة من المكاتب الإدارية، وكذلك قاعة للاجتماعات.

2005

رمم المنزل في عام 2005، وخلال عملية الترميم، وجد العلماء جزءاً من الحمام القديم في المنزل، ويعد الحمام واحداً من أجمل ما صنع في مصر القديمة، إذ إنه يعتبر تحفة فنية، حيث يتكون من حجرتين بينما يزين سقفه عديد من الزخارف المميزة، أما الجدار فصنع من الرخام الأبيض. عملية الترميم كانت أيضاً كشفت النقاب عن النافورة التي تتوسط المنزل..

هذا إلى جانب الطاحونة الملحقة به، وأنقذت عملية الترميم المنزل من الانهيار..إذ شملت إزالة الأتربة والمخلفات من جميع أرجاء المنزل، إلى جانب تجميل واجهته، والباب الذي يفضي إليه، ليظل المنزل محتفظاً بهيئته الأولى.

أدوار مهمة مزدانة بتصاميم معمارية عربية

رغم أن تاريخ الست وسيلة، آخر من سكن هذا البيت، غير معروف لدى أي من المؤرخين الذين لم يعلموا عنها غير اسمها، إلا أنه كان يبدو تأثيرها لدى سكان الحي، وهو الأمر الذي جعلهم يربطون بينها وبين اسم المنزل، ليصير اسماً متداولاً فيما بعد. وروعي في البيت حفاظه على الخصوصية، إلى جانب تميزه بالديكور العربي، ليعتبر من أجمل البيوت وأكثرها تميزا إلى جانب أهميته الأدبية.

ويحظى باهتمام رسمي وشعبي كبير. ذاك بفضل ما يوفره من جدوى وفائدة فكرية مجتمعية، يغني معها تجارب الأدباء الشباب، ويحتضن في ظلها كافة التجارب، ليقدم فائدة مجتمعية عامة، مزيجها الفكر والثقافة والتراث والفن.