أزمات عدة تعترض طريق ومسيرة عوالم صناعة النشر في مصر، فتؤثر بشدة في هذا القطاع الحيوي، والذي من شأنه دعم حركة الثقافة. وفي الخصوص، تتصدر طبيعة العلاقة بين الناشر والمؤلف هذه العقبات.. وهو ما من شأنه أن ينعكس على ذائقة الجمهور وطبيعة المواد والمؤلفات التي تنتج، ذاك في حال كانت بناءة تسهم في تنمية قدراته ومداركه، أو على العكس من ذلك.
«بيان الكتب» يناقش هذه المسألة، عارضاً لسبل دعم عملية النشر التي من شأنها أن تسهم في ضخ دماء جديدة في أوصال الحركة الثقافية.
تمر رحلة النشر بمراحل عدة، تبدأ من خلال العقد الذي يبرم بين الناشر والمؤلف.. ويحدد هذا العقد التزامات الطرفين وحقوقهما، والتي تكوِّن في مجملها حق النشر. وبحسب الباحثة الأكاديمية سنية البهات فإن أولى العقبات التي تواجه الناشر تكون مع مؤلف الكتاب نفسه.
وأوضحت البهات، أن عديداً من الكتاب يتهمون الناشرين بالإجحاف بحقهم والبحث عن التربح في المقام الأول، وهو الأمر الذي يحول علاقة الشراكة بين الناشر والكاتب بدلاً من إنتاج مشروع ثقافي، إلى ما يشبه المتاجرة بهذه السلعة، ما يضع الناشر دوماً في موقف الدفاع الدائم عن ما يقدمه من تضحيات مالية كبيرة لإنتاج الكتاب..
ومجازفته بأمواله التي ربما لا يتمكن من استردادها إلا عبر دورة إنتاج طويلة يحتمل أن تمتد إلى عامين أو أكثر، بعد انتشار الكتاب والاتفاق مع المكتبات وغيره، وهو الأمر الذي لا يصدقه كثيرٌ من الكتّاب، ويتوهمون أن الناشر يستغلهم، ويجني من ورائهم أموالًا طائلة ولا يلقي لهم إلا الفتات.
وتضيف سنية: العلاقة بين المؤلف والناشر يجب أن تتحول إلى علاقة شراكة، عن طريق تحويل الإبداع إلى قيمة مضافة إلى المشروع الثقافي الذي يتبناه المؤلف والناشر معاً. وتؤكد في الوقت نفسه، أن ذلك يتحقق عبر وجود سياسة محددة للنشر تستهدف القراء في المقام الأول، إضافة إلى وجود قواعد صارمة للتعامل بين الناشر والكاتب.
عقبات أخرى
يرى الناشر عصام شلبي أن أزمات صناعة النشر في مصر، عديدة ومتشابكة، منها: قلة عدد المكتبات مقارنة بعدد السكان، إذ يبلغ عدد المكتبات في مصر 1796 مكتبة منها 1127 مكتبة عامة و415 مكتبة متخصصة و254 مكتبة أكاديمية، إلى جانب المكتبة الرئيسة المملوكة للدولة، بالإضافة إلى ضعف الميزانيات المرصودة لها..
فبالنظر إلى إمكانات المكتبات المقامة بالفعل، نجد أن بها عجزاً كبيراً في الخدمات وعدد العناوين التي تقدمها للقارئ، كما أن شح العناوين والنصوص الجيدة من العوامل المؤثرة سلباً في حركة تداول الكتاب.
ويشير شلبي إلى أن دراسات القراءة التي أقيمت حول متوسط القراءة أثبتت أن معدل القراءة لدى المواطن العربي لا يتعدى ربع الصفحة سنوياً، على عكس أميركا التي يصل متوسط القراءة للفرد فيها إلى 11 كتاباً سنوياً، وفي بريطانيا إلى 7 كتب.
ولم ينس رئيس اتحاد الناشرين العرب أزمة أخرى مهمة ألا وهي تزوير الكتب، التي يؤكد أنها من أهم الآفات التي أصابت مهنة النشر بصورة مخيفة، وأصبحت تهدد معظم الناشرين بعدم الاستمرار، ما أثر سلباً في حركة التأليف والإبداع والنشر بشكل عام.
وقدم عدداً من المقترحات التي يمكن أن تسهم في حل تلك الأزمة من وجهة نظره، عن طريق مشروعات عمل مشتركة بين وزارة الثقافة والتربية والتعليم لتشجيع القراءة لدى طلاب المدارس، إلى جانب الاهتمام بتشجيع المؤلفين الجادين، وإتاحة الفرص لنشر أعمالهم، وإعفاء الورق ومعدات تصنيعه من بعض الرسوم الجمركية والضرائب..
بالإضافة إلى تغليظ عقوبة تزوير الكتب وتشجيع ودعم الناشرين على تقديم خدمات تسويقية مميزة للقراء. وأخيراً: استخدام التكنولوجيا الحديثة وإقامة دورات تدريبية لتنمية مهارات القائمين بتسويق الكتب داخل دور النشر.
مشكلات الترجمة
وأيضاً، تواجه صناعة النشر أزمة بسبب الترجمة، طبقاً لما يقوله المتخصصون. ذلك للصعوبات التي تجعل كثيراً من الناشرين يحجمون عن نشر أي مترجمة تجنباً لعقباتها، إذ إن المترجمين عن غير اللغة الإنجليزية قليلون في مصر ووطننا العربي، ما يؤدي بحسب د. لمياء ضياء الدين الأستاذة في قسم المكتبات والمعلومات بجامعة المنيا، إلى الترجمة عن لغة وسيطة، وهو ما يقلل من جودة المنتج في نهاية الأمر.
وتتابع: إن اختلال الميزان الثقافي له أثر في تقليل مستوى التراجم والإلمام بها، أيضاً من الضروري إعداد المترجمين وتقديم دورات تدريبية لهم من أجل تحسين ترجماتهم، وتقوية اللغة لديهم.
وأوضحت أنه لكي تنهض عملية الترجمة يجب إجراء حصر شامل لإنجازات العالم العربي منذ أوائل القرن العشرين وحتى الوقت الحالي، بهدف ترتيب المكتبة العربية وإعادة تنقيح وطبع الكتب التي نفدت وشراء حقوق الملكية الفكرية لمن يستحق من الرواد.
وتشدد د.لمياء ضياء على أنه لا بد من وضْع معايير صارمة ومحددة في اختيار الكتب وترجمتها، مثل أن تجرى الترجمة عن اللغات الأصلية، وأن تتعدد اللغات المُترجم عنها، خاصة أنه بعمل مسح أولي في مراكز الترجمة نجد أن عدد هذه اللغات لم يتجاوز العشرين لغة، بعد مرور ما يُقارب القرن من مزاولة نشر الأعمال المترجمة إلى العربية.
وكذلك ينبغي، بحسب الأستاذة بقسم المكتبات والمعلومات، الالتزام بالحفاظ على التوازن بين المعارف المختلفة والعلوم لسد النقص الشديد في المكتبة العربية، والتوجه إلى ترجمة مؤلفات تمثل أعمدة المكتبات الأجنبية في شتى الفنون والعلوم، كذلك الموسوعات التي لم تُترجم بعد.
ذاك مع ضرورة تحديد أهداف واضحة وتوجهات محددة الملامح يجري الاتفاق عليها، وأن يكون الهدف الأول والمحوري هو الوصول إلى معدل ترجمة أكبر في العالم العربي يسهم مساهمة ملحوظة وفارقة، في رفع معدل الترجمة العربية، الذي لا يزال يعاني من معدلات مخجلة أمام دول صغيرة سبقتنا في هذا المجال. وبالطبع، ينبغي دعم ظهور مترجمين شبان جدد وأكفاء.
رؤية واضحة
يوضح الناشر محمد رشاد أنه في عهد الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر كانت مصر تصدر نحو ٪70 من كتب الوطن العربي، وهو الأمر الذي تراجع كثيراً في العصر الحالي، ذاك رغم تأكيده أن مستوى الكاتب المصري حتى الآن عال، بدليل شهادة الأوروبيين على تلك القوة.
والأمر ذاته يشدد عليه سعيد عبده مصطفى رئيس اتحاد الموزعين العرب، مشيراً إلى أن فترة الستينيات من القرن الفائت، وما قبلها، تميزت بعديد من السمات في حركة النشر..
حيث وجد أدباء كبار مثل طه حسين والعقاد والمازني ونجيب محفوظ وأنيس منصور ويحيى حقي، فضلًا عن وجود مشروع قومي سياسي أثر في الانفتاح على الثقافات الأخرى، أما في فترتي النكسة والاستنزاف فشهد النشر فيهما بعض الانحسار، ليعود الدور بعد حرب 73 إلى النشاط الثقافي، وفي فترة حكم الرئيس محمد حسني مبارك ظهرت فكرة مكتبة الأسرة.. ودور المركز القومي للترجمة أثر في دعم الحركة الثقافية بشكل جيد. ويردف مصطفى: الحراك الثقافي والقرائي يمكن أن يعود إلى ريادته عن طريق الخبرة التي تنتقل للناشرين، ووجود رؤية أو خطة واضحة للنشر وإعداد قانون يحفظ حقوق الكاتب والناشر، على حد سواء.
استيراد المواد اللازمة يرهق المطابع مالياً ويكبلها
يبين الناشر شريف قاسم صاحب إحدى المطابع أن شراء الأغلفة من الخارج يعرض الناشر إلى إرهاق مالي كبير، لاسيما مع وجود ضرائب جمركية تزيد من سعرها، موضحاً أن الطباعة مربحة.
لكنها في الوقت نفسه تعاني بسبب العديد من المشاكل المرتبطة، من ضمنها وجود العنصر البشري أو العمالة التي تعاني أحياناً من الكسل، بجانب المطالب الفئوية، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن استخراج الأوراق الرسمية هو الآخر عائق أمام المطابع، فالترخيص من الخطوات الصعبة لدى أصحاب المطابع، ومقابله المالي مرتفع جداً، ما يجعل أمر ترخيص المطبعة مهمة شبه مستحيلة.
ويلمح قاسم إلى أن بعض الموظفين يستغلون تلك النقطة ليمروا على المطابع لجباية مبالغ مالية مرتفعة يحصلونها لأنفسهم حتى يتغاضوا عن الإبلاغ عن المطابع التي تعمل بصورة غير رسمية، مؤكداً أنه مع كل هذه العقبات لا يوجد حافز من أجل الترخيص، والإجراءات البيروقراطية تجبر البعض على العمل بعيداً عن الأنظار.
كما يتطرق إلى مشكلة أخرى تواجه القائمين على صناعة النشر، وهي شراء الماكينات المستخدمة، إذ إن غالبية ماكينات الطباعة الواردة إلى مصر سبق استعمالها في الخارج، بينما الماكينات غير المستعملة أسعارها مرتفعة جداً، ولا يكاد يقوى عليها ناشر، فضلاً عن أن البنوك لا تقدم تسهيلات كافية لتمكين الناشرين من استيراد ماكينات طبع جديدة.
ويطالب قاسم بتوفير طرق لتمويل الطباعة، وسهولة توافر المواد الخام للورق، إلى جانب دعم التعليم الصناعي الذي من المفترض أن يجري الاهتمام به بشكل أكبر، وذلك من خلال تحسين المناهج الدراسية، وإتاحة المجال للدراسات الحرة داخل مجال الطباعة من أجل دعم ذلك المجال بكل قوة، وتوفير الأيدي العاملة المدربة وذات الصلة بمجالات النشر والطباعة والتغليف.
1798
تأسست أول مطبعة في مصر بأمر الغازي الفرنسي نابليون بونابرت، إبان حملته على مصر، وبالتحديد عام 1798، حيث دخلت أول مطبعة بها حروف عربية إلى الإسكندرية على يد بونابرت.
وطبعت المطبعة الشرقية أول نداء موجه إلى الشعب المصري في 22 يونيو عام 1798 أثناء وجودها في البحر المتوسط، تلاه «البيان العربي» قبيل احتلال المدينة في 2 يوليو من العام نفسه، وعندما نزلت المطبعة على البر صدر عنها أول مطبوع في مصر.
وهو الطبعة الثانية لبيان «13 مسيدور» المكتوب باللغة العربية، والذي تحمل نسخة منه هذه العبارة «في إسكندرية من مطبعة الشرقية والفرنساوية»، ثم رحل نابليون إلى القاهرة ومعه الشعبة الفرنسية من المطبعة، تاركاً الشعبة العربية في الإسكندرية حتى نهاية عام 1798.
1799/1/14
كانت المطبعة الشرقية هي الوحيدة في مصر التي تطبع باللغة العربية، إذ كان بونابرت يستخدم مطبعة مارك أوريل في القاهرة للطباعة باللغة الفرنسية، ويرسل إلى المطبعة الشرقية بالثغر للطباعة باللغة العربية، إذ إن مطبعة أوريل لم تكن بها حروف عربية على الإطلاق، بعد أن أرسل نابليون في طلب المطبعة الشرقية، واستقرت في القاهرة وأطلق عليها «المطبعة الأهلية».
ورأى مارك أوريل أنه سيبقى معطلاً عن العمل، فعرض على الحكومة أن يبيعها آلات مطبعته، فوافق نابليون على ذلك، وابتداء من 14 يناير سنة 1799م أصبحت المطبعة الأهلية في القاهرة المطبعة الوحيدة في خدمة الحملة الفرنسية.
%38
يشدد الدكــــتور خالد عزب، عضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين في مصر، على أن الصين والهــند واليابان وأستراليا، حصتها ٪38 من حركة النشر في العالم.
ويتابع: إن جزءًا من أزمة النشر في مصر يأتي من الهيئة العامة لقصور الثقافة التي لديها مكتبات ومنافذ ولا تستغلها للترويج، وهناك مشكلة كبرى في التعامل مع كتب التراث لاختلاف اللغة عن الماضي، وهناك مشروع لدى مجمع اللغة العربية لإنتاج معجم لمصطلحات كتب التراث وإعادة إنتاجها، حتى لا يجري تفسيرها على عكس ما أراد المؤلف.


