يواصل معرض مسقط الدولي للكتاب، مع كل دورة جديدة، ترسيخ مكانته وتركزه كساحة ومساحة احتفاء بالثقافة والحب والسلام. إذ إنه يعد إحدى الفعاليات الثقافية والتعليمية البارزة على مستوى المنطقة كونه يستقطب مشاركين من أنحاء العالم..

والعمانيون هم من صنعوا المعرض ومنحوه النجاح والاستمرارية، فهو لم يكن عرساً ثقافياً لاقتناء الكتاب فقط بل لقاء مهم للأسرة العمانية والمقيمة في عوالم الكتاب ذلك ضمن أجنحته المتعددة، فالمتجول بين أروقة المعرض يستطيع أن يرصد الكثير من اللقطات والمشاهد التي ستبقى عالقة في الذاكرة، كما ان التفاعل الكبير بين زوار المعرض هو أحد أهم نجاحات دوراته العشرين..

فكل دورة من دورات المعرض تمثل غرساً يانعاً في واحته الغناء التي تورق كل عام ليستفيئ بظلالها محبو الكلمة والكتاب بكافة أطيافهم. ولا تكل هذه الواحة عن فتح ذراعيها، بصورة متجددة، ليلتقي فيها الباحثون والقراء ويجدوا ضالتهم في ما يستجد من إصدارات في مختلف فروع العلم والمعرفة.. فما تبعده الجغرافيا والمسافات، يقربه فضاء معرض مسقط الدولي للكتاب..

جامعا بين العديد من الفئات الثقافية على مختلف توجهاتها الفكرية والأدبية في زمان ومكان محددين، خاصة وانه يجمع عددا من المؤلفين والناشرين ليعرضوا تجاربهم وليطرحوا فيما بينهم قضايا نشر الكتاب لتعزيز مسيرة وتطور نشر المعرفة بمختلف فروعها.

دورة استثنائية

هذه الاحتفالية الثقافية أصبحت إحدى الركائز المؤسسة لفعاليات المشهد الثقافي العماني، فالمعرض كحدث ثقافي يتبوأ مكانته على منبر الثقافة البارز، ساعياً مع تتابع دوراته الى نشر ظلال الثقافات المتعددة التي تجتمع تحت سمائه في انسجام وتناغم ووعي كعادته كل سنة..

ومؤكداً على ضرورة تعزيز قدرة الكتاب وثباته في المحافظة على قيمته كمصدر علمي وثقافي وفكري متجدد في ظل تنوع مصادر المعلومة والانفجار المعرفي الذي تقدمه مختلف وسائط الاتصال الإلكترونية. ويلبي المعرض احتياجات المثقفين والأكاديميين والباحثين والطلبة مسهما في رفع قيمة القراءة في المجتمع العماني بمختلف شرائحه..

وكذا يحفز النشء على القراءة وإيجاد علاقة تفاعلية مع الكتاب بما ينعكس على رفع وعيهم حول مستجدات العلم والمعرفة. وكان لافتا نجاح المعرض في دورته الأخيرة التي بدأت في 26 فبراير وحتى 7 مارس 2015 الماضي واقيمت في مركز عمان الدولي للمعارض لمدة عشرة أيام، اذ شاركت في الدورة العشرين 633 دار نشر من 24 دولة..

وتضمن 180 ألف عنوان، منها 65 بالمئة إصدارات حديثة. كما اشتمل البرنامج الثقافي على أكثر من 30 فعالية ثقافية، ولم يسجل المعرض خلال هذه الدورة أية حالة سحب لكتاب مشارك، وهو ما وصفه الناشرون بالمعرض «الاستثنائي» عربيا.

الإصدارات الحديثة

المعرض أصبح الإطار الجامع لمفهوم الثقافة في السلطنة، لأنه ومع توالي دوراته، تجاوز حضوره على اساس كونه حدثاً ثقافياً عابراً، ليصبح جزءاً مكوناً من المشهد الثقافي العام في السلطنة، فالمؤسسات الأكاديمية والعلمية والثقافية حطت رحالها بين أفياء هذه الدورة لتغرف من زادها المعرفي ما تجدد به الطاقات العلمية للمنتسبين إليها، وبين جنبات واحة المعرض التقى المؤلفون والناشرون في أجواء تملؤها الألفة ليعرضوا تجاربهم وليطرحوا فيما بينهم قضايا نشر الكتاب وهمومه بما يعزز مسيرة وتطور نشر المعرفة..

كما شهدت هذه الدورة حضوراً كثيفاً من الزوار قدر بأكثر من 700 ألف زائر.. وفي الساعات الأخيرة من المعرض بقي الآلاف من الزوار يبحثون عن العناوين ويخرجون بأكياس كبيرة محملة بالمعرفة. واستضافت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء 11 إصداراً أدبياً جديداً في المعرض انطبعت في دور نشر معروفة محلياً وعربيا، وأخذ الشعر نصيب الأسد في مجموع الإصدارات الحديثة بالإضافة الى الإصدارات في مجال الرواية والمسرح والنقد.

الأمسيات الشعرية

الفعاليات الثقافية المتنوعة المصاحبة للمعرض كل عام تفتح آفاقا رحبة من العلم والمعرفة، وتقام بالتعاون مع عدد من المؤسسات الثقافية بالسلطنة وهي: المنتدى الأدبي والنادي الثقافي والجمعية العمانية للكتاب والأدباء، والجمعية العمانية للمكتبات ومؤسسة بيت الغشام للنشر والترجمة، ويأتي هذا التعاون سعيا من اللجنة المنظمة للمعرض لتفعيل الحراك الثقافي وإبراز الثراء الفكري والأدبي والفني في السلطنة.

كما تشارك نخبة من أصحاب الفكر والأدب في الفعاليات من خلال إقامة ندوات ومحاضرات متخصصة في مختلف الآفاق الثقافية والمعرفية والأدبية، بالإضافة الى معرض فني يقام على هامش المعرض لمجموعة من الفنانين التشكيليين العمانيين.

كذلك عدد من الأمسيات الشعرية في الشعر الفصيح والنبطي والشعر الشعبي، والتي صحبها عزف موسيقي شارك فيها بالدورة الاخيرة، عدد من الشعراء من بينهم : فهد السعدي وفيصل الفارسي وعامر الحوسني ومطر البريكي وأحمد الكلباني ويوسف البلوشي ومحمد بن عبدالكريم الشحي، إلى جانب الشاعر جاسم محمد الصحيح..

 كما تقام ندوات سينمائية يشارك فيها عدد من الباحثين من أرجاء الوطن العربي، وينظم النادي الثقافي ندوات ويقيم المنتدى الأدبي جلسات نقدية حول الروايات، بالإضافة الى جزء مخصص للأطفال يتمثل في إقامة حلقات فنية مفتوحة لهم.

التراث العماني

زيادة عدد دور النشر المشاركة كانت أبرز أحداث الدورة 18 عام 2013، حيث شاركت 520 دار نشر عربية وأجنبية من 26 دولة، بما يقارب 5000 عنوان جديد، وتوزعت دور النشر على أربع قاعات، هي: قاعة الفراهيدي وقاعة أحمد بن ماجد لدور النشر وقاعة العوتبي للمؤسسات والهيئات الحكومية من داخل السلطنة وخارجها وقاعة ابن دريد لدور النشر العربية والأجنبية التي تنشر الكتاب الأجنبي.

كما دشنت النسخة العربية من كتاب «في ظلال الأسلاف ـ مرتكزات الحضارة العربية القديمة في عمان» للكاتبين سيرج كلوزيو وموريسيو توزي. وتناول الكتاب التراث العماني والفترات القديمة، وهو كتاب تاريخي يغوص في عمق الحضارة العمانية التي قدمت للبشرية الكثير من المنجزات الحضارية، وهذه ليست مقولة العمانيين فقط وإنما شهادات الكثير من الباحثين والدارسين على مستوى العالم.

خدمة الرقم الدولي

في الدورة الـ 18 التي اقيمت عام 2013 دشنت خدمة الرقم الدولي المعياري الموحد. وهو أحد أنظمة التقييس الدولية، ويعد أداة عصرية سهلة تمكّن الباحث أو القارئ من التعرف على أحد العناوين أو الطبعات الصادرة عن ناشر معين في بلد معين. وهو رقم فريد للعنوان أو للطبعة الواحدة، وهو أقرب إلى رقم الهوية الذي يعطى للأفراد للتعريف بهم، ولكنه رقم عالمي يعمل به على مستوى العالم.

جائزة خليفة التربوية.. مشاركة ناجحة

اتسمت مشاركة جائزة خليفة التربوية في فعاليات الدورة العشرين للمعرض (هذا العام) بالنجاح الكبير. وقدمت الجائزة خلال مشاركتها صورة شاملة حول رسالتها وأهدافها ومجالاتها، إذ تأتي ضمن استراتيجية الجائزة في ترسيخ ثقافة التميز في الميدان التربوي محلياً وإقليمياً وعربياً.

وتهدف إلى توسيع قاعدة التوعية بدور الجائزة في الميدان التعليمي والأكاديمي بسلطنة عمان، وحث أكبر عدد من المشاركين سواء من الأفراد أو المؤسسات على الترشح للجائزة في دوراتها المقبلة، فالجناح يعتبر نقطة إشعاع معرفي حول الدور المتميز الذي تنهض به الجائزة في تحفيز العاملين في الميدان التربوي والتعليمي على تدشين مبادرات ومشاريع مبتكرة، تخدم مسيرة التعليم في مختلف المراحل الدراسية والتخصصات العلمية.