قبل سنوات قليلة، كانت «المدونات» بمثابة النافذة الثورية التي أطل منها كل ذي موهبة أو فكرة يريد إيصالها، واتخذ منها منصة انطلاق إلى جمهوره عبر الفضاء العنكبوتي. واليوم، يندر أن تسمع أحداً يتحدث عن «المدونات» بعد أن استحوذت مواقع التواصل الاجتماعي على الكبار والصغار، على حد سواء. فإلى أين انتهى المصير بالمدونات؟ وهل من شرايين حياة لا تزال تدب في أوصالها؟
من الثابت أنه تتنوع المدونات في موضوعاتها واتجاهاتها ومستوياتها، ومن بين أبرزها في الشأن: أولا، الهادفة ذات الطابع التخصصي في حقل معين كالترجمة.. كما حال مدونة «يارا المصري» المعتنية بترجمة النصوص الصينية. وثانياً، المدونات المعنية بإحدى القضايا كمدونة «النقد النصي للعهد القديم» وهي مدونة تهتم بالشؤون العبرية.
. ومدونة «أحمد طوسون» التي تهتم بالأدب ومدونة «حي بن يقظان» التي تهتم بأدب الطفل، وغيرها. وهناك ثالثا، مدونات شخصية تتضمن خواطر كُتّابها، ذاك مثل مدونة «على بالي» لريهام سعيد، و«تناتيف من حياة ماعت» لمنى سيف.
مؤسسة صغيرة
توضح سعاد أبو غازي، المسؤولة عن مدونة «أنا حرة»، أن شبكات التواصل عززت علاقة الجمهور بالقائمين على المدونة، لكن هذا لابد ألا يؤثر على حرص صاحب المدونة على التواصل المباشر من وقت إلى آخر، مع المستهدفين من المدونة الخدمية، إلى جانب عدم إغفال فكرة أن المدونات هي واحدة من وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنها تستخدم أدوات أخرى من أجل زيادة عدد المستهدفين من محتواها.
أما عن عائد المدونات، فتشير أبو غازي إلى أن لها عائدا بالفعل، لكن لا يمكن الاعتماد عليه. وتضيف في هذا المحور: «على سبيل المثال، هناك إعلانات على مدونتي، لكن، وعلى الرغم من ذلك، لا أستطيع أن أجزم القول إنه عائد يمكن الاستناد إليه لضمان الاستمرارية كمشروع مستقل، وبالنسبة لي فالفكرة تطوعية في الأصل، إذ إني أعمل بها باستقلالية، ولكنني أيضا، أرحب بأية مساعدة في الترجمة.. أو بأي شكل آخر».
وتوضح المدوِّنة الشابة، أنها لم تكن تخطط للمدونة أن تصبح مشروعا مستقلا، لكنها مع الوقت وجدت إمكانية حدوث هذا، وذلك سعيا إلى تحسين الخدمة وتوسيع دائرة المستفيدين، وهذا لن يحدث، برأيها، إلا من خلال خروج المدونة من إطار العمل التطوعي إلى عالم أرحب يوجد فيه أشخاص يعملون وكأنهم ضمن مؤسسة صغيرة، وذلك لإنتاج محتوى جيد ومنتظم في نهاية الأمر.
وتضيف سعاد، فيما يخص الأسس التي يمكن من خلالها تعزيز نجاح المدونات في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي: بالنسبة لي، ومن خلال تجربة مدونة (أنا حرة)، فالأساس الثابت دوما المعلومة الصحيحة وتصحيح الأخطاء بسرعة وباستمرار.
ولا شك في أنه تعد أولى الركائز المجدية في أي مشروع: معرفة الجمهور معرفة دقيقة وتحديد احتياجاته. ذاك بالإضافة إلى توافر سياسة تحريرية واضحة يعلمها كل المتابعين، إلى جانب النشر بانتظام واستمرار.
وتتابع: وإذا حدث أي توقف يجب التنبيه قبله لإعلام المتابعين دون مفاجأتهم، بموازاة التمسك بتقديم محتوى جيد بغض النظر عن الإغراءات التي تواجه أي مدون، خاصة أنه يرى صفحات أخرى يزيد عدد متابعيها، حتى رغم أن محتواها بسيطٌ ولا يقدم أية معلومات، بل ويصل الأمر إلى وجود صفحات كبرى ومدونات مشهورة يقدم أصحابها معلومات مغلوطة ومضللة بحثا فقط عن الشهرة وزيادة عدد المتابعين.
وتشدد المُدوِّنة أيضا، على ضرورة الفصل الواضح بين فكر ومواقف أو رؤى من يدير المدونة وطبيعة محتواها، الأمر الذي يعني بالنسبة لها، أن لا تتحكم خياراته الشخصية في المحتوى؛ لأنها إذا تحكمت فلن تناسب إلا فئة قليلة، وما يهم أية مدونة، من وجهة نظرها، التوجه إلى فئات عديدة من المتابعين.
وتلفت سعاد أبو غازي إلى الفترة الذهبية للمدونات: من 2008 إلى 2010، إذ تحولت أعمال عدد من المدونات إلى كتب ذات طبعات مرغوبة ومحبوبة من قبل القراء، وهو ما شجع الناشرين على تبني المدونات الجيدة، وتحويل نصوصها الإلكترونية إلى مطبوعة..
حيث طبعت كتب :«أرز باللبن لشخصين» لرحاب بسام، «هذه فرقصتي أنا» لغادة محمد محمود، «عايزه أتجوز» لغادة عبدالعال.. وهو الكتاب نفسه الذي تحول فيما بعد إلى مسلسل تلفزيوني من بطولة الفنانة هند صبري.
وحدث الأمر ذاته عندما حولت رزان محمود مدونتها «يرجع الصوت المسافر» إلى كتاب ورقي نشرته الهيئة العامة لقصور الثقافة في سلسلة تدوين، ليحمل كتابها اسم «يا له من نهار» نُشر في ديسمبر العام الماضي. كذلك نشرت في السلسلة ذاتها ريهام سعيد «البنت اللي مليانة ديفوهات».
جمهورٌ وفيٌّ
ومن جهتها، تثني المدونة ريهام سعيد في حديثها لـ«البيان» على الدور الذي لعبه التدوين في حياتها. وتحكي عن ذلك: التدوين هو البوابة التي فتحت لي مساحة لقاء مع القراء، وبدأت فعليا التدوين بعد ظهور الـ(فيسبوك)، بالفعل كانت المدونات الوسيلة الأهم في ما سبق. لكن، ورغم استحواذ مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيس و(تويتر) على الجزء الأكبر من الجمهور..
لا يزال للمدونة محبوها وقراؤها الأوفياء الذين يميلون وتجذبهم سمة حفظ الخصوصية التي تتفرد فيها، إذ تمنحهم المدونات إحساس البيت، وكأنهم يزورون الكاتب في ركنه الخاص. شيء أشبه بقراءة الكتابات الشخصية والمدونات. أما فيما يخص حقوق الملكية، فتوضح سعيد أنها واجهت مشكلات تخصها، إذ نقلت عنها إحدى الفتيات تدويناتها من دون ذكر المصدر..
لكن هذه الأزمة تمتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً، وتؤكد الكاتبة الشابة أن المدونة تعطي الحق والإثبات بشكل أكبر من وسائل التواصل، حيث يمكن منع النقل والنسخ من خلالها إلا بموافقة الكاتب، ولكنها ترى أن كل هذا لا يهم، نظراً لكونها متأكدة حالياً، أنه صار لديها متابعون يعرفون كتاباتها ويتابعونها.
محتوى جاذب
يؤكد د.هشام عطية -أستاذ الصحافة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن لكل عصر الوسيلة المفضلة للوصول إلى الجمهور، وأنه وبرغم استحواذ مواقع التواصل الاجتماعي على اهتمام جمهور الشبكة العنكبوتية لا يزال للمدونات دور مهم يحافظ على النجاح، وإن كان أقل من ذي قبل..
وهو الأمر الذي يبرره باحتياج المتواصلين إلى أقصر الجمل، والأفكار المركزة، وهو ما تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي، ويرتب مسؤولية مضاعفة على المدونين، تحتاج منهم تقديم محتوى جاذب وتوفير فرص تفاعلية مع الجمهور، كما في مواقع التواصل الأخرى.
وفي المقابل، يرى الكاتب مكاوي سعيد، أن دور مواقع التواصل كان داعماً بشكل أساسي للمدونات، نظراً لما أتاحته هذه المواقع من إمكانية معرفة الكاتب والتواصل معه بشكل أكبر، وهو ما لم تكن تتيحه المدونات من قبل بهذا الشكل الذي خرجت عليه مواقع التواصل.
تفاؤل
لم تقتصر المدونات على التحول إلى كتب ومسلسلات، إذ حوّل تامر مبروك مدونته «الحقيقة المصرية» إلى موقع إخباري متكامل يشرف عليه. ويوضح مبروك لـ «البيان»، أن تجربة التدوين ساعدته على خوض تجربة إدارة موقع صحافي متكامل، مبينا أن المدونة لم ولن تفقد دورها أبدا، بل كل ما هنالك أن أدوار الهيمنة يمكن أن تتبدل لكنها تبقى محفوظة.
ويلفت الى أن المدونات يمكن أن تعود لها الصدارة مرة أخرى بشرط إقامة جسور تواصل بين الكاتب والجمهور، كما تفعل وسائل التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي يمكن أن يخلقه موقع تدويني جديد يحمل هذه الصفة، إلى جانب دور الكاتب الذي يجب أن يعي هذه النقطة.
أدوار مهمة ضاعت مع انعدام التجديد ومواكبة التغيرات العصرية
أدت المدونات، خلال العقد الفائت، دوراً ركيزياً في ساحة الأدب والثقافة بالعالم العربي، موفرة فضاءات حرة للآراء، ومهيئة الفرصة للكثير من أصحاب الأقلام الجيدة، الذين لم يوفقوا في إيجاد منفذ وحفاوة لدى دور النشر. وهكذا بقيت طوال سنوات الشغل الشاغل لمؤسسات المجتمع، الحكومية والمدنية، لما أحدثته في الاوساط كافة، من نقلة نوعية في مدى الجرأة بطرح القضايا وتناول المسكوت عنه..
وتسمية العيوب بلا وجل. وكان لهذا تأثيرات فكرية إيجابية، انبثق بفعلها حراك شبابي مهم. إلا أن تلك المدونات لم تفلح في تجديد سياقاتها لتوائم روح العصر وتتصدى لما أفرزته ثورة مواقع التواصل الاجتماعي التي اوجدت اجواء مثالية لتفاعل القراء مع الكتاب، بينما ظلت المدونات منطوية ومؤطرة بين أسوار الاتجاه الأحادي، الذي يلعب فيه الكاتب دور السيد والحكم.
استيعاب الاحتياجات الشبابية و «وسائل التواصل».. أجدى الحلول
تجد الدراسات الأدبية والمجتمعية، أن قلة الاهتمام بالمدونات، في الفترة الأخيرة، برز جراء جملة أسباب مهمة، خاصة وان الشريحة الأكبر من جمهورها الاصل، أفرادها حاليا غارقون ومنخرطون في عوالم مواقع التواصل الاجتماعي. وهم باتوا، كما يشير متخصصين، لا يقارنون او يؤمنون أساسا أن هناك مجالا للمقارنة بين مواقع المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي.
فالأخيرة بالنسبة لهم، باتت ملجأ ومساحة تفاعل وتواصل مع العالم أجمع، وعلى مدار الـ24 ساعة. ويقترح البعض في هذا الشأن، أن يهتم المعنيون بهذا الحقل، في ابتداع آليات تطوير وتحسين ممكنة لماهيات عمل المدونات، تجعلها تواكب وتستوعب ما تتفرد به مواقع التواصل الاجتماعي. فتعيد بذا، تجديد شعبيتها والأخذ بالجديد المطور الذي يلبي الاحتياجات العصرية للشباب.


