تُشكّل روسيا الاتحادية ودول الاتحاد السوفييتي السابق، شاهداً حياً على تلاقي الحوارات العميقة بين الشرق والغرب من خلال أوراق صفراء عتيقة كتب فيها من الروائع النفيسة الأدبية والعلمية والفلسفية والفنية ما بقي خالداً حتى يومنا الحالي، إنها المخطوطات العربية.
وربما يكون الاهتمام بالمخطوطات نوعا من محاولة النبش في السطور البالية المطموسة، بغية التعرف على الحياة الماضية واستعادتها من جديد، بعد أن كانت مطمورة تحت الأرض أو في الصناديق المنسية على مدار مئات السنين. وتبرز المخطوطات العربية في روسيا كإحدى أهم المخطوطات العربية في العالم أجمع. إذ إنها ضخمة في عددها وقيّمة في طبيعة مضمونها.
احتكاك وتاريخ
تزامن انبعاث الاهتمام الحقيقي في روسيا تجاه جمع ودراسة آثار الكتابات العربية، وبشكل عملي، مع تأسيس المعهد الآسيوي التابع لأكاديمية العلوم في عام 1818. إلا أننا، بلا شك، وفي تتبع وبحث ماهية علاقات الجانبين: العرب والمسلمين من جهة والروس من جهة اخرى، نتبين بوضوح الاحتكاك القديم بينهما، ذلك بوجهة تدل على عمق العلاقة.
وهذا ما يفسر وجود مخطوطات عربية كثيرة في المتاحف الروسية. ومن الأمور الغريبة أن الإسلام دخل إلى روسيا قبل المسيحية بقرن كامل، حيث تدل الوثائق التاريخية على أن الإسلام دخل إلى روسيا في القرن التاسع الميلادي، بينما لم تدخل المسيحية البلاد إلا في القرن العاشر.
نبع ثر
انتشرت المخطوطات العربية في مختلف أصقاع الأرض ومن بينها الاتحاد السوفييتي السابق، الذي شغل المرتبة الرابعة في العالم، بعد تركيا ومصر وإيران، في عدد المخطوطات العربية الموجودة لديه. ويمكن تعداد أكبر المراكز التي تحوي بين جوانبها وفي أقسامها المتنوعة..
آلافا من المخطوطات العربية في دول الاتحاد السوفييتي السابق: مؤسسات الاستشراق ودور المخطوطات في سانت بترسبورغ وموسكو والقوقاز وكازان في روسيا. كذلك الأمر في أوزبكستان واذربيجان وطاجيكستان وجورجيا وأرمينيا.. ودول أخرى.
وفي مكتبات ومعاهد بترسبورغ، تمتلئ الخزائن العتيقة بكنوز الثقافة العربية. وفي السياق، تعد مكتبة كلية الدراسات الشرقية بجامعة سانت بترسبورغ من أقدم مكتبات الاستشراق في روسيا ورابطة الدول المستقلة. وفيها تحفظ كنوز ثمينة من مخطوطات وعاديات ومؤلفات نادرة في علوم الشرق باللغات الشرقية والأوروبية، إذ إنها تغطي عصورا تاريخية مختلفة.
وتحظى مجاميع المخطوطات العربية لسانت بترسبورغ منذ أمد بعيد، بشهرة دولية واسعة، لأنها أصبحت قاعدة أساسية للاستعراب والإسلاميات الروسية، في ما قبل الثورة.
مستودع وحكايات
وبواسطة هذه المخطوطات العربية، أدخلت الى الحياة العلمية مجموعة من آثار الطراز الأول للأدب العربي، وكوّنت دراسات رائعة في حقل التاريخ السياسي والثقافي للعرب وشعوب الشرق الأخرى في منتصف القرن. كما اقتنى المتحف الآسيوي المخطوطات في أسواق الكتب الشرقية والغربية، وحجز نسخا من المخطوطات من مختلف مستودعات الكتب الأخرى في العالم، ونظم البعثات الخاصة لجمع المخطوطات.
واستمر المتحف الآسيوي لأكثر من مئة عام، ليتحول فيما بعد وبالذات في عام 1930، الى معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم، بينما اكتسب في عام 2007 اسم معهد المخطوطات الشرقية، وهو يعتبر بالفعل المستودع المركزي للمخطوطات العربية والشرقية عموماً في روسيا.
ويمكن اعتبار النصف الأول من القرن التاسع عشر في تاريخ العلم الروسي، عصر تشكل الاستعراب الرسمي في روسيا والانفتاح على المؤلفات الفكرية العربية والإسلامية. كما أنه فعليا، عصر زيادة اهتمام المستعربين الروس بالمرحلة الكلاسيكية للغة العربية وآدابها وتاريخ المجتمع العربي وثقافته. وكذا شهدت هذه المرحلة نشاطاً ملحوظاً تميزت معه بجمع المخطوطات والكتب العربية النادرة من مصادر مختلفة.
إرث وجذب
لطالما فاخر الروس بالخوارزمي وابن سينا والبيروني والفارابي وغيرهم ممن عاشوا على أراضي هذا البلد. وتدل مصادر الاستعراب الروسي، على أنَّ أول ترجمة روسية لسيرة (عنترة) صدرت في روسيا عام 1833، أعدها الكاتب والمستشرق يوليان سينكوفسكي، وحينذاك كان ينشر باسم مستعار : «البارون برامبيوس».
واعتباراً من عام 1840، أخذت المجلة الأدبية سيفيرنايا بتشيلا : «نحلة الشمال» التي أصدرها سينكوفسكي، تعرف القراء الروس بانتظام على أفضل إبداعات الأدب العربي. وترجمت عام 1863 مُعلقة الشاعر امرئ القيس إلى اللغة الروسية. وتأثر بها لاحقا الأديب الروسي المعروف إيفان بونين الحاصل على جائزة نوبل للآداب، الذي نظم قصيدة بعنوان «امرؤ القيس».
ولهُ أيضاً قصائد من وحي الآثار العربية والإسلامية. ولاحقاً، في عام (1889)، صدرت ترجمة (كليلة ودمنة). ومنذ تلك الحقبة جذب وباستمرار إرث عصر الخلافة الإسلامية، انتباه المستشرقين جميعا، وبينهم الروس، بفضل ما بلغته الآداب والعلوم والثقافة العربية الإسلامية من ازدهار رفيع.
أخيراً لا بد من القول إن المخطوطات العربية في دول الاتحاد السوفييتي السابق، وفي روسيا على وجه الخصوص، تعد بعشرات الآلاف وهي تتعرض مع مرور الوقت وتعاقب السنين إلى التلف.. وكثير منها لا يزال بعيداً عن الدراسة والتحقيق. وفي ذاكرة تلك المخطوطات، نسيج دافئ وصورة خلابة لتراث عظيم انتشر في أنحاء العالم كافة وفي الاتحاد السوفييتي السابق بشكل خاص.
جهود رعاية وترميم من قبل مركز جمعة الماجد
أطلق وقاد مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، مجموعة مشروعات مهمة، غايتها تلافي التقصير والإهمال من أصحاب الشأن: العرب والمسلمون. ذلك في ما يخص الاعتناء والبحث في المخطوطات العربية الموجودة في روسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق، مع التركيز على ترميمها وصيانتها.
وتبرز في الصدد مبادرة المركز، ضمن السلسلة المشتركة للبحوث والمصادر في تاريخ الجزيرة العربية ودول الخليج العربي، التي تنتظم أعمالها في إطار التعاون القائم بين مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث ومعهد الدراسات الشرقية «المجمع العلمي الروسي- فرع بترسبورغ».
اهتمام نوعي أنتج كماً كبيراً من الكنوز التراثية العربية
تضم محتويات المخطوطات العربية، الموجودة لدى الروس، نسخاً عديدة من القرآن الكريم. كما أننا نجد اهتماماً خاصاً بالمخطوطات الأدبية الإسلامية، ناهيك عن مخطوطة كتاب «البستان في نزهات الندمان» التي تتضمن حكماً وأمثالاً شعبية.
والثابت، كما يوضح بحاثة كثر، أنه لو لم يكن هناك اهتمام نوعي بالمخطوطات العربية في روسيا، لما وجدنا هذا الكم الهائل منها في المتاحف ودور الاستشراق والمكتبات في كل أرجاء الاتحاد السوفييتي السابق وفي روسيا. ولا شك في أن لهذا ارتباطا بطبيعة البلاد وماهية تكوينها الديموغرافي، وواقع جغرافيتها.
إذ إن سبب الاهتمام هذا لا يتوقف على كون هذه المخطوطات هي عربية، بل يتعدى ذلك إلى حقيقة أنها ترتبط بالعالم الإسلامي أيضاً.. والاتحاد السوفييتي السابق، وروسيا حاليا، تضم شعوبا كثرة دينها الإسلام.
كما أن روسيا تلاقت وتجاورت مع المسلمين ودولهم على مر السنين، ذلك في حدودها الجنوبية بدءاً من آسيا الوسطى والقوقاز ومروراً بإيران وانتهاء بتركيا.


