«نقاط إشعاع فكري وثقافي وأدبي متوهجة، وحاضنة لأجيال من المبدعين وبؤرة لاهتمام صانعي القرار ومستقبليه على السواء»، هكذا ظلت الصالونات الثقافية في مصر والعالم العربي، إذ برزت ينابيع إبداع متجددة لعقود وربما قرون طويلة، لكن حاصرها الجفاف، فتوقفت أو كادت، وخبا بريقها، ولم يعد لها اللمعة والعطاء نفسيهما، اللذين كانا، وذلك طبعا على الرغم من وجود محاولات حثيثة لاستنهاضها من سباتها العميق.
«بيان الكتب» يرصد في هذا التحقيق، طبيعة الصالونات الثقافية بين الماضي والحاضر، مضيئاً على ماهية التغيرات التي لحقتها، وكيفية القدرة على تجديد ألقها.
يوضح الأديب السوري إبراهيم الحاج، أن الصالونات الثقافية لعبت عبر التاريخ دوراً متميزاً في اكتشاف المواهب ورعايتها وصقلها، وكانت مرآة للمجتمع يعرف من خلالها صناع القرار والعامة اتجاه الأمور في الوطن، لكنها أخذت بمرور الزمن، في الاختفاء، ربما بسبب استبدالها بظاهرة المقاهي الثقافية، إضافة إلى افتقاد الشخصيات المتميزة، مثل:
مي زيادة والعقاد وطه حسين، والتي كانت ذات تأثير كبير وجوهري لجذب المبدعين على اختلاف مسارهم للانضمام إلى هذه الصالونات. ويشير أيضاً، إلى أن ظهور وسائل الاتصال الحديثة أثر سلباً على هذه الصالونات، فلم يعد المناخ الثقافي السائد مهيئا للصالونات الجادة.
ويلفت الحاج إلى أن أهمية الصالونات تأتي من فكرة إرساء مبدأ التحاور بين المفكرين والمثقفين، وكذلك التركيز على المادة الثقافية، غير أنه يعيب وجود بعض الصالونات التي لا تهتم إلا برسم صورة لها أمام المجتمع، والاكتفاء بتلميع أصحابها أمام الشاشات، الأمر الذي افرز ثمارا هزيلة وبعيدة كل البعد عن الطابع الثقافي.
ويؤكد الحاج أن عدداً من الصالونات الأدبية لا يحظى حالياً بأي دعم معنوي من قبل الدولة أو وسائل الإعلام أو حتى جمهور المثقفين. ويشدد على ضرورة أن تؤكد وسائل الإعلام على أن مثل هذه التجمعات هدفها الأول هو إثراء الفكر، ونشر الثقافة، لا تعزيز الصورة السلبية التي يتبناها البعض.
تراجع
يرى الباحث المصري د. حامد طاهر، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، أن الإعداد الجيد هو ما يخلق قيمة لهذه الصالونات، موضحا ً أن صالونه الثقافي يعكس أطيافاً مختلفة من الجمهور، بداية من أساتذة الجامعات والفكر والثقافة، فضلاً عن الصحافيين..
وانتهاء بالشباب المبدعين. وأكد أن صالونه الذي توقف فترة لظروف خاصة واستأنف نشاطه مجدداً، يستعرض عديداً من النقاشات الأدبية، فضلاً عن موضوعات متعددة مثل: النانو تكنولوجي، الاقتصاد، الأمن، المسائل الثقافية.
واعترف أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، بتراجع مكانة وتأثير الصالونات في المجتمع حالياً مقارنة بدورها في بدايات القرن العشرين، مؤكداً أنه حين كان في فرنسا وجد دوراً كبيراً لهذه الصالونات، على عكس حجمها المتضائل حالياً في مصر والعالم العربي.
وبين أنه هناك الحضور فيها كثير وقوي، إذ يعرف الجميع أهميتها من خلال الإضافة التي تمد بها عقول روادها. وأبدى طاهر أسفه لانحسار دور الصالونات التي كانت تحظى بفكر حيوي في ما مضى.
طموح
ويبين د. محمد نجيب، صاحب أحد الصالونات الثقافية في مصر، أن فكرة الصالون بدأت لديه في مارس الماضي، ليقام في الخميس الثاني من كل شهر بمقر عيادته بالجيزة. ويضيف: واجه الصالون في بداياته عدة مشاكل متعلقة بانتظامه والحالة الأمنية والانفلات الذي عمّ البلاد لفترة غير قصيرة مع إقامته في مكان حيوي بميدان الجيزة..
حيث كانت الأحداث الساخنة، إلا أنه وبمثابرة المثقفين ــ كعهدهم - صار الصالون مقصداً للقاصي والداني، وخاصة من المبدعين الشباب الذين وجدوا من رواد الصالون كل الدعم والمساعدة، مما كان له أكبر الأثر في تصدرهم كبريات المسابقات الثقافية في القصة والشعر اخيرا، كمسابقات ساقية الصاوي ونادي القصة واتحاد الكتاب وغيرها. بل وإقامة مسابقة للقصة القصيرة باسم الصالون نفسه، تقدم لها أكثر من مئتي عمل.
واكد أنه جار الإعداد لحفل يليق بمناسبة إعلان النتائج، ويَعِدُ الدكتور محمد نجيب بالعديد من المفاجآت للفائزين وحتى المتسابقين الذين وصلوا للقائمة القصيرة في هذا الحفل. كما تقام بالصالون فعاليات شاملة، بالفن والموسيقى والأدب.
وتنظم المسابقات وتوزع شهادات تقدير لأفضل عمل في كل مجال، هذا إلى جانب أفضل عمل أول، وهو ما يأتي بأفضل الأثر على الكتاب الشباب الذين يقدمون أعمالهم الأولى ويستمعون لنصائح من سبقوهم في التجربة، أمثال القاصة منى ماهر طه والروائي محمود الديداموني ..
وأحمد عبد المجيد وأحمد القرملاوي وأمير عاطف ومحمد فؤاد عيسى ورنا عمر ووفاء نصر شهاب الدين ومي أشرف حمدي وشريف عبد الهادي ومحمد عبد القوي مصيلحي. فضلاً عن الشعراء المتميزين : عادل محمد ووليد جلال ومحمد الصفتي وآن أدهم وأحمد النجار وحازم ويفي.
ويتابع نجيب: الصالون يتميز عن غيره بتنوع ما يقدمه من فنون، فتجد القصة القصيرة والشعر والخاطرة بالإضافة إلى عرض الأفلام الروائية القصيرة وأفلام الأنيميشن والتصوير الفوتوغرافي والعزف الموسيقي.
ووضع رواد الصالون برنامجاً طموحاً يهدفون للوصول إليه، إذ كان أوله إقامة مسابقة ثقافية سنوية كبيرة مع طبع الأعمال الفائزة في كتاب جماعي، وهو ما يبدو أنه سيرى النور قريباً، حيث جار وضع اللمسات الأخيرة والاتفاق مع الجهات الراعية ليبدأ الحدث كبيراً منذ البداية.
ويضيف: يمكن للجميع، خصوصاً الذين لا تسمح ظروفهم بحضور الصالون الشهري، أن يتواصلوا طوال الوقت عبر (غروب) الصالون على الـ(فيسبوك)، وهو ما يجعل الصالون في حالة انعقاد دائمة طوال الوقت، إذ إن المُشارِك يضع عمله ومن ثم يتواصل مع الآخرين في منتهى السهولة واليسر..
ويجرب الصالون حاليا، الإعداد والتجهيز لموقع خاص على الإنترنت، كما ان له قناة على اليوتيوب يعرض فيها تسجيل لأهم الفقرات التي قدمت في الصالون، هذا ويرحب الصالون بحسب ما أعلن مؤسسه محمد نجيب، بكافة الاقتراحات التي تساهم في الارتقاء بمستواه.
حوارات وفضاءات حرة
لم تختفِ الصالونات تماماً من الساحة الثقافية فحتى الوقت الحالي، يقيم د. محمد محسن عبد الله، صالونه الشهري في الجمعة الأخيرة من كل شهر، وتحضره مجموعة من المفكرين وطلبة الدراسات العليا والشباب الإعلاميين والشعراء وكتاب القصة، ويعرض الصالون الإصدارات الجديدة والأقلام الجديدة، من دون أية قيود على الإبداع، إلى جانب إتاحة سياسة الحوار وإمكانية الخلاف في أي مسألة أدبية..
كما يناقش في أثناء انعقاده شخصية ما هامة، سواء من مصر أو من أي بلد عربي. كما كان يعقد د. حامد طاهر، أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة القاهرة، صالونه الشهري يوم الاثنين الثاني من كل شهر..
حيث يقطن بالدقي، إذ كان يحرص خلاله على استضافة أحد البارزين في الوسط الثقافي ليطرح خلال هذا الصالون قضية ثقافية ما فتناقش، بجانب فاصل موسيقي يقدمه الفنان د. طارق سمير، الأستاذ بكلية التربية النوعية في جامعة القاهرة. وكان يشارك في الصالون عدد من كبار الأساتذة والمثقفين في مصر، منهم: عبد المنعم تليمة، مراد وهبة، منى أبو سنة، محمد عبد المطلب، حسن البنداري، محمد أمين.
استمرارية
واللافت، انه ركزت بعض الجامعات المصرية، على عدم إغفال الاهتمام بهذه الصالونات، إلى الوقت الحالي، رغبة في التوعية الثقافية للطلبة، وتعد جامعة طنطا أبرز الجامعات التي تحرص على هذا التقليد، إذ افتتحت صالوناً ثقافياً بكلية التربية النوعية، وغيرها من الجامعات.
