في منطقة السيدة زينب بالعاصمة المصرية، القاهرة، يقع بيت السناري، في مدخل واسع على طراز عربي، يؤدي إلى بابين، أحدهما مغلق أمام الزوار حالياً، والثاني يؤدي الى صحن الدار، الذي يوجد في داخله بيت السناري، والذي كان يعيش فيه مؤسسه منذ سنوات بعيدة، وتحديدا عام 1794م، حيث وقف إبراهيم كتخذا السناري راضيا عن بنائه الذي لم يعلم أنه سيتحول الى معلم هام في القاهرة، ومكان ثقافي وتعليمي يلجأ إليه الزوار من كل الأعمار. وتبدو تفاصيل قصة البيت، وكأنها تشي بلقاء وغزل التاريخ والحداثة في قالب ومسار ثقافي فريد.

حكاية

كان إبراهيم كتخذا يعمل بوابا في مدينة المنصورة، وبعدها اتجه للصعيد، ثم حاول أن ينتقل من تلك الحياة التي لم تناسبه، وهكذا اتصل بالأمير مراد بك، الذي استطاع إبراهيم أن يقيم معه صداقة وشراكة جعلته ينضم إلى زمرة الأعيان في مصر، لينتقل بعدها إلى القاهرة، فيبني البيت الذي حمل اسم صاحبه، وليظل بهذا الاسم حتى الوقت الحالي.

تعرض البيت بعد ذلك الى شيء من التهميش، حيث صادره الفرنسيون أثناء الحملة الفرنسية، وذلك من أجل إسكان أعضاء لجنة العلوم والفنون التي أوفدتها فرنسا بغرض دراسة مصر، كذلك جرت ضمنه عمليات كتابة الأبحاث والرسوم التي وردت في كتاب «وصف مصر» التي رسمها الرسام الفرنسي الشهير ريغو، وفي عام 1917 أنشئ في بيت السناري متحفٌ خاص يخلد ذكرى نابليون بونابرت الذي غزا مصر، ولكن أغلق مباشرة بعد وفاته.

مكونات

البيت يتكون من جزأين، الجزء الغربي والجزء الشرقي. ذلك بينما تزين صحن الدار نافورة متوسطة الحجم تتوسط المدخل، وأمامها ساحة يجلس عليها الرواد للاستماع إلى العود، أو عمل الورش الغنائية، وأمامها منضدة توضع عليها المشغولات اليدوية التي تباع في المكان.

مشربيات

وفي بيت السناري تبقى المشربيات التي تزينه الأثر الأهم، والمشربية تبنى من الخشب المنقوش أو المزخرف والمبطن بالزجاج الملون، حيث تعد تلك المشربيات بجانب جمالها التصميمي مناسبة للبيئة الصحراوية، لتسهم في تخفيض درجة حرارة المكان.

وصمم السقف في بناء البيت على طريقة «ملقف الهواء» فبجانب كونه عالياً بشكل يتنافى مع علو البيوت الحديثة، يحول الهواء الساخن الى هواء بارد.. ويجدد الهواء في البيت، وهو ما يجعله موازياً لدور «المروحة» المستخدمة حالياً في التكنولوجيا الحديثة.

توقف

توقف البيت لفترة في تاريخه، وذلك بعد أن احتاج الى الترميم وطاله الإهمال، ثم رمم عقبها في عام 1979.. ورغم عدم ترميمه بالكامل حتى وقتنا الراهن، إلا أن كثيراً من العمل حدث في المكان، لترمم الأحجار التي بني بها البيت، ومن ثم يعاد افتتاح حجراتها لتنظم الفعاليات المختلفة ضمن البيت، والذي يحوي 55 قاعة لم ترمم كلها بعد.

ورش

تعقد ورش العمل بصفة شهرية ضمن بيت السناري، لتستفيد منها فئات المجتمع كافة. وهي تضم ورش الأطفال وللنساء وللطلبة وللبالغين والمثقفين.. وغيرهم.

برامج وفعاليات خاصة بحفظ الهوية وصون التراث

يُقيم البيت فعاليات ترفيهية متنوعة من معارض ومهرجانات، ويهدف جزء منها إلى الحفاظ على التراث والهوية المصرية الأصيلة، وفي جزء آخر يهدف إلى نشر الفنون وتشجيع الفنانين -محترفين وهواة- على تنظيم معارض خاصة لهم ولنشر مختلف أنواع الفنون، وذلك بالتعاون مع فناني مصر وفناني العالم، كما تعقد بصفة مستمرة الندوات التي تغطي كافة فروع العلوم والفنون والآداب؛ في محاولة لنشر الثقافة وتشجيع العلوم وإعادة ريادة مصر على النطاق الأدبي، ويجري التعاون فيها مع أكبر الجهات البحثية والعلمية في مصر وخارج مصر.

على وقع الموشحات الأندلسية والمولوية المصرية

تُشكّل الحفلات الفنية، جزءاً أصيلاً مما يعرضه البيت.. والذي يعرض ما يتناسب مع تاريخه، وما يزخر به التراث المصري من إرث ثقافي وفني، فالتنورة كأحد ألوان الفنون البصرية لها نصيب هام من عروض بيت السناري، وكذا التراث الغنائي والموشحات الأندلسية، والمولوية المصرية بما فيها من إنشاد ديني صوفي رقيق.

وكذا فرق الشباب المغمورة والمشهورة، التي تهتم بالفن الهادف، أيضا يحرص البيت على ألا تقتصر فرقه من داخل مصر فقط، بل يتعدى ذلك لمختلف أنحاء العالم، وكل هذا يستضيفه البيت، ليضيف بهاءً ورونقاً على القاهرة القديمة، حيث يعيد إحياء التراث الساكن منذ عقود، ويأتي هذا بالإضافة إلى الصالونات الأدبية وحفلات توقيع الكتب وصالونات الشباب، والتي تهدف إلى طرح رؤى جدية وعرض أفكار جديدة على الساحة الفنية والأدبية، داخل المجتمع المصري.