صفحات تاريخ البشرية لم تخل من قصص ونماذج الملهمات .. فهن نساء شاركن في صناعة التاريخ أو أن بعضهن صنع ذلك التاريخ سياسياً كان أو اجتماعياً أو ثقافياً، فهن على مدى مئات السنين كن ذوات «فعل» رومانسي .

كما هو لدى الكثير من العشاق في العالم، فالإلهام عند مشاهير الإبداع هو الديناميكية التي تحرك مكامن الموهبة ولابتكار، ومفيد في شحذ العبقرية ودافع قوي لإثارة الحس المعنوي لأطيافٍ متألقة تداعب القلوب وتغذي الخيال.

وإذا كان العالِم يقيده البحث والتجارب في مجال العلوم، فإن الفن هو وليد الإحساس والمشاعر المرهفة.. وهذه الصفات الحسية الشاعرية إذا جمعناها معاً فليس أقدر على تحريكها مجتمعة من المرأة المُلهمة التي تنفخ نفحة من الهواء المكون للإبداع في خيال الفنان فتوقد في نفسه وروحه ومشاعره، شعلة العبقرية.

مسارات التاريخ

لو تقصينا وسبرنا علاقة الشعراء والفنانين ورجالات التاريخ بالمرأة، في مختلف العصور، لوجدنا أنها لا تنتهي وفصولها متشابكة .. فالواقع يؤكد انه نادرا ما تخلو حياة شاعر أو فنان ما من هوى عاصف أو حب مجنون، وكثيرا ما يلعب الحب دوراً كبيراً في إلهام الفنان أو الشاعر لإطلاق عبقريته المكبوتة، ولمئات السنين ظل وجود الملهمات ضروريا لخلق الفن والجمال والإبداع.

فالعواطف الأنثوية الدافئة هي التي تحيل الجمود إلى حيوية دافقة، والصمت إلى همس حنون، فالملهمات ليست فقط لمشاهير الأدب والفن ولكن هناك أيضاً ملهمات لشخصيات قيادية وعسكرية من أولئك الذين قادوا الجيوش وحركوا مسارات التاريخ تماما كما الحال مع جوزفين مع نابليون، وايفا براون مع هتلر.. ويرى نقاد ومؤرخون أيضا، أن بعض الأندلسيات كن ملهمات لقادتنا العرب في اسبانيا «الأندلس»، ويمكن أن نقول إن المرأة الملهمة ربما كانت وراء عظمة وشهرة الرجل وسبباً في نجاحه.

فكما يقول المثل الشائع «وراء كل رجل عظيم امرأة»، وربما أيضاً تكون سبباً في حزنه وفشله وشقائه، فهي إما ترقى به إلى ذرى المجد، أو تهوي به إلى القاع، والأمثلة على ذلك ترويها الكتب ولوحات المبدعين الموزعة في متاحف العالم.

عصر النهضة

ملهمات عصر النهضة كن خاضعات لرسّاميهن ابتكروا عادة تقديس الملهمة.. أما ملهمات الرسّامين الإيطاليين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر فنساء حقيقيات كن يجلسن أمام الرسّامين الذين كانوا بدورهم يصوّرونهنّ كنموذج للأنثى البعيدة المنال، فالموديل (المرأة الملهمة) التي استخدمها رافائيل في رسم اثنتين من أشهر لوحاته كانت ابنة خباز تدعى مارغاريتا.

وكانت على الأرجح عشيقة للرسام. كذلك فإن الرسّام فرا ليبي أغوى راهبة شابّة اسمها لوكريتسيا وذهب ليعيش معها واستخدمها كموديل في العديد من بورتريهاته الدينية. ثم أتى اندريا ديل سارتو الذي عايش أوّل تجربة خاصة ومغايرة في هذا الصدد ضمن الفنّ الغربي، إذ كانت ملهمة سارتو، وزوجته في الوقت ذاته، تجسّد الصورة المثالية في عقله. لذا رسم كلّ بورتريهاته الأنثوية على هيئتها.

وتبين أنه أكثر الملهمات في العصر الحديث كانت من النساء القويّات والمبدعات. جورجيا اوكيف، مثلا، لم تكن فقط مصدر الهام للمصوّر الفريد ستيغليتز، وإنما أثّرت أيضا في اتجاهه الفنّي بعد أن تعلّق بها وتزوجها، أما سوزان فاريل، الراقصة المشهورة وملهمة الفنّان جورج بالانشاين، فسمحت له أن يقع في حبّها بينما رفضت إغراءاته المتكرّرة، وتزوّجت شخصا آخر.

عروس الريح

آلما شيندلر كانت ملهمة الموسيقي الألماني غوستاف ماهلر.. وزوجته في ما بعد، وكانت آلما مؤلّفة موسيقية هي الاخرى. وطلب منها ماهلر في بداية زواجهما، أن تنحّي طموحاتها الموسيقية جانبا لأن بيت الزوجية لا يتّسع لأكثر من مبدع واحد، لكن المرأة لم تلبث أن دخلت في علاقات عاطفية مع عدد من الرسّامين، أشهرهم غوستاف كليمت.

وكان ماهلر قد أهداها قبل ذلك إحدى سيمفونياته. وعندما هجرته صنع لها دمية على هيئتها ومقاسها، وكان يأخذ دميتها معه أينما ذهب. إن قصّة حياة آلما شيندلر وعلاقتها الغريبة بماهلر كانت موضوعا للعديد من الأفلام السينمائية والكتب، وكان أشهرها كتاب «عروس الريح» للكاتبة سوزان كيغان.

المسحة الشاعرية

اليزابيث سيدال كانت ملهمة وعشيقة للرسّام الانجليزي دانتي غابرييل روزيتي. وظهرت في الكثير من لوحاته. كما استخدمها جون ميليه كموديل في لوحته المشهورة اوفيليا. وبعد وفاتها اتخذ روزيتي لنفسه ملهمة ورفيقة جديدة هي أليكسا ويلدينغ، التي ظهرت في ما بعد، في العديد من بورتريهاته ذات المزاج المتأمّل والمسحة الشاعرية.

شرارة

جاءت الروسية الحسناء «غالا» ملهمة الفنان العالمي الإسباني سلفادور دالي وزوجته، لكي توقظ وتقدح شرارة العبقرية فيه. وكان دالي مجنونا بحبّ تلك المرأة.. وخصها في لوحات كثيرة له.

فكانت هي العون ومصدر استلهام ثرياً لأكثر من 16 لوحة من لوحاته، وعندما سألوها عن سبب اختيارها لشاب فقير معدم أجابت: لأني أدركت فورا أنه عبقري، وشيئا فشيئا راح دالي يخرج من خوفه المزمن من الفقر، حتى اشتهر وأصبح من أغنى الفنانين في العالم. وأصبحت لوحاته تباع بمئات الألوف ان لم يكن بملايين الدولارات، في باريس ونيويورك وغيرهما من العواصم العالمية.

مجنون إلزا

إذا سئل الفرنسيون عن أحب شعراء فرنسا المعاصرين إليهم أجابوا: أراغون، وإذا سئلوا عن أحب أعماله إليهم، قالوا: ديوانه «مجنون إلزا».. فهو ليس مجرد ديوان شعري وحسب، إنه شعر ورواية في الوقت نفسه. والتقى أراغون بإلزا في عام 1928 وتزوج منها في عام 1939، وعاشا جنبا إلى جنب في شارع لاسورديير بباريس. وتحول حب آراغون لإلزا إلى أنشودة ترددها القارة الأوروبية ويغنيها كبار المطربين.

وكان آراغون وهو يكتب قصائده العذبة لإلزا يقول لها: «المرأة هي مستقبل العالم.. وأنت مستقبلي..»، ويقول: «إلزا التي شاركتني الحياة والمستقبل شاركتني الآلام والعذاب.. إلزا التي شاركتني كل ما في الحياة من نبضات.. كانت هي مستقبلي.. وكانت هي شعري.. وكانت هي حروف المعرفة والمستقبل في حياتي».

قصة عشق

قصه عشق قيس بن الملوح وحبيبته ليلى العامرية، من أجمل قصص الحب التي مرت في التاريخ والتي سطرت أبدع معاني العشق والحب. وسمي قيس بمجنون ليلي لكثرة تعلقه بحبيبته وهيامه في حبها.

ويقال ان قيس وليلى كانا من ابناء العمومة، وتربى قيس وليلى سويا وكانا يرعيان الأغنام معا في صغرهما. فأغرما ببعضهما. ولما كبرا، وكعادة العرب البدو، حجبت ليلى عنه فازداد حبه لها وازداد شوقه إليها يوما بعد يوم.

سالومي

وكانت لويز فون سالومي امرأة روسية مثقّفة لديها اهتمامات بالأدب والفلسفة والتاريخ وعلم النفس. كما أنها اشتهرت بعلاقتها العاطفية مع الشاعر الألماني رينر فون ريلكا، وكانت صديقته وملهمته على الرغم من أنها كانت تكبره بخمس عشرة سنة.

وهي من علّمته اللغة الروسية كي يقرأ بها. ثم اصطحبته بعد ذلك لزيارة روسيا، وبحكم اهتماماتها الفكرية المتعدّدة، كانت ترتبط بعلاقات صداقة مع كلّ من: نيتشه وفرويد وفاغنر.

رسام الوجوه

حفلت حياة الفنان البريطاني «جورج رومني» الذي حاز عام 1762م على جائزة أبرز رسام لرسم الوجوه «البورتريه»، بلوحات كان لها حدث تاريخي في مجال الفنون، ذلك عندما لفت نظره واستلهامه وجه السيدة «إيماليون».. وهي التي عرفت في التاريخ باسم «الليدي هاملتون».

فكانت رسوماته لشخصها أكبر مصدر لقمة أمجاده، ولم تكن الليدي هاملتون نفسها تحلم، مهما اشتط طموحها، في أن تصبح لوحات رومني عنها من أشهر الأعمال الفنية لدى المتاحف العالمية.

الموناليزا

تمثل لوحة «الموناليزا»، لوحة أسطورية من روائع الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي، والتي عكف أربع سنوات كاملة على رسمها.

وعرف عنه أنه كان يحملها معه أينما رحل في أسفاره تاركاً وراءه جميع أعماله الفنية الأخرى. وهذه اللوحة التي نقف أمامها مشدوهين في متحف اللوفر بباريس، تحيرنا بمغزى ابتسامة المرأة فيها: هل هي ساخرة.. أم ساحرة؟ والعينان الناعستان.. هل هما غامضتان أم ماكرتان.. أم راحلتان في رحلة تأمل واسترخاء؟ وما سر خلفية اللوحة التي تسبح في الأفق البعيد بصورة ضبابية غامضة؟

سميت هذه اللوحة باسمين: «الموناليزا» أو «الجيوكوندا». فالاسم الأول هو للسيدة ليزا أو موناليزا. والثاني ينسب إلى اسم عائلة زوجها «جيوكوندو»، وهو التاجر الفلورنسي «فرانسيسكو دل جيوكندو».

والواقع ان الفنان العالمي دافنشي، لم يكن رساماً ونحاتاً بل كان مهندساً ومخترعاً وأديباً وفيلسوفاً. وأصبحت الموناليزا بطلة إنجازاته التي حققت ذروة الإثارة، ليس في القرن السادس عشر فقط، بل إلى غاية الوقت الحالي.