بعيداً عن صخب وسط العاصمة المصرية (القاهرة)، تأخذ مكتبة دار العلوم من حي المعادي، المعروف بهدوئه، وجماله ورقيه، مقراً لمبناها الذي بني باستخدام الطوب الفرعوني، ويتميز بكونه ذا باب حديدي يحمل فوقه لافتة «دار العلوم للنشر».
ومن هذا المكان، وفي مسيرة تواصلية يحركها منهج نشاط دائم لا يلين همه الإبداع وخدمة الثقافة، تتابع الدار أداء رسالتها ورفد مكانتها في مجال النشر، مقدمة الأعمال الصادرة عنها أو أعمال لمكتبات أخرى، في شكل وأسلوب.
واللافت في رسالة الدار وأساسيات عملها، كونها تؤمن أن الثقافة رسالة اجتماعية رفيعة المستوى ومتميزة المحتوى، لا بد وأن تسخر لخدمة نماء كل القطاعات وتحسين المستوى الفكري لكل شرائح المجتمع.
بدأت المكتبة في الدار، عملها منذ ثلاثة عشر عاماً، وتحديداً في نهاية عام 2002، عندما قرر مالكها حسام عثمان، أن يخوض مجال النشر فأسس تلك الدار التي اتخذ لها اسم «دار العلوم»، قاصداً أن تكون داره ناشرة لجميع أنواع العلوم على نحو سواء، حيث تتنوع أعمال الدار بين الأدب والثقافة والعلم والدين والسياسة وغيرها من المعالم والعلوم المتنوعة، محاولة من خلال أعمالها تحقيق التفوق والإبداع والتميز في مجالها.
أساس
تلتزم الدار بأسلوب مدروس من أجل نشر الأعمال عنها، حيث تتبع إليها «لجنة قراءة» متخصصة، تتولى مهام تقييم العمل وإعطائه درجة ما من عشر درجات، ومن ثم إرسال نسخة العمل مرفقة بجميع تلك الحيثيات، إلى صاحب المكتبة، والذي يقرأ العمل بدوره، ومن ثم تصبح له اليد النهائية في نشر العمل من عدمه داخل الدار.
كما تتبنى الدار أساسيات تعاط مدروسة ودقيقة تضع من خلالها أسس التعاقد مع كل كاتب على حسب جودة العمل، وبعد التعاقد يخضع العمل للتنقيح والتصحيح اللغوي من أجل نشر المنتج النهائي بأفضل صورة ممكنة.
عناوين مهمة
وعلى أرضية مثل تلك المنهجية العملية، أصدرت «دار العلوم» عديداً من الأعمال التي لاقت صدى واسعاً في الوسط الثقافي المصري والعربي.
وفي هذا الخصوص، يشير مدير النشر في مكتبة الدار، عبد الحليم طاحون، إلى أن الدار هي من بين دور النشر الأولى التي نشرت أول رواية للكاتب أحمد مراد «فرتيجو».. وعمدت إلى نشرها من الطبعة الثالثة وحتى الثامنة، وبالتالي عُرفت الرواية من خلال الدار، ثم أخذت حق نشرها مكتبة (الشروق ).
ويضيف طاحون: لكل منا حلم تجاه مشاريعه، وحلمي الخاص تجاه دار العلوم للنشر هو أن يصبح لديها على الأقل كتابٌ واحدٌ يحمل شعار الدار داخل المنزل المصري والعربي، كتابٌ مفيدٌ تستفيد منه الأسرة العربية ويضيف إليها، قائلاً: «وإن تحقق ذلك، فإنني سأشعر أنني أديت رسالتي تجاه المجتمع راضيا».
الدار نشرت أيضاً كتاب «ضد الاكتئاب» لخليل فاضل الذي حاز على إعجاب القراء. وأيضاً: ديوان «سيلفي» لعمرو حسن، ديوان «أهرام الجمعة» لنبيل عبد الحميد، ديوان «عن فيلسوفة» لمحمد إنسان، ديوان «أبيض في أسود» لأحمد حسن، ديوان «قلب قابل للفرح» لسيد شعبان، ديوان «روبابكيا» لوليد ديدا، «حب مقسوم» لآن أدهم، «شيزوفرينيا» لمحمد هشام رجب، «إنسانيات» لمحمد إنسان.
وجميع تلك الدواوين مكتوبة بالعامية المصرية. ويضاف إلى تلك الباقة: ديوان «ما تيسر من سيرة الخايفين» لإسراء مقيدم، إلى جانب رواية «مراوغة» لمنة الله رأفت، وكذلك مجموعة قصصية باسم «بديعة» لأكرم إمام.
وتتنوع أعمال الدار أيضاً، لتشمل تخصصات وحقولاً كثيرة، متخصصة وعامة، ومن بين ذلك: منشوراتها في مجال التنمية البشرية، ومن بين أبرز الكتب التي أصدرتها على هذا الصعيد: «قانون الجذب» لمحمد زكريا.
كذاك هناك كتب بحثية عدة صدرت عن الدار، وتخصصت في شتى صنوف الأدب والفكر والثقافة، مثل: «أطفال الشوارع» للدكتور طارق عبد الرؤوف والدكتور إيهاب عيسى. وهذا طبعاً، إلى جانب المعاجم المختلفة، مثل: «معجم مصطلحات الثقافة والإعلام» لمحب ماهر. وكذا تنشر كتباً كثيرة في مجال الصحافة، من بينها: «كتاب الصحافة الاستقصائية وصناعة القرار السياسي».
أفكار
لم تقف الدار عند حد امتهان النشر بوجهة تقليدية مكرورة. بل ركزت على ابتداع خطط عمل جديدة تضفي وتنتج حراكاً نوعياً في جوهر الحقل ضمن مصر والعالم العربي.
وهكذا فإنها استحدثت عدداً من الأفكار جعلتها مختلفة عن غيرها من دور النشر، وأولها تحويل الأعمال الصادرة منها إلى كتب بطريقة برايل، ذلك من أجل مساعدة القراء المكفوفين، فعديد ممن فقدوا البصر لم يُتح أمامهم إلا عدد قليل جداً من الأعمال.
وانطلاقاً من هذا الواقع، ركزت الدار على تحويل 62 كتاباً مكتوباً إلى طريقة برايل، رغبة منها في تقديم المساعدة للمجتمع المحلي. إذ وزعتها الدار على عدد من المدارس، كما أنها تتيح من خلال فرعها، ولأي من الراغبين، اقتناء تلك الكتب أو إهداءها لآخرين.
كما طبعت الدار «دليل لدور النشر للكتب المصرية والعربية»، وهذا من خلال طبع اسطوانة تحتوي على معلومات لكل الأعمال، ليبحث أي شخص عن أي كتاب أو كاتب أو دار نشر، لتأتي له المعلومات في الحال على حاسوبه الشخصي الموضوع في داخله السي دي.
تميز
ومن الصعوبات التي تواجهها الدار أيضاً، طبقاً لما يؤكده القائمون عليها، تردي المستوى الفكري والثقافي، بجانب انتشار نوعية أفلام معينة مغايرة لمستوى الفكر والثقافة الراقيين، وهو ما كان سبباً آخر من أسباب قلة الإقبال على المكتبات.
كما تقوم مكتبات عدة بإصدار روايات غير مناسبة لأي من الأخلاقيات من أجل جلب الرواد، وتلك الروايات تبتعد تماماً دار العلوم عن المشاركة في نشرها أو الترويج لها، حسب مسؤوليها، وهذا على العكس من الدور الأخرى التي تستغل تلك الروايات من أجل تحقيق ربح مالي سريع، ولكنها في النهاية لا تضيف شيئاً إلى الحركة الثقافية داخل مصر.
معارض
شاركت دار العلوم في العديد من المعارض ضمن مصر وفي العالم العربي، ومن بين الفعاليات والمعارض التي شاركت فيها: معرض القاهرة الدولي للكتاب، معرض الإسكندرية للكتاب. كما شاركت الدار في معرض مرسى مطروح للكتاب..
وأيضاً في معارض: أكاديمية الشروق الدولية، ساقية عبد المنعم الصاوي للكتاب.. وغيرها من الفعاليات التي شاركت فيها الدار وأثبتت حضورها المتميز وتفرد أعمالها. أما عربياً، فشاركت دار العلوم في معارض كثيرة، من بينها: أبوظبي الدولي للكتاب ومعارض الرياض ومسقط وعمان والسودان.
وكذا كانت الدار تشارك في معرض الجزائر، ولكن منذ سنوات توقفت عن تلك المشاركة. وتحرص إدارة الدار في هذا الشأن على إيلاء مشاركتها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، كبير الاهتمام، إذ ترصد ميزانية كبيرة لهذا، وتنتقي باقة من الكتب المختارة، التي تعكس قيمتها وقدرتها على المنافسة والحضور.
ولا يخفي المعنيون في الدار، كونهم حريصين على الدوام، على تطوير خطط عملهم والنهوض بمستوى نتاجاتهم، سعياً إلى الارتقاء المتواصل .. وتحقيق حلمها الكبير الذي يعزز من خطوات تشجيعها على المضي والاستكمال.
ندوات وصالونات
تنظم دار العلوم ندوات شاملة، إلى جانب حفلات التوقيع المتنوعة، وذلك دعماً منها للثقافة والحركة الثقافية، عدة صالونات ثقافية من خلال دعوة مؤلف كتاب ما، أو باحث أو مفكر، ومن ثم إطلاق النقاش حول موضوع يجري اختياره في حضور عديد من القراء للاستفادة ونقل المعلومات. كما أن الدار تعتني بإقامة ندوات وورشات تعليمية للكتابة، تشجيعاً للقراء الشباب على الكتابة وخوض هذا المجال، وذاك في حال كانوا يجدون في أنفسهم الموهبة الكافية.
منهج عمل موضوعي يتحدى الـ «بيست سيلر»
لا يستسيغ أو يقبل مسؤولو الدار وتحديداً المكتبة، فيها، منهج وفكرة انغلاق بعض الأعمال على الـ(بيست سيلر)، حيث تكتفي المكتبات بالأعمال المشهورة التي عرفها الجمهور، من دون عناية بنشر الأعمال المفيدة لدور النشر، مما يعرض دور النشر للضرر بسبب عدم الاهتمام بمنشوراتها.
إذ إن الدار ومكتبتها تتوخى الدقة والموضوعية في الترويج للكتب ونشرها وطبعها، ولا تحاكي أو تقلد أياً من المكتبات حالياً، والتي تعمل بنظام المجاملات، فالموظف يجامل زميله بدار أخرى.. وهكذا، وهو الأمر الذي يسهم بشكل حقيقي، في الإضرار بدور النشر.
رسالة ومسيرة تتحديان الأزمات وتقهران الصعوبات
واجهت الدار، وكغيرها من دور النشر، عديداً من الصعوبات التي أضرتها على مدار سنوات إنشائها، حيث يوضح مسؤولوها، أنهم واجهوا العقبات نفسها، التي واجهت عديداً من دور النشر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 في مصر، موضحين أن الحالة الاقتصادية السيئة خلال سنوات ما بعد الثورة، أثرت سلباً على العمل الثقافي عموماً، وبالفعل توقفت بعض دور النشر نهائياً، وتوقفت أخرى بشكل مؤقت، إلا أن دار العلوم استطاعت الصمود واستكمال مسيرتها الثقافية، برغم الأزمات التي أحاطت بها من كل اتجاه.




