بعد أن ابتعد الجمهور عن الثقافة لمدة زمنية كبيرة، قرَّر صناع الأعمال الأدبية أن يجعلوا الأدب والموسيقى صديقين حميمين، ذلك من خلال فعاليات عدة متنوعة في الاتجاه، غدت تفيد في أن ينفذ القراء إلى الأدب من خلال المقطوعات الموسيقية، سواء التي ترتبط بالعمل نفسه أو التي تقف إلى جانب العمل، فيستمدان من بعضهما القوة، ويصنعان مزيجاً يربط الجمهور بالعملين. وأصبح هذا التوجه، رائجاً بقوة في الفترة الأخيرة في ساحة الثقافة والأدب في مصر، ويلقى إقبالاً وطلباً حيويين، خاصة من قبل الروائيين والأدباء والمبدعين الموسيقيين الشباب. إذ إنه، وفي المقابل، يؤكد كثير من أفراد الجمهور والمثقفين أن الأدب يصبح أكثر متعة، والموسيقى تتحول إلى شيء أكثر عُمقاً مع هذا النمط من الإبداع الأدبي والموسيقي. فتتحقق بذا وحدة النص والنغمات.
"بيان الكتب"، يعرض لأهم التجارب التي جمعت الأدب بالموسيقى، ومدى تجاوب القراء معها.
لعل أحد أهم هذه التجارب، ما بادر إليه بعض الباحثين الذين ابتكروا برنامجاً يحول الروايات الأدبية إلى مقطوعات موسيقية تناسب جو الرواية، حيث يحول هذا البرنامج النص الأدبي إلى جزء إيجابي وآخر سلبي، من مشاعر الرواية المختلفة، ليتحول ذلك الابتكار إلى طريقة يسير بها عدد من الموسيقيين الذين قرروا أن يبدعوا مقطوعات موسيقية، بعد أن يقرؤوا هم الروايات، ليعرضوا إبداعاتهم الموسيقية بجانب الروايات، حتى يقترب الجمهور أكثر من الرواية عبر الموسيقى، ويشعر القراء بالموسيقى من خلال قراءتهم للرواية، ليخلق ذلك التجانس زخماً للعملين.
أربعة أجزاء
يرتكز عمل البرنامج إلى أساسات مهمة، عمادها حساب كثافة الكلمات داخل الرواية عن طريق ثمانية مشاعر أساسية، وهي: «الفرح، الغضب، الخوف، الاشمئزاز، الحزن، التفاجؤ، الثقة، التوقع». ويتحقق هذا الأمر من خلال قاعدة بيانات تقيّم الكلمات حسب القيمة الحسية، وبعدها يجري تحليل العاطفة الغالبة على الجملة، ومن ثم قياس تغير العواطف عبر سطور الكتاب، لينتج البرنامج الموسيقى الألوان الإبداعية التي تلائم تلك العواطف المتغيرة.
يعمل البرنامج من خلال تقسيم الكتاب إلى أربعة أجزاء، تتنوع بين البداية وأول المنتصف وآخر المنتصف والنهاية، ليصار إلى تجميع المقطوعات الناتجة عن تلك الأجزاء الأربعة في مقطوعة أخيرة يجري سماعها مع الرواية، وتعمل على إدخال القارئ في جو القصة، والتعايش الجيد مع أحداثها. هناك تجربة أخرى تتحقق من خلالها ترجمة الروايات إلى قطع موسيقية، بدأت وتوسعت أخيراً، في مصر، ذلك منذ أن جاء الملحن محمد ناصف إلى القاهرة بعد أن كان يعيش في روسيا، حيث وجد هناك (في روسيا)، أن الروايات تباع معها أسطوانة تحمل مقطوعة موسيقية تناسب جو الرواية، وهو ما شجعه عند عودته، لأن يتصل بصديق طفولته الروائي أحمد مراد، وينفذ مقطوعته الأولى بعد قراءته لرواية صديقه «الفيل الأزرق»، وهي الرواية التي بيع منها مئات النسخ وعديد من الطبعات، وتحولت إلى فيلم سينمائي.
نماذج
المقطوعات الموسيقية من هذا القبيل الموجودة في مصر لا تتعدى الدقائق، وهي تتناول موضوع الرواية ككل، بينما في الخارج الموسيقى، نجد أن المصاحبة للروايات هي موسيقى تدخل القارئ في جو النص، وهذا هو محور الاختلاف الذي صنعته مصر في التعبير بالموسيقى عن الأدب. وفي هذا الصدد نتبين ناصف يكرر تجربته الناجحة في استخلاص الموسيقى من الأدب على رواية «تراب الماس»، التي كتبها أيضاً، الروائي الشاب أحمد مراد. كما تعددت تلك المقطوعات لعديد من الكتاب الشباب، لتلاقي كتبهم نجاحاً كبيراً، مثل: «المرحوم» للكاتب حسن كمال، ورواية «طغراء» لشيرين هنائي.
واللافت للنظر، أن تلك الفكرة حصدت نجاحاً كبيراً داخل الأوساط الشبابية على وجه الخصوص، ليصل عدد المستمعين إلى مئات الآلاف، ما شجع الجمهور على شراء تلك الروايات، وكذلك شجعت تلك الخطوة عدداً من الملحنين على تلحين روايات أخرى، مثل رواية «مسيا» للكاتب الشاب عمرو الجندي، التي لحنها الملحن مهاب رمضان. وبيعت نسخ روايات عمرو من رواياته بشكل كبير بين الأوساط الشبابية، ليكلل نجاحه بدخوله هو الآخر في شراكة بين الأدب والموسيقى.
2013
وفي هذا السياق، يؤكد الملحن محمد ناصف لـ «البيان» أن فكرة دمج الموسيقى مع الروايات تعود إلى عام 2013، عندما قرأ رواية «الفيل الأزرق» لصديقه الكاتب الشاب أحمد مراد، ووجد نفسه يقرر أن يؤلف مقطوعته التي استوحاها من قراءته لذلك العمل الأدبي، ليعمد بعدها إلى تأليف العديد من المقطوعات، وذلك بعد الاتفاق مع كتابها الأصليين. وكذا يشير الموسيقي الشاب إلى أنه لا يمتلك طقوساً معينة للبدء في موسيقى إحدى الروايات، لكن يحتاج للرواية نفسها، أو حتى لملخص لها إذا كانت لا تزال في مرحلة النشر، حيث يتواصل في البداية مع كاتب الرواية، وذلك للوقوف على أهم المشاهد المطلوب التعبير عنها، مؤكداً أن التأليف يأخذ معه وقتاً.
«بالموسيقى أحلى»
الشعر أيضاً لم يكن بعيداً عن هذه التجارب الموسيقية، حيث يقيم فريق «حفنة طمي» في مصر، عروضه الشعرية في مناطق ثقافية عدة داخل مصر، وتحرص الفرقة على إلقاء شعر الفطاحل، والذين ابتعدوا عنا بأجسادهم، ولكن شعرهم الذي لا يزال موجوداً شرع يطاله النسيان، فقرر الفريق الذي يشترك فيه شعراء شباب، مثل: أيمن مسعود وسماح ناجح وأحمد عبد الجواد، أن يدمج بين الشعر والموسيقى، لتختلط الموسيقى والأدب على المسرح، من الغيتار والعود والمزمار وغناء منفرد، مع مقطوعات الشعر المتنوعة، والتي استطاع أعضاء الفريق من خلالها أن يجذبوا عشرات المتفرجين، والذين عادوا للاستماع إلى الشعر، بعد أن استطاع الفريق مزجه بالغناء والموسيقى، لتظل الفرقة، منذ وجودها قبل أربع سنوات في الساحة، تمتلك جمهورها الخاص، والذي لا يتخلف عن متابعة أعمالها.
