لا تزال مكتبة لينرت ولاندروك، المصنفة كنزا من كنوز مصر، تحتفظ بديكوراتها القديمة الخشبية الجميلة، منذ تأسيسها سنة 1924، وهي تعد أقدم مكتبة موجودة أسسها أجانب في مصر. وفيها كتب كثيرة تحكي تاريخ مصر.. إضافة إلى مجموعة كبيرة جدا من الصور، بالأبيض والأسود والملونة.. والبطاقات (الكروت)، التي تصور فن العمارة وغيره من الفنون في البلاد. وهي في العموم، تحكي تمازج الحضارات على ارض مصر.

الموقع

تقع المكتبة وسط القاهرة في شارع شريف. ذلك الشارع الرئيس الممتد الذي يتركز أوله في مبنى وزارة الأوقاف المصرية، ويوجد به أيضا مبنى البنك الأهلي المصري والبنك المركزي وأحد فروع مكتبة دار المعارف والهيئة المصرية العامة للكتاب، وعمارة الإيموبيليا‮ ‬المشيدة على الطراز الفرنسي،‮ ‬والتي تمثل نقطة التقاء شارعي شريف وقصر النيل،‮ ‬والتي تبلغ‮ ‬مساحتها‮ ‬5‮ ‬آلاف و444‮‬ مترا مربعاً،‮ ‬ويصل عدد الشقق بها إلى‮ ‬370‮ ‬شقة موزعة على طوابقها الـ‮ ‬13‭‬‮‬. كما أنها تجمع بين الشقق السكني،‮ ‬والشركات ذات الطابع التجاري،‮ ‬وأشهر من سكن فيها الفنانون: محمود المليجي،‮ ‬نجيب الريحاني،‮ ‬أنور وجدي،‮ ‬ماجدة الصباحي.

في ذلك الشارع العتيق وبالتحديد قرب نهايته في رقم 44، تقع مكتبة لينرت ولاندروك التي تركها الصديقان، وتحمل اسميهما، لينرت ولاندروك، وهي قطعة من تاريخ تمازج الحضارات والأجناس. وهي تحوي مجموعة لا حصر لها من الصور، من مصر وتونس.. وتسجل التاريخ كما لو كان وصفا جديدا لمصر. وكذا فإنها عابقة بملامح التراث الذي حافظ عليه إدوارد لامبليه، حفيد أحد الصديقين، بمحض الصدفة التي جعلته يدرس ويعمل في مجال الهندسة الكيميائية، لتنتهي به الحال في مصر أيضاً كمهندس للبترول وراع لتراث جده.

عصر مضى

لينرت ولاندروك‮.. مكتبة من طراز قديم لا يتعرف إليها المارة العاديون‮. ‬المثقفون فقط يعرفونها جيداً،‮ ‬إلى جانب بعض الأجانب ممن يرتادون مصر للسياحة أو للعمل الدبلوماسي،‮ ‬فهي من بقايا عصر مضى،‮ ‬ومرت عليها إلى الآن ما يقرب من مئة عام،‮ ‬وتبقى صامدة بواجهتها الزجاجية وأرففها المنسقة بعناية‮. ‬تطل من خزاناتها كروت‮ (‬البوستال‮) ‬والصور الفوتوغرافية القديمة‮ - ‬عن وسط البلد ‮- ‬الملصقة على ورق الكرتون المقوي،‮ ‬وعشرات من الكتالوغات والكتب باللغات الأجنبية على اختلافها‮. ‬

ربما لا تفارق عيناك مدخلها ولافتتها العتيقة وهي تحمل اسمي‮ لينرت ولاندروك،‮ ‬إلا أن الغاليري الذي يتوسط ساحة المكتبة يجذبك بسحر‮ ‬غريب.

المؤسسان

كان الصديقان لينرت ولاندروك قد جمعتهما الصداقة التي أتت عبر صدفة قدرية حتمية في سويسرا عام 1903، فأصبحا متلازمين كأصدقاء وكشركاء.

وعرض لينرت على لاندروك فكرة العودة إلى الشرق، خاصة تونس، حيث كانا ارتحلا اليها عام 1903. ووافقه لاندروك مبدياً كل ترحاب في دعم وتمويل هذه الرحلة متحملاً كل التكاليف على أن يتقاسما الأرباح التي ستتحقق من بيع هذه الصور والتي لم يعلما وقتها أن التاريخ سيخلدها أو بالعكس، أي انها هي التي ستخلدهما (الصور).

وكان عام 1904 هو عام الذروة وسنة الصفر التي يؤرخ بها لوجودهما الحقيقي، ليمر على مشروعهما الآن مئة وإحدى عشرة من السنوات. وهو العام نفسه الذي قصدا فيه تونس، تحديداً الرمال الصفراء والصحاري وألوان قوس قزح ساعة الغروب، وأقاما فترة طويلة يلتقط خلالها لينرت بعدسته كل ما تقع عليه عيناه وينتقل بعشقه وعدسته وصاحبه لاندروك، من الصحراء إلى السهول والوديان. ثم إلى المدينة نفسها. ولم يترك خلالها لينرت فرصة إلا وانتهزها، فصور الطبيعة في كل مفاتنها وتغيراتها والمدينة وشوارعها وحاراتها وأزقتها، وكل ما تحويه وتضمه من مساجد وتكايا ومدارس. واختار لينرت ولاندروك ان يستأجرا محلاً في واحد من أهم شوارع تونس في ذلك الوقت، وهو شارع فرنسا، وتحديداً في العقار رقم 9، عند ناصية التلاقي مع شارع عنابة.

وفي عام 1914، بدأ لينرت رحلته الجديدة، مرة أخرى، إلى تونس عبر الصحراء، بقافلة من الجمال، من دون أن يضع في اعتباره أن الحرب العالمية الأولى بدأت تتشكل جنيناً، في رحم الفتنة السياسية التي اجتاحت العالم في ذلك الوقت وقد آن الأوان لتضع حملها وتكون الإجراءات التي اتخذتها القوات الفرنسية أشبه بقرار إعدام للصديقين. إذ ظنت أنهما من الألمان فأممت محلهما بتونس ونزعت ملكيته. وفي التوقيت ذاته كان لاندروك معتقلاً في سويسرا لوجود اتفاقية بين فرنسا وألمانيا تشترط أن يكون مقر اعتقال المدنيين في سويسرا.

اعتقل لاندروك في بداية الأمر في الجزائر، حيث أراد اللحاق بصديقه وشريكه لينرت والاطمئنان على محلهما الجديد في تونس العاصمة، وبعد الجزائر رحل إلى جزيرة كورسيكا. ولكن تقرر في نهاية المطاف، ونتيجة جهود حثيثة بذلها لاندروك، إكمال مدة اعتقاله في دافوس في سويسرا.

وفي عام 1919 كانت بوهيميا مقاطعة نمساوية في بداية الحرب، وأصبحت بعدها تابعة لتشيكوسلوفاكيا التي كانت ضمن الحلفاء وبالتالي صديقة لفرنسا. ولذلك كان باستطاعة لينرت استعادة أفلامه وصوره.

وفي سويسرا، يتعرف الصديقان على شريكة الحياة، حيث يتزوج لينرت من أوجيني شميت من إلزاسيا التابعة لفرنسا حالياً. ويتزوج لاندروك من إميليه لامبليه من تورجاو بسويسرا.

وفي عام 1920 يلتقي الصديقان «لينرت ولاندروك» مرة أخرى في مدينة «لايتسيك» ويؤسسان شركتهما الجديدة باسم «ناشر وفنون شرقية»، ومقرها بالعقار رقم 11 بشارع إمبليان. وكان لديهما ما يكفي لإنجاز المشروع.

في مصر

وفي عام 1924، وتحديداً في 4 أكتوبر، يشد لاندروك الرحال إلى مصر المحروسة مع زوجته وابنهما كورت لامبليه 19 عاماً. وهو من زوج سابق لها. كذلك فعلها لينرت أيضاً، الذي سافر مع زوجته وابنتهما إيليان. العائلتان وصلتا إلى الإسكندرية على ظهر الباخرة الإيطالية تيفيري وبدأتا على الفور تجارة الجملة تحت اسم شركة لينرت ولاندروك في العقار رقم ٢١ بشارع المغربي - عدلي - بالقاهرة والمعروف بعمارة بناني.

ويقترض لينرت ولاندروك نحو 2000 جنيه مصري، على أن يجري سداد القرض عام 1948. وتكشف لهما بعد ذلك، أن تجارة الجملة غير مجدية. فتوجها لتجارة التجزئة وبدآ في تأسيس محل بشارع إبراهيم باشا الجمهورية حالياً، ما بين فندقي شبرد والكونتيننتال اللذين كانا يداران بواسطة إدارة سويسرية.

الحفيد

يؤكد الحفيد لامبليه، أن لاندروك ظل في مصر هو وزوجته السويسرية الأصل.. وابنها كورت لامبليه، من زوجها السابق، ورغم الصعوبات السياسية والاقتصادية والحروب التي عصفت بمصر في ذلك الوقت، فإن لاندروك أصر على البقاء في مصر لارتباطه الوجداني بها، حيث هام بها عشقا حتى الشغف، هو وزوجته وابنهما. وأصر على بيع الصور، بالأبيض والأسود، في المكتبة، والتي كانت تلاقي إقبالا شديداً، إلى أن ظهرت الصورة الملونة التي عمل بها أيضاً. وبدأ يدخل مجال الكتب والنشر.

وظل لاندروك يعمل في مصر بلا ملل ووسع دائرة نشاطه، في ظل هذه التركة الهائلة من الصور التي تركها له صديقه وشريكه الراحل لينرت، إلى أن توفي في 30 أبريل عام 1966 في كرويتسلنجن بسويسرا. فآلت ملكية الشركة إلى كورت لامبليه ابن زوجته، ثم إلى ابنه د. إدوار لامبليه عام 1977.