يوصف الأدباء الساخرون في مصر بأنهم من أوائل من تنبؤوا بثورة 25 يناير، من خلال أعمالهم التي رصدت تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين وانعكست على عناوين كتبهم، ومنها: «مصر دي مش أمي دي مرات أبويا» و«أيامنا الحلوة وأيامنا الكوبيا» و«كتاب مسيل للدموع» و«بلد متعلم عليها» و«مصر بتلعب» و«شكلها باظت» و«طلعِت روحي» و«يوميات عيِّل مصري»..

ومن ثم اكتسبت أرضية عريضة حينها، ما لبثت أن تذبذبت مع استحواذ مواقع التواصل الاجتماعي على اهتمام جموع المصريين. إذ بدأت التقييمات والآراء، المتجسد جزء كبير منها عبر التعليقات و(اللايكات):

الإعجابات، التي يضعها القارئ والمتابع في خانة الإعجاب المرفقة أسفل كل موضوع ضمن مواقع النشر الإلكتروني والتواصل الاجتماعي، تربك وتحير الأدباء المتبنين للنهج الإبداعي الأدبي الساخر في مصر، وتزيد من تشتتهم فتعمق ربكتهم إزاء الأحداث، وتجعلهم يظهرون عاجزين لا حيلة لهم أمام إمكانات هذه النوافذ الرقمية الإعلامية والأدبية التي لونت العصر وسيطرت على منافذه.

صعوبات

واللافت، كما يبين عدد من المبدعين، أنه ومع الإقبال المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً «فيسبوك»، في أعقاب ثورة 25 يناير، أصبح الأدب الساخر في مأزق بسبب خانة «لايك» «Like»، وبرز عاجزاً أمام القدرة الإبداعية للشباب..

والتي تفجرت من خلال تلك المواقع. وهو فعلياً ما يدفع أديباً من هذه المدرسة، كأشرف توفيق، لتأكيد أن هذه المواقع بما تتضمنه من إمكانات ومجالات للتقييم والتصنيف من قبل شتى القراء، سحبت البساط من تحت الأدب الساخر، لتصبح المهمة أكثر صعوبة أمام كتاب هذا النوع الأدبي الذي وصلت مبيعاته قبيل الثورة المصرية إلى أرقام قياسية، لتنعكس الصورة بعدها لتصبح في صالح مواقع التواصل الاجتماعي.

فارق

إلا أن الكاتب الساخر خالد أبوعليو يوضح أنه غير قلق بسبب زيادة التفاعل مع الفيسبوك، مؤكداً أن هناك فارقاً بين الكتابة الكوميدية التي تهدف إلى الضحك من أجل الضحك فقط، وهي تلك المنتشرة على الفيسبوك، وبين الأدب الساخر الذي يقدم رسالة ويرسم على الشفاه بسمة.

ويشير صاحب كتاب «البنطلون لأ» إلى أن هناك صعوبات أضحت بالفعل تواجه هذا النوع الأدبي، حيث تحولت الجمل التي تكتب على الفيسبوك، والتي لا تلتزم بضوابط اللغة أو الجودة، إلى كتب، وذلك لا لشيء معياري مضموني أو فني عام، بل لكونها حققت لصاحبها عدداً من الإعجابات، الأمر الذي جعل معايير ذلك الفن تختلط ببعضها بعضاً، مؤكداً في الوقت ذاته أن ذلك المجال ليس بحاجة إلى تأكيد بقدر حاجته إلى فلترة وحركة نقدية واسعة، وموضحاً أن الفيسبوك ارتفع بمستوى القارئ لينافس الكاتب الساخر.

تراجع

وفي هذا السياق، يوضح الكاتب أشرف توفيق، أن الأدب الساخر لم تعد له القوة كما في السابق، نظراً لتعاظم دور وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أوجد العديد من التحديات أمام الأدب الساخر، لصعوبة مجاراة الواقع، كما يفعل النشطاء على مواقع التواصل، منتقداً في الوقت عينه، الكتابات التي أصبحت تعتمد على الألفاظ الجنسية.

وأشار إلى أن كثيرين يؤمنون بضرورة تمرد الأدب الساخر على العرف المجتمعي، وهذا خلاف الحقيقة، إذ إن الأدب الساخر هو في المقام الأول فن أخلاقي يجب أن يرتبط بالمجتمع ويقدم فكرته والموضوعات التي يتناولها بأسلوب ساخر، من دون الوقوع في تصنيفات أيديولوجية، معتبراً أن ذلك هو مقياس الكاتب المتميز عن غيره.

عقبات

الكاتب شريف أسعد لا يرى أن مواقع التواصل الاجتماعي أثرت سلباً، مشيراً إلى أن الأدب الساخر يواجه صعوبات أخرى، منها اتساع الساحة وكثرة المعروض، ولهذا لا تظهر إلا الأعمال المميزة بالفعل، وفي الوقت ذاته، أصبحت على قدر العقبات أضعافاً مضاعفة من الفرص المتاحة، نتيجة وجود مواقع التواصل الاجتماعي ودور النشر الشبابية التي لا تتأخر في احتضان وعرض المواهب الحقيقية.

وأشار صاحب كتاب «اعترافات جامدة» أن الفيسبوك كان سبباً مباشراً في إعادة إحياء الأدب الساخر وإفراز المواهب التي تستحق المتابعة، ذاك حتى وإن كان التوضيح ضرورياً في الفصل بين مفهوم الأدب الساخر والنكت البسيطة، فالأدب الساخر يتطلب قوة تعبير وقدرة على إظهار مضمون ما وصياغته بشكل ساخر، لا يخل بالأدب العام أو يصل إلى مرحلة الإسفاف، ما يجعل الأدب الساخر على قمة الأساليب الأكثر صعوبة في معالجة القضايا المختلفة.

معالجات سطحية

يلفت متخصصون إلى أن مصر أنجبت أدباء مبرزين في مجال الادب الساخر. ولكنهم يؤكدون أن الحال تبدلت بعد سطو المواقع الالكترونية بكتابها وقرائها ومضامينها. إذ بات هذا الادب يشوه. ويرى هؤلاء أن «الكوميكس» و«الاستيتس» التي انتشرت لا تندرج تحت الأدب الساخر، كونها سطحية المعالجة.

الشعر في دائرة الهجوم.. والقصيدة غدت تغتال رقمياً

يؤكد عدد من الأدباء أن مواقع التواصل الاجتماعي، ومنافذ الإعلام الرقمي، باتت تلعب دوراً تأثيرياً كبيراً، على صعيد مختلف صنوف الإبداع. فلم يعد الأمر مقصوراً على الرواية والمقال، بل تخطاه إلى مجالات الشعر ورحاب عوالم القصيدة التي يرى البعض أنها غدت تغتال (رقمياً).

ففي هذا الحقل غدا القارئ يشرع لنفسه الحق في التقييم والرد والكتابة والنقاش بموضوعات الشعر وإبداء آراء نقدية، حتى ولو كان بلا خبرة. خصوصاً بالنسبة لتلك التي من خامة الأدب الساخر: قصائد وأشعار ساخرة. ونتبين أنه يفترق فيها النقاد إلى مذهبين: مذهب اتخذ من السخرية أسلوباً في أشعاره..

وكتب في هذا النوع الشاعران أحمد مطر ونزار قباني. أما المذهب الثاني، فهو من مثله وخاض في ساحه شعراء استخدموا السخرية داخل أعمالهم، من دون أن تطغى على شاعريتهم، من أمثال: صلاح عبدالصبور وأمل دنقل وعبدالوهاب البياتي. كما برع عدد من الكتاب في الأدب الساخر، مثل: محمود السعدني الذي كتب عديداً من الأعمال في ذلك النوع الأدبي، وأشهرها:

«حمار من الشرق»، «رحلات ابن عطوطة»، «الظرفاء»، «المضحكون»، «مذكرات الولد الشقي» التي كتبها عن حياته. وكذلك هنالك الكاتب الساخر جلال عامر الذي لم يكتب إلا السخرية طوال عمره، وصدر له عديد من الأعمال مثل «قصر الكلام»، «مصر على كف عفريت»، «استقالة رئيس عربي»، «الأنثى في مناورة».

مخضرمون ونقاد: ظاهرة خطرة تحتاج وقفة رادعة

يرجح نقاد كثيرون أن تكون مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية الأدبية، وفرت وهيأت الفرص النوعية للأدباء الذين تسد في وجوههم منافذ النشر والقدرة على الوصول إلى القراء، لكن هؤلاء يشددون في الوقت نفسه، على أنها أفرزت أوجه خلل متباين، يقوده ويوجده الأدباء الشباب بشكل جلي، جوهره الأساس، أن جميع من غدا يدخل إلى هذا المجال الإبداعي الأدبي (المرقمن)، من قراء وأدباء مبتدئين، أصبح يجد نفسه مبدعاً مجرباً صاحب باع طويلة في ساح الأدب والفكر والنقد والتحليل.

 وبناء عليه، نجد أصواتاً أدبية مخضرمة كثيرة، شرعت تطلق صرخات تحذير وتنادي بضرورة أن تسن قوانين وتتبنى معايير عمل ملزمة وبصيغ رسمية، تمنع التجاوزات في هذا الصدد. لأن هذه الأمور، برأي أصحاب تلك الدعوات، لها مفاعيل وإفرازات سلبية تشويهية على الأدب، ويمكن أن تقود في النهاية، إلى هاوية تدني المستوى الإبداعي.