«المكتبة هي الذاكرة الوحيدة المؤكدة والمستمرة للفكر الإنساني». هكذا يعرف الفيلسوف شوبنهاور المكتبة. ويبدو أن مكتبة ومتحف جامعة موساشينو للفن في كوديرا غرب طوكيو، تمثل نموذجاً رفيعاً في الصدد. ذاك خاصة وأنها تشتمل على أساسيات مواصفات المكتبات. إذ توفر الهدوء والسكينة، وتمتلك التصميم المريح للنفس مع آلية تساعد الزائر للحصول على كتابه المطلوب في وقت قصير.

تعد مكتبة ومتحف جامعة موساشينو للفن، أكثر من تحفة فنية قائمة بحد ذاتها، ويعدها كثيرون بوابة ذهبية تفضي إلى عوالم معرفة فريدة.. وهي من أجمل مكتبات العالم على صعيد العمارة وجماليات المكان والمضمون. وهذا الوصف لا يفي المكتبة حقها، فالوصول إليها يعني السير في شارع مرصوف بأشجار الكرز..

حيث تعكس جدران المكتبة الزجاجية الخارجية مشهداً متداخلاً بين أبراج من أرفف الكتب وممرات متقاطعة تشبه تلك التي تسير عليها عارضات الأزياء وبين الطبيعة الخارجية المحيطة بالمكتبة، ولا يعيد قاصدها إلى الواقع الفاصل ما بين الداخل والخارج، سوى تلك المسامير الدائرية المثبتة لألواح الزجاج. وبقدر ما يخلق هذا الحد الفاصل من غرابة في نفس قاصدها بقدر ما تحمل هذه الغرابة من إحساس بجمالية المكان.

دوامة الكتب

ويطالع الزائر قبل دخوله المكتبة، الأعمدة الخارجية المصممة كما الأرفف الخشبية الداخلية للمكتبة، والمغلغة بالزجاج لتخلق تناغماً بصرياً بين المشهد الخارجي والداخلي، أما الأرفف الداخلية التي لا حصر لها فتصل إلى أعلى السقف، لتشكل جدراناً كدوامة تنطلق من المركز.

ويبلغ طول الوحدة الأساسية لأرفف الكتب هذه 900 مم بارتفاع 310 مم و230 مم عمقاً، مع خلو هذه الأرفف من الكتب عند حد من الارتفاع، ما يعزز من مشهد حضور الكتب، خاصة وأن المصمم اختار لوناً فاتحاً للخشب المطلي بما يقيه من عوامل الغبار. وتتناغم تلك الأرفف مع النور الخارجي لتكسر من نمطية المشهد تلك الأروقة المختلفة التي تدفع الزائر إلى ما يشبه النزهة.

نزهة المكتبة

ويقول سو فوجيموتو مصمم بناء المكتبة، إنه أخذ في الحسبان لدى تصميمه المبنى محوران اعتبرهما أساسيان لأي مكتبة، أسلوب البحث عن الكتب وحب السير في المكتبة والاكتشاف.

ولم يستند في تصميمه على حسابات المساحة بالأرقام بقدر ابتكار مساحات من الكتب تفصل بينها فراغات تطل على مركزية المكتبة بالطابق السفلي، ليشعر الزائر بأن جزءاً من وحدة متكاملة بمنظورها البصري والمعنوي. أما طريقة فهرسة الكتب حسب مواضيعها فهو بمثابة مغامرة بالنسبة للزائر أو رحلة يسافر عبرها بين مجــــموعة من الجزر. وأضخم تلك الجزر هي الجزيرة السابعة المعنية بالفنون.

والطريف، الذي يعكس البعد النفسي والروحي للمكتبة ما قاله فوجيموتو خلال محاضرة ألقاها أمام خريجي مدرسة هارفارد للتصميم في بداية عام 2011 حول عمله: «إن أحببتم الكتب، فهذا المكان بمثابة فردوس. وإن كرهتم الكتب فإنه بمثابة الجحيم بالنسبة لكم».

وأشار خلال محاضرته إلى تأثر تصميمه برواية «مكتبة بابل» للأديب اللاتيني جورج لويس بورغس، والتي وصف فيها بورغس أجواء المكتبة ذات الطبقات المتعددة والممرات والسرية والمساحات المفتوحة والمنغلقة في الوقت نفسه. وقال انه استمد مفهوم الدوامة من بقية أعمال بورغس التي تحمل «إحساساً بالدوران في زمن أو فضاء بلا نهاية».

واعتمد تاكو ساتو طريقة ذكية ومبتكرة في تصميم فهرسة الكتب تساعد الزائر على رؤية شاملة لمحتويات المكتبة، حيث استخدم في التصميم تباين الأرقام الكبيرة ذات اللون الأبيض بطريقة درامية في التصنيف، بهدف كسر رتابة المشهد لصفوف متتابعة من أرفف الكتب.

عوالم وأجواء

وتبدو المكتبة التي استغرق بناؤها ثلاث سنوات بمنظورها العام، كصومعة للحكمة. وهو ما يتجلى في الغرف الواسعة المخصصة للقراءة والمحاطة بحلقات من جدران الكتب الممتدة الأرض وحتى الأسقف، والشبيهة بأسلوب غرفة القراءة في المتحف البريطاني بلندن، حيث يستغرق القارئ في عالم كتابه في عزلة عن العالم الخارجي.

وتمنح مساحات غرف القراءة هذه الزائر إحساساً بالهدوء والأمان، يساعده على نسيان نفسه في عالم الكتب. وليشعر الزائر أنه داخل مكان يمده بالسكينة، ذلك بإيحاء من القبب الدائرية لأسقف المكتبة..

كما في غرفة قراءة «المتحف البريطاني». وبعكس تلك الغرف الدائرية المغلقة على نفسها، تنفتح ممرات المكتبة ذات الشكل الحلزوني على مشهد العالم الخارجي من خلال الجدران الزجاجية، مما يشجع الزائر على متابعة جولته بحرية وهو منشرح البال. كما يساعد خلو الأرفف العليا من الكتب على تحرر الزائر من الشعور بازدحام أو ضغط المكان والرغبة في الخروج.

فلسفة الأرفف

ليس هناك من تخوف من ازدحام الأرفف الخالية بالكتب، كما يقول مصمم البناء فوجيموتو، فعلى الأغلب يمكن استغلالها لعرض أعمال فنية بين الحين والآخر، ويرى أن بقاءها كمساحة فارغة يعني مساحة لا مدى لها من المعلومات عبر الكتب، ورسالة ضمنية رمزية لاحتواء احتمالات المستقبل.

وتتجلى قصدية هذه الفكرة عبر المخازن المخصصة للكتب المرصوفة فيها في سراديب المبنى. وتشي مفردات الجمال في تصميم هذه المكتبة اللولبية، بأنها مفتوحة على المساحة والزمن والمستقبل أيضاً.

أدغال الكتب

ويربط المصممون اليابانيون فن تصميم العمارة بفلسفة الحياة وعلومها، كاستلهام تصميم المكتبة من مقولة عالم التشريح الراحل شيجيو ميكي، الذي أكد أكثر من مرة في محاضراته أن «الدوامة هي جذر الكون»، وتمثل في رأيه، بنية الكائنات الحية ومراحل تحولاتها. وبهذه المقاربة تكاد المكتبة اللولبية تحتض شكل الحياة. ويرى فوجيموتو أن تصميمه لهذه المكتبة بمثابة «أدغال للكتب».

ويقول، إن جميع ما فيها من الكتب والكراسي والأساس والمداخل والمخارج وشبكة الإنترنت والأرشيف الرقمي لكتب نادرة مع مستخدميهم من الزوار، عناصر عضوية من كينونة الأدغال.

كما يحمل التصميم مفهوماً آخر يتمثل في المكان الذي لا هو بالداخل ولا بالخارج، والذي يمكن للزائر تلمسه قبل دخوله المكتبة وبعد وجوده فيها، لتبقى البوابة الرئيسية المكان الواحد الفاصل بن الحدين. وفي مكان كهذا تبدو المعلومات وكأنها تطفو في فضاء المكان بحرية.

خارج المكتبة

تعتمد الكسوة الخارجية لجدران المكتبة على الواجهات الزجاجية، بسماكة 19 مم، والمغلفة بطبقة فيلم يمنح لون جذع شجر الأرز المشوب بالحمرة، ويمكن الوصول من الشارع إلى المكتبة عبر العديد من الفتحات التي تربط بين المكتبة والمحيط الخارجي، بما فيها أشجار الكرز المنعكسة على زجاج الجدران.

شهرة المصمم

حقق تصميم هذه المكتبة نقلة نوعية في حياة المصمم المعماري سو فوجيموتو «1971»، ليصبح مشهوراً على مستوى العالم بين ليلة وضحاها خارج اليابان، وليزيد الإقبال على وحدات أرفف الكتب التي صممها من جهة، وعلى كتابة المقالات المتخصصة والنقدية عن إبداعه في تصميم هذه المكتبة وجرأته في الابتكار، وهو الذي لا يتجاوز رصيد خبرته تصميم خمسة بيوت سكنية صغير.

وسبق أن كلف فوجيموتو عام 2013 بتصميم جناح سيربنتين بحديقة كينسيغتون في لندن، الذي اعتبر آنذاك، أصغر مصمم يجري تكليفه. ووصفه الناقد المتخصص بالعمارة، إدوين هيثكوت، بأنه «أفضل تصميم للجناح منذ انطلاقته وحتى اليوم».

وتتجلى في ذاك التصميم، آلية ابتكار فوجيموتو، الذي بدا جناحه كسحابة من الأعمدة المتداخلة والمتراكبة، مشكلة دوائر و(تيراسات) من الأنابيب البيضاء، وألواح البوليكاربونيت الشفافة، العاكسة للشمس والواقية من المطر.

غرف قراءة وخدمات معرفية سمتها السرعة والانسيابية

تضم مكتبة ومتحف جامعة موساشينو للفن، ما مجموعه 200 ألف وحدة، 100 ألف منها أرشيف مفتوح. في حين يبقى النصف الثاني مغلقاً بين دورين بمساحة أرضية تبلغ 6.500 متر مربع. ويبلغ عدد الكتب فيها ما يقارب من 280 ألف كتاب، تعنى بالفن والتصميم، وما يقارب من خمسة آلاف عنوان لدوريات ومطبوعات أكاديمية ومهنية متخصصة، لتعتبر هذه المكتبة من أضخم المكتبات في اليابان.

وصممت المكتبة ليقضي الطلبة والزوار أطول وقت ممكن فيها، ويمكن من خلال أنظمتها الوصول إلى أقصى بعد من المعلومات، بحرية وسهولة، وفي أي وقت كان، ذاك إلى جانب غرف القراءة والمحاضرات والمنتديات.

1929

تأسست جامعة موساشينو للفن في طوكيو عام 1929، كمدرسة فنون خاصة ليتم اعتمادها رسمياً كجامعة عام 1962. وتعد هذه الجامعة اليوم، من أبرز الأكاديميات المعنية بالفن في اليابان، وتضم أكثر من 4.500 طالب، وثلاثة آلاف طالب بالمراسلة. أي بمجموع قدره 7 آلاف و500 طالب.