ظلت القصة القصيرة، ولعقود طويلة، تستحوذ على اهتمام الشريحة الأكبر من قراء الأدب في مصر والعالم العربي، وبرع العديد من كتاب القصة في هذا الفن، فكان من أشهر فرسانها: يوسف إدريس، يحيى حقي، إحسان عبدالقدوس.
لكن، مع ثورة القنوات الفضائية التي أعلت من مكانة »الرواية« على مختلف الأجناس الأدبية الأخرى، بات يخشى عديد المبدعين من تراجع مكانة القصة القصيرة أمام هيمنة الرواية. (بيان الكتب) يناقش هذه المسألة الأدبية عارضاً لأوجهها وجوانبها، من خلال لقاءات متنوعة مع مجموعة كتاب ومتخصصين، في هذين الحقلين الإبداعيين.
بداية، يرى الكاتب جمال الغيطاني أنه ورغم اختلاف الأدباء حول كون فن المقامات هو البداية الحقيقية لفن القصة القصيرة العربية، لكن من المؤكد أن هذا الفن استطاع تأصيل جذوره في مصر من خلال عدد من الكتاب البارزين في هذا المجال، على رأسهم: يوسف إدريس، يحيى حقي، إحسان عبدالقدوس. والذين تلتهم مجموعة مهمة من الكتاب أبرزهم: محمد البساطي وإبراهيم أصلان وأحمد الشيخ ومحمد مستجاب وإدوارد الخراط وبهاء طاهر وسعيد الكفراوي ومحمد المخزنجي وفؤاد قنديل.
احتضار
ويؤكد الغيطاني أن القصة والشعر في الوقت الحالي، يلفظان أنفاسهما أمام الرواية، وأن الرواية وحدها تستأثر حالياً بالاهتمام الأكبر، ذلك في مقابل ابتعاد وتهميش فن القصة، ورغم ذلك يلفت الغيطاني إلى شغفه بذلك النوع الأدبي، موضحاً أنه الطريق الإبداعي المفضل لديه، فحتى لو عاد به الزمن لاختار الكتابة فيه نظراً لقربه من شخصيته وأسلوب حياته.
تعطش
أما القاص سعيد الكفراوي فيبين أن جودة العمل الأدبي هي التي تفرض نفسها على العمل، رافضاً الاتفاق تماماً مع القائلين إننا نعيش في زمن الرواية أو غيرها. ويوضح أنه، وحتى الوقت الحالي، لا يزال كثيرٌ من القراء يقتنون ويشترون أعمال الكتاب الذين برزت أعمالهم في فن القصة القصيرة، مثل يوسف إدريس أو كافكا وأنطون تشيخوف وغيرهم. وهو ما يثبت، برأيه، حقيقة أن الجمهور متعطش لقراءة هذا النوع الأدبي.
كما يبين أنه لم يبرح هذا الفن القصصي الذي يعتبره من أصعب أنواع الأدب على الإطلاق، حيث إنه يحتاج إلى رؤية عميقة وقلم يعرف باطن الأمور.
أزمة نشر
في الاتجاه ذاته، أوضح الكاتب الطاهر الشرقاوي، أننا لا نعيش زمن الرواية أو غيرها، بل نعيش في زمن الجيد والأفضل، لذا فالأزمة وراء القصة القصيرة تتمثل في عوامل خارجية، وهي: صعوبة النشر، تفضيل أصحاب دور النشر للكتب ذات الجذب الجماهيري، أو تناقص قراء القصة القصيرة لحساب الكتابة الساخرة والرواية وكتب المدونات.. أو تجاهل النقد الأكاديمي للقصة المعاصرة والانكفاء على أجيال سابقة، ذلك بحجة أن هؤلاء كتاب مشهورون.
واستكمل الشرقاوي، موضحاً أن العوامل الداخلية نابعة من النص ذاته، حيث وقع عديد من مؤلفي القصص في فخ الكتابة العادية، مخافة الذهاب إلى أرضٍ جديدة في قصتهم، أو تجريب تقنيات جديدة، إلى جانب محاولة الاستفادة مما يحدث في العالم من ثورات ونقلات فنية كبرى، وهو الأمر الذي تلافته الروايات.
الجوائز هي السبب
وتلفت الكاتبة الشابة نهلة كرم إلى أن القصة متراجعة أمام الرواية، وذلك بسبب أن الجوائز التي تقدم على الساحة، خاصة بالرواية فقط، والتي تعد أهمها جائزة البوكر، الأمر الذي دفع عديداً من الأشخاص الذين لم يكن لهم باع إلى البحث عن الكتابة الروائية من أجل حيازة المكانة وحصد الجوائز.
تمايز
وأوضحت كاتبة مجموعة »أن تكون معلقًا في الهواء« أن القارئ بطبيعته ونفسيته يميل إلى الرواية، رغم أننا في عصر السرعة، كما يطلقون عليه. ومن المفترض أن تناسب القصة القصيرة متطلبات العصر، لكن عدداً من الأشخاص يميلون إلى قراءة قصة والتعايش مع أبطالها أو التماهي معهم، وهو الشيء الذي لا تتيحه المجموعة القصصية، والتي يمكن أن ينهيها القارئ داخل وسائل المواصلات.
وتشدد نهلة على ضرورة ألا يتجه جيل الشباب في الإسهام بهذا التراجع، مؤكدة أن الموهوبين في كتابة القصة يجب أن ينصتوا إلى قلمهم، وقصتهم التي تفرض نفسها عليهم، ولا يتركوها لصالح نص روائي من أجل شهرة أو مال. كما تؤكد أن القصة القصيرة تعتبر من أصعب الفنون، على عكس ما يتوقع الناس؛ نظرًا لحاجتها إلى التكثيف.
القصة بخير
يجد الناقد الأدبي ربيع مفتاح أن القصة القصيرة من أكثر الأجناس الأدبية انتشاراً وتأثيراً، ورغم تصدر الرواية المشهد الثقافي في الفترة الأخيرة، إلا أن القصة القصيرة عادت بقوة، في رأيه، خاصة بعد حصول الكاتبة العالمية آليس مونرو -وهي تكتب القصة القصيرة-، على جائزة نوبل في الأدب في أكتوبر 2013..
حيث اعتبرت لجنة منح الجائزة أن القصص القصيرة التي تؤلفها الكاتبة من بين الأفضل في العالم حالياً، وكانت حيثية حصولها على الجائزة هي تفردها في كتابة هذا اللون الأدبي. ويضيف الناقد مفتاح: لا أرى أي أزمة تتعلق بالقصة القصيرة في الوقت الحاضر..
فمن حيث عدد كُتَّابِها هم في ازدياد مستمر، ومن حيث جودة التقنيات والبناء الفني والمضامين المعرفية فهي أيضاً في ازدهار، كما أن المنشور منها في الجرائد والمجلات والدوريات الثقافية وصل إلى درجة كبيرة جداً من الحرفية، كما أن الحركة النقدية تحاول مواكبة الإبداع القصصي في كل أشكاله في القاهرة والأقاليم. وتابع: إن كتاب القصة يحصلون على نصيب وافر من كعكة المسابقات الأدبية. كما أنها تالية للرواية في تصدر المشهد الإبداعي الأدبي. كذلك فإن معظم الروائيين بدأوا بكتابة القصة القصيرة.
تجديد وتفرد
تؤكد دراسات متخصصة، أن الرواية استطاعت الاستفادة من الفنون المتنوعة، مثل السينما والموسيقى وغيرهما على مستوى الشكل والمضمون، أما القصة فعلى خلاف النقلات النوعية التي حققها جيل الرواد بداية من يوسف إدريس، فإنها خلال الثلاثين عاماً الماضية لم تحقق أي تجديد يذكر، إذ إن تفرُّدَ الكتابات ينبع من محاولة التمرد على القوالب الأكاديمية، لا تحقيقها كاملة.
نادي القصة.. ثمرة تعاون طه حسين ويوسف السباعي
نشأ نادي القصة، في مصر، على يد يوسف السباعي، الذي عرض الفكرة على طه حسين فشاركه فيها، وقد ضم الاجتماع الأول للنادي مساء يوم 25 مارس 1953 طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمد فريد أبو حديد وإحسان عبد القدوس ومحمد عبدالحليم عبد الله وأمين يوسف غراب وعلي أحمد باكثير وصلاح ذهني ويوسف السباعي، ولم يحضر الاجتماع: محمود تيمور ونجيب محفوظ وعبدالحميد جودة السحار، بسبب سفرهم.
وفيما بعد، انضم إلى النادي عديدٌ من الكتاب، مثل: عائشة عبدالرحمن، عبدالرحمن الشرقاوي، يحيى حقي، جاذبية صدقي، يوسف إدريس، سليمان فياض، مصطفى محمود، ومحمود السعدني. وكان الغرض من النادي العمل على نشر القصة المصرية على أوسع نطاق، سواء ما سبق نشره منها في حدود ضيقة، أو ما لم ينشر منها بعد.
ونشر النادي عديداً من الأعمال البارزة، مثل: »إبراهيم« لعبدالقادر المازني، »خان الخليلي« لنجيب محفوظ، »الستار« ليوسف السباعي. إلى جانب ما كتبه عبد الرحمن الشرقاوي، وتوفيق الحكيم. ورغم تلك البداية الكبيرة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت خفوت صوت نادي القصة.
قوالب أدبية تمزج التاريخ والواقع
يحيل كتاب ونقاد عديدون، سبب تراجع مكانة القصة القصيرة في المشهد الابداعي العربي، إلى جملة عوامل، يتقدمها قدرة الرواية على استيعاب الأحداث والوقائع اليومية. بجانب إمكانية استيعابها لجملة قضايا وسرديات تاريخية، ذلك من دون أن تغفل الاهتمام بالواقع الحالي. إذ استطاع الروائيون، خاصة الشباب، رصد قضايا ومعايشات مجايليهم، في قالب سردي شائق، يوظف التاريخ والحكايا والمتعة السردية.


