ترتبط مطبعة بولاق في مصر، بحكايا وقصص شائقة، توثق وتؤرخ لبدايات النهضة في المحروسة. إذ ظلت الكتابة فيها تعتمد على النسخ اليدوي حتى نهاية القرن الثامن عشر، فلم يعرف وادي النيل المطابع إلا عند قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر، مصطــــحبة معها مطبعتها والتي كانت أداة هامة من أدوات الاحتلال.

وفي أوائل عهد محمد علي عادت البلاد أعواما إلى نظام النسخ اليدوي لقوانين الدولة والأوامر الحكومية، وكان بطء هذا النظام التقليدي المتوارث وعدم كفايته لمقتــضيات الدولة الحديثة هما الحافز الأول لمحـــمد علي لإنشاء مطبعته. وبصورة عامة، فإن المطبعة بسجلها التاريخــي تكشف قيمـــتها ودورها.. كونها حروفاً وأحباراً عضـــدت نهضة مصر.

هكذا وفي تلك المرحلة، تنبه محمد علي إلى أهمية وجود مطبعة في مصر، ويرجع كثير من المؤرخين هذا الاهتمام إلى أسباب مختلفة، فيرى جورجي زيدان أن اهتمام محمد علي بإنشاء مطبعة يعود إلى أنه سمع أثناء إقامته في مصر عن مطبعة الحملة الفرنسية، ورأى آثارها. ولذلك أراد أن يحيي تلك الآثار بما عرف بـ(مطبعة بولاق).

ويرجع الدكتور إبراهيم عبده سبب تفكيــر محمد علي في إنشاء مطبــــعة بالقاهرة إلى اهتمامه بإنشاء الجيش المصري، وذلك لنشر القوانين والتعليمات العسكرية.. ولطبع الكتب اللازمة لتعلم أفراد الجيش. ودعم رأيه بالتوافق بين تاريخ تكوين الجيش المصري وتاريخ إنشاء مطبعة بولاق.

يعد مشروع المطبعة، في الواقع، جزءا من مشروع سياسي كبير، إذ إن الدولة الحديثة في حاجة لطبع القوانين واللوائح والمنشورات الإدارية، ولطبع ما يحتاجه الجيش من كتب وقوانين لتعلم أفراده. كما أنها أنشئت أيضاً بهدف خدمة التعليم والمدارس. ومن أجل هذه الأهداف، أدرك محمد علي أهمية إنشاء المطابع في مصر، فأوفد نيقولا مسابكي أفندي إلى «ميلانو» بإيطاليا حوالي العالم 1815 للتخصص في فن الطباعة..

ودرس نيقولا هذا الفن على يد الأستاذ موروزي، وتعلم وثلاثة من زملائه سبك الحروف وعمل قوالبها، ومن ثم عهد إليه الباشا، بإنشاء مطبعة «صاحب السعادة» أو المطبعة الأميرية في بولاق. وهي التي كانت أول وأهم مطبعة أنشئت في عهد محمد علي.

تاريخان

اختلف المؤرخون حول التاريخ الذي أنشئت فيه المطبعة.. وحول الجهة التي استُوردت منها، فيقول جورجي زيدان ان إنشاءها كان في العام 1821. وأما اللوحة التذكارية لإنشاء المطبعة، والموجودة على المدخل الرئيسي في أعلى الباب، فنقشت عليها ابيات من الشعر التركي تشير إلى أن تاريخ تأسيس من المطبعة كان في عام 1819، ويبدو أن بناء المبنى سبق تركيب الآلات ضمن المطبعة بعامين. ولذا فإنه لا يوجد تعارض عمليا، بين هذين التاريخين.

وعلى أية حال، فإن المطبعة لم تبدأ العمل إلا في عام 1822، واستعان الباشا خلال تلك المرحلة، بكل من عثمان نور الدين والأب أنطون رفايئل زحورا. وقد أحضر الباشا جميع ما تتطلبه هذه المطبعة من الآلات وخبراء وورق من إيطاليا. ولكنه ما لبث أن ولى وجهه شطر فرنسا.

بدايات صناعة الطباعة

وفعليا، أسس نيقولا صناعة الطباعة في مصر، وعلم أول طائفة مصرية مارست تلك المهنة، حيث نفذ أمر الباشا بتعليم عدد من شباب الأزهر اللغتين العربية والتركية، ولما أتقنوا هاتين اللغتين علمهم فن الطباعة.

وكان أول من تعلم الطباعة من المصريين:الشيخ عبد الباقي رئيس المسابك، الشيخ محمد أبو عبد الله رئيس الطباعين، الشيخ يوسف الصنفي، الشيخ محمد شحاتة رئيس الصفافين. وكان مستخدمو المطبعة يلقون رعاية جيدة من الوالي، وكانوا يُمنحون الدواب لنقلهم في ذهابهم وإيابهم من المطبعة، إلى منازلهم إذا كانت تقع في أحياء بعيدة عن المطبعة.

وكان يشرف على المطبعة كتخدا الوالي بأمر منه، وحتى إنشاء الدواوين في عام 1826، فكان ديوان الجهادية هو المتخصص بالإشراف على المطبعة وذلك حتى 1252هـ – 1837م، والى حين إنشاء ديوان المدارس الذي أصبح يشرف على مطبعة بولاق والوقائع المصرية.

واللافت هنا انه حملت المطبعة عدة أسماء، منها: في اللوحة التذكارية اسم دار الطباعة. وفي أول مطبوعات المطبعة، وهو القاموس العربي الإيطالـــــي سميت: مطبعة صاحب السعادة وذلك في القسم العربي من القاموس. أما في القسم الإيطالـــــي من القامـــوس فسميت المطبعة الأميرية، كما وردت في الوثائق الرسمية باسم مطبعة بولاق.

«ليتوغرافيا»

ُشيدت المطبعة بداية، على قطعة الأرض التي أنشئت عليها فيما بعد الترسانة الأميرية، ذلك على ضفة النيل اليمنى إلى الشمال قليلاً من الموقع الحالي للمطبعة..

وظلت في هذا المكان حتى الـ 3 من يوليو 1819 حينما ازدحم المكان بالموظفين والمواد، فنقلت إلى المكان الذي توجد فيه حاليا. وشريت الآلات ومعــدات المطبعـة خصيصا لها من أوروبا. وكانت المطبعة في حاجة إلى آلة طباعة لأشكال الخرائط، ولذا كانت الحاجة إلى شراء مطبعة حجرية.

مراحل

مرت مطبعة بولاق بأكثر من مرحلة في عهد محمد علي باشا. إذ بدأت بداية بسيطة، فلم يكن بها سوى ثلاث آلات ومجموعة واحدة من الحروف، ولم يكن يطبع بها سوى تعليمات الجيش. ولم يزد ما تطبعه عن أربعة كتب في السنة حتى عام 1832.

ثم في عام 1833، أخذ نشاط المطبعة في الازدياد، وذلك حتى 1843، بفعل لنشاط حركة الترجمة، لا سيما بعد عودة البعثة الأولى من البعثات الخارجية التي أرسلها محمد علي إلى أوروبا، وانجازها الكثير من أعمال الترجمة، كما كان كلوت بك يلزم الطلبة الذين يدرسون الطب بترجمة الكتب التي يدرسونها أولاً بأول العربية.

ونقلت المطبعة إلى مكان آخر فسيح في العام 1829، ساعد على زيادة قدرتها الانتاجية.. وكذلك ازدياد عدد آلات الطباعة إلى 8 آلات. كما أن نجاح مشروعات محمد علي المالية والإدارية، كان هو الآخر عاملا اضافيا في انتــعاش مرافق الدولة، ومنها مطبعة بولاق.

واستمرت المطبعة تؤدي دورها بنشاط بالغ، حتى أصابها الخمول منذ عام 1843م.

وذلك بعد أن ألمت بمشروعات محمد علي انتكاسة كبيرة، فخُفض عدد الجيش وأغلقت بعض المدارس وأُصيبت البلاد بحال من الركود الاقتصادي. وانعكست تلك الأوضاع المتردية على نشاط المطـــبعة.. وعنــدما تولى الخديوي عباس ألغى معظم المدارس التي أنشأها جده، فتأثرت مطبعة بولاق بهذا الركود والجمود الذي حل بالبلاد، وخفض عدد العاملين فيها ليصل إلى 103 عمال.

فترة ذهبية أفرزت حضوراً ثقافياً عالمياً لمصر في القرن 19

اشترى الخديوي إسماعيل المطبعة في 15 رمضان 1281 هـ - 12 فبراير 1865. ودفع 20 ألف جنيه لعبد الرحمن رشدي، بعد أن كانت أهديت له من قبل. واستخرجت حجتها باسم أبناء الخديوي إسماعيل. وأصبح اسمها «المطبعة السنية ببولاق». وازدهرت مطبعة بولاق في عصر الخديوي إسماعيل..

حيث اشريت محركات بخارية وماكينة (الطبوغرافيا) لطباعة الرسومات والأشكال والخرائط الجغرافية. وكان الخواجة دنغو يمتلك هذه الماكينة، وأقام لمدة شهر لتعليم المصريين فن الرسم بالأوان..

وكذلك الحروف، كما صُبت حروف المطبعة، وأعيد إليها قسم التجليد. وعين فيها أحد الرسامين. وأضيفت إلى المطبعة على عدة فترات سبعة آلات جديدة للطباعة، واسندت مهمة طبع طوابع البريد إلى المطبعة، كما عين فيها حفار إيطالي.

ومنذ ذلك الوقت تحولت المطبعة إلى مؤسسة مربحة ماليا. وعندما اشتركت مصر في معرض باريس للكتاب1867.. ومن ثم معرض فيينا 1873، كانت معروضات بولاق جزءا هاما من الجناح المصري. ونالت المعروضات شهرة عريضة. ولم يكتف الخديوي إسماعيل بذلك، بل أعلن عن الكتب المطبوعة في جريدة الوقائع، وهذا يدل على أن المطبعة كانت تتولى بيع كتبها بنفسها.

واستمرت تؤدي دورها في نشر الثقافة حتى اشتدت الأزمة المالية بالبلاد، وتأثرت المطبعة بطبيعة الحال بتلك الأزمة، وانتقلت ملكيتها إلى الدولة بموجب قرار أصدره توفيق باشا في 20-6- 1880 بعد ما يقرب من 18 عاما قضتها بعيدة عن ملكية الدولة لها.

ملحقات لبيع الكتب ومصانع ورق

ملحقات المطبعة كانت عبارة عن الكتبخانة لبيع وعرض الكتب، وورشة أو مصنع لإنتاج ورق سميت «بالكاتمدخانة». أما عن المطبوعات، فمثلت الكتب الشكل الطاغي من مطبوعات بولاق، وهي ثلاثة أنواع: الكتب الحربية التي طغت على أية كتب أخرى، الكتب المدرسية (كالكتب الأزهرية والكتب المدرسية الحديثة)، كتب الثقافة الإسلامية. وهذا فضلا عن التقاويم، حيث كانت المطبعة تطبع تقويما جيبيا شفويا.

وكانت مجلة الوقائع المصرية لها مطبعة خاصة في داخل مطبعة بولاق، بينما كان لفتوى علماء الأزهر بتحريم طباعة القرآن الكريم، أثرها في تأخير طباعة المطبعة المصحف الشريف، آنذاك.

هدية

ظل نشاط المطبعة، في عهد سعيد باشا، محدوداً وقاصراً على أشغال الحكومة، كما أن المطبعة أصبحت لا تستطيع أن تفي بالتزاماتها بطبع الكتب في المواعيد المقدرة، وكان ذلك يعرضها للخسارة. إزاء هذا التدهور وتماشيا مع أهداف سعيد باشا في إنقاذ المشروعات الكبيرة أولاً، أمر أن تُمنح إدارة المطبعة إلى أحد الملتزمين..

وبما أنه لم يتقدم أحد لتولي الإدارة، أقدم على إغلاق المطبعة، من يولــيو 1861 وإلى 19 أغسطس 1862. وفي 7 أكتوبر 1862، أهديت المطبعة إلى عبد الرحمن رشدي. فتغير اسمها من مطبعة بولاق الأميرية، إلى مطبعة عبد الرحمن رشدي ببولاق. وطور نشاطها، فطبعت (صحيح البخاري) والوثائق المصرية.