قريباً من مقاهي وسط القاهرة، معقل المثقفين، تحجز مكتبة «تنمية» مكانها الذي عرفت به وسط القراء والكتاب. فمؤسسها، الشاب خالد لطفي، آمن بفكرة هذه المكتبة قبل أن تكون، عندما بدأها بـ «نصبة صغيرة» في التجمعات الثقافية، لتتحول إلى مكتبة من أكبر مكتبات وسط القاهرة..

حيث تحمل بين جدرانها مجموعة من الكتب لا توجد إلا في سواها، لتصبح قبلة الباحثين عن الأعمال النادرة وغير المتوافرة بكثرة داخل مصر. ويصنفها بعض المعنيين على انها مكتبة النوادر والخبرات.

خبرة ومقدمات

منذ ست سنوات، جلس خالد على طاولة مخصصة للكتب داخل ساقية عبدالمنعم الصاوي، اختار كتبه المعروضة بعناية، درس السوق واحتياجاته، وعرف بالضبط كيف يضيف إلى المجال الأدبي، وهو الأمر نفسه الذي فعله داخل المؤتمرات والندوات الثقافية. ورغم تمايز واختلاف مجال دراسة خالد، التي كانت في المعهد العالي للعلوم الإدارية، إذ لم تكن ترتبط بعالم الثقافة..

إلا أن عمله في إحدى شركات استيراد الكتب قد مهد له خوض هذا المجال بخبرة كافية وحماسة شبابية، ما جعل مكتبته في وقت قصير، من أهم المكتبات المصرية. ويوضح مؤسس المكتبة في هذا الشأن:

«ظللت أعمل في شركة لبيع الكتب على مدار عشرة أعوام إلى أن كونت الخبرة المناسبة من وجهة نظري، لأقرر العمل منفرداً، خاصة وأنني كنت قد كونت عملاء ومعارف بالفعل، فبت أشتري الكتب وأستوردها من الخارج، وأعرضها في أي من منافذ البيع بالتجمعات الثقافية، لأبحث منذ ثلاث سنوات عن مكان يحمل حلمي».

نشأة

أنشئت المكتبة في عام 2011، عندما قرر خالد أن يحول مشروعه الصغير إلى مخزن لكتبه الكثيرة. بحث عن مخزن فهداه القدر الى محل يقع في مكان متميز، وهو بالتحديد في داخل شارع هدى شعراوي..

حيث أصبح قريباً من أشهر مقاهي وسط البلد، مثل: «زهرة البستان» و«الحرية» و«ريش» و«الندوة الثقافية» و«بارستلا» و«مقهى باب الورد» الذي يعتبر المقهى الخاص بالسوريين الذين نزحوا إلى القاهرة. وكذا هناك قربه مطعم «فلفلة» السياحي، الذي يعد مقصد العديد من السياح العرب والأجانب على حد سواء.

ورغم أن المقابل المادي لتأجير هذا المكان كان أكبر من قدرة خالد، إلا أنه قرر خوض المغامرة، وكنتيجة إخلاصه لحلمه كافأه القدر. ويحكي الناشر الشاب عن سبب هذا النجاح:

«نوعية الكتب التي أختارها، والتعامل الجيد مع العملاء، أساس وضمانة لنجاحاتنا، حيث نحترم عملاءنا، ونحاورهم، نستفيد منهم، ونقدرهم، هذا إلى جانب المعاملة المادية المحترمة مع دور النشر نفسها، فتلك كلها أمور قادت المكتبة إلى التميز خلال وقت قصير».

..إلى بيروت

لإيمانه بأن الاختلاف غالبا يصنع النجاح، سافر خالد للعاصمة اللبنانية «بيروت» وتواصل مع عديد من دور النشر، مثل: «الآداب» و«الجمل» و«المركز الثقافي العربي» و«الساقي» و«التنوير» و«المدى». وذلك بهدف أن يبيع أعمالهم داخل مصر، وأن تصبح مكتبته من المكتبات القليلة التي تجمع ما ينشر من الأعمال العربية والأجنبية داخل مكان واحد.

ويشرح في الخصوص: «نعتمد بالطبع على الكتب الأكثر مبيعاً التي تقوم عليها مكتبات أخرى، ولكننا نركز أيضاً على الكتب المهمة في جميع المجالات، حيث نهتم بفكرة التنوع».

أعمال مهمة

اختار خالد، الشاب المقبل على الحياة الثقافية اسم «تنمية» لمكتبته، وعن سبب ومرد هذه التسمية يقول: إن القراءة تنمي كل شيء لدى الإنسان، لذا يطلق توصيف (تنمية) على دور القراءة في الارتقاء بمعارفنا، والذي يعني الأثر الذي تخلفه القراءة لدى من يمارس هذا الفعل: هو التنمية التي تضيف في كل النواحي لدى الإنسان، من التنمية الثقافية والنفسية، وغيرها.

منشورات

أما فيما يخص نوعية الكتب التي تعنى بها المكتبة، فيبين مالكها أنها تتنوع بين السياسة والفنون والأدب والفلسفة. ففي الأدب تحاول المكتبة توفير الأعمال المترجمة لكُتّاب بارزين، مثل: ماركيز ويوسا وبول أوستر وديستوفيسكي. وفي الفلسفة دائماً ما توفر أعمال كارل ماركس وجون لوك ونيتشه ومارتن هيدجر. وفي السياسة: نعوم تشومسكي وحازم تروت وهاشم صالح.

أثر ومعنى

وفي ما يخص الأعمال التي تعد الأكثر طلباً من بين تلك الأعمال المترجمة، يبين خالد أن أعمال جورج أورويل هي فعليا الأكثر طلباً.. وكذا: باتريك زوسكن وأروهان باموق وميلان كونديرا وماركيز وغونتر غراس وتولستوي.

ويتابع خالد حديثه في هذا السياق: غالبية المكتبات تبيع الأعمال المتداولة والأكثر مبيعاً فقط، بينما بذلت مجهودا في تجميع تلك الأعمال، فنسبة مهمة من المكتبات تبحث عن الأشياء السهلة، كما أن العديد منها لا تفضل شراء الكثير من الكتب، على عكس ما نقوم به نحن.

صعوبات

وحول طبيعة الصعوبات التي واجهت مسيرة المكتبة، يقول خالد: سوق الكتب في مصر متغيرة مع الوقت، الاقتصاد يؤثر حتماً على القدرة الشرائية، فالأحداث السياسية تبعد الناس عن القراءة؛ لأنهم يصبحون مشغولين بقضايا أخرى..

الجمهور يعتقد القراءة مجرد رفاهية، رغم ان دول العالم المتقدمة تهتم بالقراءة، وتثمنها وتشجعها. ويتابع: كما تؤثر الكتب المسروقة التي تطبع بثمن أقل في السوق، على حركة بيع الكتب الأصلية، إلا أن العديد من القراء لايزالون يحاربون ذلك النوع من الكتب، بجانب العروض والتخفيضات التي تتيحها المكتبة لروادها على مدار العام.

تعاون

يتعاون مع خالد أخوه الأصغر محمود، دارس الحقوق ومحب القراءة والكتب، والذي تتمحور مهمته حول البحث عن الكتب الجديدة القيمة، حيث يبحث عن كل جديد في السوق، وكل الأعمال القيمة الصادرة حديثاً، سواء من الكتاب الأجانب أو العرب أو المصريين، وهو الأمر الذي جعله مصدر ثقة لدى عديد من الوافدين على المكتبة، إذ يقترح لهم الكتب المهمة، ويسمع منهم طلبات الأعمال التي يودون شراءها.

دار نشر

تلتزم «تنمية» بمعايير عمل ورؤى محددة،وتسير أعمالها على هذا الاساس، وفق برنامج مدروس ودقيق. وفي السياق، يشرح مؤسسها نيته إقامة دور نشر.

ويتابع: في الفترة الماضية، كنا مكتفين بالسفر للخارج من أجل تجميع الكتب التي ننشرها داخل مكتبتنا، فدخولنا مجال النشر الآن لن يضيف لنا شيئاً جديداً، وأرى أننا لو أعطينا وقتنا للكتب سنضيف شيئاً ليس موجوداً على الساحة. ولكن، على الرغم من ذلك فإن تلك الفكرة ليست مستبعدة بنسبة مئة بالمائة. أي إن مشروع إقامة دور نشر أمر مطروح ونفكر فيه.

أشواط مهمة وخطط متنوعة

قطعت المكتبة خلال فترة زمنية قصيرة، أشواط نجاح مهمة، إذ باتت مشهورة في الوسط ضمن مصر وعربياً. وشاركت هذا العام في معرض القاهرة الدولي للكتاب..

وذلك في جناح مهم تضمن عديداً من الأعمال من كل البلدان والمكتبات، لتثبت تلك التجربة نجاحها داخل معرض بحجم معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي يمتلئ بعديد من المكتبات ويحفل بالتنافس. واللافت أن اجندة المكتبة، طبقا لما يؤكده مسؤولوها، حافلة بخطط عمل وآفاق تطوير مستقبلي، تقوم على ركائز ودراسات علمية، لتتبوأ معها أعلى المراتب في هذا الميدان.

تعاون مثمر يغني الساحة الثقافية

يشكل تعاون تنمية مع مؤسسات بارزة في الحقل، أساساً يعضد اعمالها ونجاحاتها. ولا تتردد المكتبة بجعل هذا التوجه يضيف إليها ويقوي من حضورها. وكان من ثمار هذا الايمان لديها، تعاونها مع «كلمة» التي تهتم بنشر كتب نوعية. فهي تابعة لمؤسسة صحفية ضخمة، ولكنها في الوقت نفسه..

أوجدت قارئها عن طريق مكتبة تنمية، ذلك رغم الأسعار الكبيرة للأعمال المنشورة لها. ويعلق مسؤول المكتبة في هذا الخصوص: تعاونت تنمية مع كلمة، وروجت لذلك المشروع الكبير داخل مكتبتها، وحصلت بالفعل على نتائج مرضية، ومبيعات جيدة عن طريق البيع الفردي داخل المكتبة.