المكتبات هي فقرات أساسية في العمود الفقري للمجتمع، بغض النظر ما إذا كانت تابعة لإحدى الجامعات أو تنتمي إلى نظام عام.. أو ببساطة عبارة عن ركن موجود داخل منازلنا يعمل على تمكين الأفراد من الحصول على المعرفة والعلم، ومنع الركود العقلي من التوغل داخل شرائح المجتمعات المختلفة.
هنالك العديد من المكتبات التي استطاعت الوقوف في وجه الزمن وما صمد منها كان له الفضل في إيصال التراث المعرفي من العصور القديمة إلى زمننا الحالي وهو بالفعل تراث يحمل رهبة التاريخ ويشهد على انجازات البشرية في كافة مجالات الحياة..
وهنالك أيضا مكتبات لم تتمكن من الحفاظ على كنوزها من الضياع، سواء بفعل اليد الإنسانية العابثة أو بفعل الكوارث الطبيعية أو حتى عدم توافر شروط تخزين مناسبة لمحتوياتها. واللافت في الصدد، مكتبات احتضنت كنوزا نادرة من العالم القديم. وهي عديدة لكن تبرز من بينها، مجموعة مهمة.
فيلا البردي
هذه المــــكتبة جزء مـــن ما يسمى فيلا البردي الواقـــعة في مدينة هركولانيوم العتيقة التي كانت تطل على خليج نـــابولي، والتي يُعتقد أنها كانت تخــــص والـد زوجة يوليوس قيصر وبالرغم مــــن اكتشاف مكتبات أخرى عتيقة إلا أن فيلا البردي هي الوحيدة التي لا تــــزال لفائفها موجودة.
في يوم كارثي من العام 79 الميلادي ثار بركان جبل فيزوف في ايطاليا، والذي يعد من أكبر الكوارث الطبيعية الأثرية في التـــاريخ، وأدت ثورة البركان إلى دفن مدينة هركولانيوم الى جانب شقـــيقتها مدينة بومبي، وأصبحت مكتبة البردي تحت الأنقاض التي لم تحمها من انفـــــجار الغازات البركانية الساخنة التي أسفرت عن احتراق اللفائف الأثرية بشكل كامل تقريباً.
خلال الخمسينيات من القرن الثامن عشر، استخرج نحو 1800 من هذه اللفائف الرقيقة الهشة، وبعد العديد من المحاولات والدراسات جرى فك شيفرة بعضها، بينما بقي القسم الأكبر منها مجهولاً ولم يتسن التعرف على محتواها.
الطرق غير الاحترافية التي اتبعت على مدار الزمن لبسط هذه اللفائف أو فصل طبقاتها، أدت إلى إتلاف الكثير منها وظل الغموض يلف مضمون المئات من أوراق البردي، ولكن مع التطور العلمي والتكنولوجي تمكن العلماء بعد الاستعانة بتقنــيات متطورة تشبه الأشعة المقطعية في الكمبيوتر من فك شيفرة الكتابة مع بقاء أوراق البردي ملفوفة على حالها.
وبعد الدراسة وجد الباحثون أن اللغة المستخدمة في كتابة البرديات هي الإغريقية القديمة، وأن لفائف سليمة ربما تحمل نصا مكتوبا للشاعر الفيلسوف فيلوديموس الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، كما يأمل الخبراء الذين وضعوا خططا مدروسة لفك رموز البرديات المهددة بالتلف التام، بأنها ربما تحتوي على أعمال قديمة شهيرة ومفقودة قد تساعد على التعمق في دراسة الحضارتين الإغريقية واللاتينية القديمتين.
آشور بانيبال الملكية
تأسست هذه المكتبة العريقة في القرن السابع قبل الميلاد، وسميت نسبة إلى آشور بانيبال الذي يعد آخر أشهر ملوك الإمبراطورية الآشورية الحديثة. واحتوت مجموعتها على آلاف ألواح الطين وبقايا نصوص نسبة كبيرة منها باللغة الأكادية تضمنت موضوعات مختلفة تعود للقرن السابع قبل الميلاد، وكان من بين مقتنياتها ملحمة جلجامش الشهيرة.
وتعد المكتــبة من أشهر المكتبات في بلاد النـــهرين وأعظمها، ولطالما كان هنالك خلاف بين الباحثين حول حجم مقتنياتها.. ففـــي حين قال البعض إن فيها 1000 رُقم طيني، يؤكد أخرون بأنها أكثر من ذلك، ومن الثابت أن الملك آشور بانيبال جمع في هذه المكتبة كل ما وجده في القصور الملكية لأجداده من الملوك السابقين، وأضاف إليها كل ما استطاع جمعه في عصره وحفظ فيها الآف الألواح الطينية التي تمثل تراث حضارات ما بين النهرين.
تعرضت المكتبة لحريق هائل طال معظم أجزائها، بعد تدمير نينوى في 612 قبل الميلاد، وأدت النيران إلى تسخين ألواح الطين وانصهارها. كما وساهم الحفظ العشوائي والاستخدام السيئ في ضياع بعض المواد المتبقية في المكتبة. ومعظم الاكتشافات في موقع المكتبة تمت من قبل الرحالة وعالم الآثار البريطاني أوستن هنري لايارد حيث نقل معظمها إلى إنجلترا .. وتُعرض بعض من بقايا المكتبة في المتحف البريطاني في لندن.
بيرغامس
هي واحدة من أهم مكتبات العالم القديم تأسست قبل العصر الهلنستي في مدينة بيرغامس والتي كانت المدينة الأهم في الإمبراطورية الرومانية القديمة وتقع في الأناضول.
تحتوي المكتبة 200 ألف مجلد وتقول الأسطورة إن مارك انطونيو منح مكتبة الإسكندرية أكثر من مئة ألف وحدة تخزين منها كهدية لكليوباترا.
في وصف تاريخي للمكتبة الأسطورية تقول الروايات إن المكتبة كانت تحتوي على غرفة رئيسية كبيرة للقراءة، وفي وسطها تمثال «آثينا» آلهة الحكمة. وفي تصميم ينم عن ذكاء المعماريين الذين بنوها نجد انها كانت مليئة بالرفوف والجدران المتوازية، لكي تسمح بتدوير الهواء لترطيب الجو، مما يعمل على تأمين جو مناسب للتخزين.
نالاندا
كانت موطن التعلم لحوالي 800 عام (من القرن الخامس للميلاد وحتى القرن الثالث عشر). كانت هذه المؤسسة التعليمية في البداية عبارة عن رهبنة يقيم فيها آلاف من الرهبان المسافرين القادمين من مختلف المناطق، وأثناء فترة إقامتهم في دير نالاندا يجري تدريسهم الفلسفة البوذية التي تسمى «داما» و«فينايا»، وكان كبار الرهبان يقـــدمون مواعــظهم في حضور الرهبان الأصــغر، وكانت هذه بداية دير نالاندا. ومن ثم تطور هذا الدير وأصبح في النهاية، جامعة لا مثيل لها في العالم، وزادت شهرتها لدرجة أنها أصبحت معروفة باسم جامعة الجامعات.
في الواقع إن نالاندا ماهافيهارا لم تكن مركزا للتعلم فحسب، بل تجاوزت ذلك لتصبح أيضا مركز إشعاع ثقافي وحضاري. ليس للثقافة البوذية فحسب وإنما للثقافة الهندية بصفة عامة.
وبدأت أعمال التنقيب عن اثار الجامعة والمكتبة في عام 1915، ومن ضمن الموجودات التي عثر عليها داخل هذه المكتبة الرائعة، العديد من المطبوعات والدراسات المتعمقة في البوذية، إلى جانب مخطوطات قديمة مهمة .. وتمثال هوينسانغ.
مكتبات أوغاريت
معظم الرقم المكتوبة المكتشفة في مدينة «أوغاريت» الواقعة في الساحل السوري، كانت على شكل مجموعات، وكل مجموعة تؤلف، إما مكتبة أو ديواناً للأرشيف والمكتبة، وإما أن تكون تابعة لمؤسسة دينية أو لأحد الأفراد، واكتشفت الى غاية الوقت الحالي مكتبات عديدة، من بينها:
مكتبة الكاهن الأكبر (إيلو ملكانو)، مكتبة النصوص الأدبية، ستة دواوين للاضبارات في القصر الملكي، وديوان للاضبارات في القصر الجنوبي. كما عثر في الحي الفخم الممتد شرقي القصر الملكي على مكتبتين خاصتين وعلى ديوان اضبارات خاص. وضمت هاتان المكتبتان مجموعة مهمة من النصوص الفخارية، زادت على مئتي لوح مكتوبة بالأكادية، واحتوت وثائق متنوعة.
وكذلك وجدت في هذه المكتبة بعض أنواع الأحجار والأوزان والأوعية والمنسوجات المستعملة في المدينة، كما وجدت لائحة بأسماء آلهة «أوغاريت» مع ما يقابلها من الآلهة عند البابليين، كما ضمت نصوصاً فيها بعض المعالجات الدوائية للمرضى. وتحتوي المكتبة التي عثر عليها في الجزء الجنوبي من مدينة أوغاريت، على نسخ من الملاحم البابلية الكلاسيكية...
وهي النصوص التي تداولها مثقفو ذلك العصر وقتها، من بينها مقطع من ملحمة «جلجامش»، و«إينوما إيليش». وكذلك مقاطع من كتب الحكمة، ومنها قصة «الحكمة المتشائمة»، وفي نفس الحي عثر على مكتبة الكاهن «ملكانو»، وقد تضمنت بعض الرقم مواضيع دينية تهم الناس في ذلك الزمان ونصوصاً أدبية تم تداولها في مجتمع المدينة.
القسطنطينة
هي آخر المكتبات الكبيرة في العالم القديم، وكانت في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. حفظت بين جدرانها الكنوز المعرفية القديمة لليونان والإغريق لأكثر من ألف عام، حتى أصابها الدمار أثناء الحملة الصليبية الرابعة في عام 1204. وبنيت في عهد قسطنطين الثاني، في الفترة بين 337-361 م.
وهي حافظت على استمرارية التقليد الأدبي اليوناني والروماني ونجحت في حفظ وتدوين البرديات الحساسة المذهلة وغيرها من الأعمال. ويذكر الباحثون أن المكتبة تعرضت في العام 473 م لحادثة حريق تسببت في تدمير حوالي 120 ألف نص من النصوص المحفوظة فيها. ومن ثم أتت الحملة الصليبية الرابعة والتي ألحقت الأذى الأكبر بالمكتبة.
«تمبكتو» .. 700 ألف مخطوطة غالبيتها باللغة العربية
هي مجموعة من المخطوطات تصل إلى 700 ألف مخطوطة، أكثرها باللغة العربية أو بلغات محلية، كتبت بالحروف العربية موجودة في تمبكتو. وغالبية هذه المخطوطات كانت في وضع مزر ومهددة بسبب العواصف الرملية والنمل الأبيض المنتشر في المنطقة. وفي العام 1970 شكلت اليونسكو منظمة للحفاظ على المخطوطات، ولكنها بقيت بلا تمويل حتى العام 1977.
ومن ثم في العام 2002، ظهر مشروع آخر يدعى «مشروع مخطوطات تمبكتو». وتمكن القائمون عليه من ترجمة ورقمنة بعض المخطوطات. تم بذل الكثير من الجهود للحفاظ على مخطوطات تمبكتو، لما لها من تأثير على مختلف مجالات الدراسات الإفريقية والتاريخ الإفريقي. والجهود كانت مضاعفة كون المصادر التاريخية التي تدل على المركز الحضاري الذي تمتعت به المنطقة لم تكن متوافرة بشكل كاف.
وبذلك لم تغط التاريخ الشفوي أكثر من مئة عام فيما يعود تاريخ الاكتشافات الأثرية إلى مئات الآلاف من السنوات. وكانت المكتبات التي جرى تأسيسها في المدينة عاملاً أساسياً ساهم في الحفاظ على مخطوطات تمبكتو.
ويذكر التاريخ أن أول مكتبة رسمية للمخطوطات تأسست في معهد أحمد بابا، الذي افتتح عام 1973 تحت اسمه السابق مركز أحمد بابا للتوثيق والبحوث، ومنذ التسعينيات من القرن الـ20، بدأ إنشاء المكتبات الخاصة في تمبكتو، التي يصل عددها اليوم إلى 21 مكتبة، خمس منها تستقبل عامة الناس.
«الإسكندرية القديمة».. أقدم مكتبة حكومية عامة
عرفت باسم مكتبة الإسكندرية الملَكية أو المكتبة العظمى. وهي أكبر مكتبات عصرها. ويقال إنها تأسست على يد الإسكندر الأكبر قبل ثلاثة وعشرين قرناً. ويقال أيضاً إنها تأسست على يد بطليموس الثاني في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد. تعرضت المكتبة للعديد من الحرائق وانتهت حياتها في عام 48 ق.م . وفي 2002 أعيد بناؤها تحت اسم مكتبة الإسكندرية الجديدة.
وترجع شهرة مكتبة الإسكندرية القديمة لكونها أقدم مكتبة حكومية عامة في العالم القديم. وليس لأنها أول مكتبات العالم فمكتبات المعابد الفرعونية كانت معروفة عند قدماء المصريين.
ولكنها كانت خاصة بالكهنة فقط والبطالمة أنفسهم الذين أسسوها كانوا يعرفون المكتبات جيدا. كما ترجع عظمتها أيضا لكونها حوت كتب وعلوم الحضارتين الفرعونية والإغريقية وبها حدث المزج العلمي والالتقاء الثقافي الفكري بعلوم الشرق وعلوم الغرب.


