يؤكد العديد من النقاد العرب، أن الرواية مظلومة في العالم العربي، وأن الاهتمام بها أقل من المفترض، مقارنة بالدول الأوروبية التي تعنى بشكل خاص بالكتابات الأدبية، بل وتفرد لها عديداً من الوظائف التي يساهم وجودها في تحسين كتابة الرواية.

ذلك مثل: «المحرر الأدبي»، «الوكيل الأدبي». وهكذا نجد أن الكاتب في الوطن العربي يتحمل هو مسؤولية روايته من الألف الى الياء، وهو الأمر الذي يدخله في معارك وتفاصيل هو في غنى عنها، ذلك بخلاف أن تلك الأشياء تخطف كثيراً من وقت المبدع الذي يحتاج الى البعد عن التفاصيل التسويقية والمراجعات الأدبية. كما أن غياب (المحرر الأدبي) عن دور النشر العربية، بات، حسب أدباء كثر، يشوه المنتج الإبداعي لدينا.. وكذا الحال بالنسبة لعدم توفر مهنة (الوكيل الادبي).

«البيان» تناقش هذه المسألة الأدبية، وتبحث في تفاصيلها وأوجه حلها من خلال لقاءات مع متخصصين ومثقفين، تناقش ماهية مهنة المحرر الأدبي، وكيفية توظيفها لخدمة الكاتب في عالمنا العربي.

تاريخ وبدايات

توضح الكاتبة سهير المصادفة، أن فكرة المحرر الأدبي مكروهة لدى الكتاب الذين لا يودون أن يضع أحد «شخطة قلم» ضمن نصوصهم أو يدرج أية زيادات على ما يكتبونه، لذا فإنها ترى أن عدم وجود تلك المهنة سببها وبشكل رئيسي، الكتاب أنفسهم، إذ شرعت تظهر وتحضر بقوة تلك الفكرة من آن الى آخر خلال فترة مهمة مضت في عالمنا العربي، ومن ثم ليقرر عدد من الكتاب رفض التعامل معها.. وهو الأمر الذي أضرهم من دون دراية ووعي منهم، على حد وصف سهير، والتي أكدت أن غالبية الروايات المصرية لا تخلو من الأخطاء التاريخية واللغوية، وهو أحد إفرازات ونتائج غياب المحرر الادبي، وهو ما يقلل بالتالي من قيمة العمل الروائي لدى النقاد، طبعا بفعل ضعف المعلومات وتغيير اسم الشخصيات أو عدم بديهية التواريخ الموضوعة، الأمر الذي يعرض أعمالاً عظيمة إلى الانتقاد جراء وبفعل أشياء ونقاط بسيطة سببت الوقوع في الضعف والركاكة، مشيرة الى أن مكمن الخطأ والوقوع في المحظور أن الكاتب يظن أن المحرر سيغير من نصه، فيرفض هذا المسار.. وهذا طبعا رغم أن المحرر جوهر عمله هو أن يظل محتفظاً بالعمل الأصلي.

تقدير

يشير الكاتب العراقي عباس خضر، إلى أن عيشه في ألمانيا وخوضه غمار التجريب والمتابعة في حقل الأدب، عرفه على تلك المهنة عن كثب، إذ إن المحررين الأدبيين لهم قدرهم في تلك الدولة الأجنبية، ويوضح خضر أنه هو نفسه كان قبلاً قد وقع في خطأ معلوماتي داخل روايته عندما أخطأ في عدد السنوات ضمنها، وكان محظوظا ان ساعدته محررته الأدبية على معرفة ذلك الخطأ وتلافيه قبل نشره. وأضاف، إن المحرر الأدبي كاتب هو الآخر، لكنه فقط لا يمتلك الخيال، ذلك على العكس من الكاتب الأصلي الذي له ميزة تجعله صاحب العمل الأصلي.

واستكمل الروائي حديثه مؤكداً أن العديد من الكتاب الكبار كانوا لا يفارقون محرريهم الأدبيين، بل وصل الأمر إلى أن يكتب البعض شكرا لما بذله المحرر الأدبي من جهد داخل صفحات الرواية، نظراً الى أن المحرر الأدبي يمكث أياماً بصحبة الأديب يراجعه في كل كلمة ويستوضح منه أموراً من أجل وصول الرواية في النهاية الى أفضل شكل.

الوكيل الأدبي

وأما في خصوص غياب مهنة وتخصص الوكيل الادبي، والذي يشبه عمل المحرر الأدبي، غير ان عمله إداري: مع الكاتب لا مع النص. فهذا أيضا، برأي متخصصين كثر، يفرز مجموعة نتائج سلبية. إذ يسلم الكاتب وكيله إدارة عمله الأدبي، ليبادر الأخير: الوكيل، إلى تنظيم الندوات، وهذا بالتوازي مع الاتفاق مع دار النشر على سعر الكتاب ومعرفة الكيفيات الأجدى لتوزيعه.. وكذا إدارة وسائل التواصل الاجتماعي، والحديث مع الصحافة والإعلام، من أجل اللقاءات التلفزيونية والصحفية للكاتب.

أسباب وجيهة

وفي هذا الشأن، يُشير الكاتب الليبي أحمد إبراهيم الفقيه، إلى أن قيام الكاتب بكل تلك الأعمال أمر يشتته، ويقلل من وقت فراغه الذي سيقدم فيه إبداعه، حيث إن الكاتب يجب أن يخلص لعمله الأدبي في المقام الأول لا أكثر من ذلك. ومن ثم تولي الكاتب جميع تلك المهام والأعمال، قضية تنهكه بل وتقلل من شأنه أمام جمهوره، كذلك فإن للكاتب طبيعة مختلفة لا يستطيع أن يقوم بتلك الأعمال لأنها في النهاية ليست تخصصه. ويبين الفقيه ان الكاتب الذي لا يحسن القيام بتلك الأمور يتعرض كتابه، في كثير من الأوقات إلى التهميش، لأنه لم يأخذ حقه في المبيعات والنشر والتغطية الإعلامية، لذا فإنه يرى أنه من الضروري وجود ذلك النوع من المهن، كمهنة المحرر الأدبي والوكيل الأدبي في الوطن العربي. ويقترح الكاتب تنظيم فعاليات أدبية يحضرها عديد من الأدباء يتناولون تلك الأزمة ويقترحون لها حلولاً عملية وسريعة، ذلك بهدف النهوض بعملية الكتابة الأدبية.

دور موازٍ

يوضح هاني عبدالله، مؤسس دار الرواق للنشر والتوزيع، أن دار نشره تؤدي دورا موازيا لما يشبه أعمال الوكلاء والمحررين الأدبيين، إذ تعمل في الدار لجنة نشر تقوّم الرواية وتدرسها من الأساس، ذلك قبل أن تختارها الدار، كما تعمل على تنقيحها وتصحيحها من الأخطاء اللغوية الواردة فيها، بالرجوع إلى الكاتب، ثم تأتي الخطوة التالية المتمثلة في توزيع الكتاب على مكتبات القاهرة والمحافظات داخل المكتبات المتنوعة، ومن ثم التواصل مع الصحافة والإعلام، وعبر وسائل التواصل الاجتماعية المختلفة. وأيضا يفسر هاني السبب الخفي المسهم في نجاح العديد من الأعمال لديهم، بجانب براعتها وقيمتها اللغوية والأدبية، بأنها خضعت لتوزيع واهتمام جيد من قبل الدار. لذا فإنها تعدت الثلاث والأربع طبعات، من دون أن يضطر الكاتب بنفسه للتدليل والترويج لكتابه.

أشكال عديدة ومهام ثابتة محورها تجويد النص

هناك تعريفات وتحديدات كثيرة، متنوعة حول (المحرر الأدبي). وبطبيعة الحال هي في النسبة الغالبة، صادرة عن الدول الغربية التي تنتعش وتتوسع هذه الوظيفة وهذا المساق الادبي فيها. ومن بين تلك التعريفات، ما تدرجه متخصصة تدعى بيث هيل، وطبقا لما ترجمه أحمد الشافعي في مدونته. إذ تعرفه من حيث ومن جانب طبيعة وظائفه: المحرر يصقل وينقّح، يوجّه تركيز القصة أو المقالة أو الفيلم في مسار معين.. يحذف غير المناسب، وغير المتعلق بجوهر وغرض القصة.. يعزز النقاط الأساسية، ويلفت النظر إلى المواضع التي ينبغي أن ينصب عليها اهتمام الجمهور.

كما تقسم هيل أنواع المحررين في الخارج إلى أنماط متعددة. إذ تتعدد الوظائف تحت مسمى المحرر الأدبي، وذلك من قبيل ومثل: أولاً: «المحرر الجاذب» والذي تتمحور وظيفته حول البحث عن الكتاب الجيدين لدور النشر، والذين سيحظون في رأيه بشعبية وعدد من القراء. ثانياً: «المحرر المطور» الذي يساعد الكاتب في تحسين كتابه وتطوير فكرته.

ثالثاً: «محرر النسخ» الذي تدور مهمته حول تصحيح أخطاء النص النحوية والإملائية، ويتحقق من صدق المعلومات الواردة. رابعاً: «مصحح النسخ» الذي يقارن بين نسخ المخطوطة المختلفة كي يتجنب الأخطاء الواردة في أحدث النسخ. خامساً: « المحرر الأساسي» والذي يعتني في دراسة وتفحص الحبكة والقصة نفسها.

«قتل الكتاب»

تلفت الكاتبة الشابة، هالة صلاح، إلى أن هناك العديد من دور النشر التي لا تهتم بمسألة التوزيع على الإطلاق، إذ إنها دفعت مبالغ كبيرة لإحدى دور النشر من أجل نشر كتابها، إلا أن دار النشر لم توزع الكتاب في أي من المكتبات التي أكدت أنها تتعامل معها، مشيرة إلى أن هناك العديد من دور النشر، صارت تستخدم فكرة النشر كتغطية على أعمال النصب الذي تقوم بها في حق الكتاب، بعد إغرائهم بالتعاون والتقدير، ولكن كل ما يلاقونه في النهاية هو إنهاك لمالهم، دون أن يحصلوا على أي عائد، بل ودون أن يروا منتجاتهم في المكتبات من الأصل.