أزمات عديدة ومتنــوعة في حالها وسماتها، تواجهها الكتب المـــترجمة في وطننا العربي، لتظل بذا حبيسة الرفوف، وتراوح في إقامتها وترنحها بين واقع القبوع في الأزمات او الإهمال المتعمد. وهـــكذا لنـــجدها تــظل مقيمة في صحراء ثقافية خاصة بها، لتستمر في انتظار من يأخذها..
ويتضاعف هذا خـصوصا، فـــي ظل ما تتــعرض له من عــدم اكتراث واعتـــناء فاعليــن ممــــنهـــجين، وذلك طبـــعا باستـــناء بعض المشروعات الفـــكرية العربية المتخصصة، كمشروع (كلمة) في الامارات، ومشروع المركز القومي للترجمة في مصر. إلا أننا، وفي العموم، يمكننا القول، إن حال الكتب المترجمة، لا تسر كثيرا.
وذلك ربما إلا فيما ندر من كتب عالمية مشهورة، أو كتب لكتاب حازوا على جوائز عالمية، هذا رغم وجود روايات وكتب قريبة من قلب جمهور الوطن العربي. "البيان" ترصد في هذا التحقيق، واقع الكتب المترجمة، متتبعة ماهية الأزمات التي تواجهها تلك الكتب.. ذلك بداية من صناعتها وحتى مرورها في أيدي القراء، وهذا سعيا الى ايجاد الحلول والمقترحات الكفيلة بجعلها تعيش ازدهارا نوعيا يليق بها.
تتعدد في مصر الجهات التي تعنى وتتخصص في نشر الكتب المترجمة، إذ تهتم وزارة الثقافة بنشر كتب تقع ضمن سلسلة "الجوائز" التي تصدرها الهيئة العامة للكتاب، وربما ما يميز تلك السلسلة هو قربها من جيب المواطن المصري، حيث تدعم الدولة النشر والطبع للجمهور. ويتمثل جوهر رسالة تلك السلسلة في تقديم الأعمال الأدبية التي حازت على جوائز دولية ومحلية في كل أنحاء العالم..
كما أنها توفر قاعدة بيانات عن كل المترجمين المصريين والعرب في كل اللغات، واستحدثت ذاكرة الجوائز كرافد للسلسلة لتقديم الآثار الأدبية التي شكلت ذروة خالدة في مسيرة الإبداع، مع الالتزام باحترام حقوق الملكية الفكرية، كما يوضح التـــــعريف الذي وضعته السلسلة على موقعــها بالإنترنت..
حيث جرى نشر عديد من الكتب التي حصلت على جوائز كبرى، مثل: نوبل، بوكر، الجائزة الوطنية في العلوم والآداب في المكسيك، جائزة غونكور، جائزة برينتز، جائزة ثيربانتس، جائزة غونكور، وغيرها من الجوائز العالمية.
مشكلات
توضح سهير المصادفة، رئيسة تحرير سلسلة جوائز، في حديثها لـ(البيان)، أن عملها مع الشباب والمبدعين الذين تقوم بالإشراف عليهم في سلسلة الجوائز التي تصدرها الهيئة، متواصل. وأشغال السلسة على قدر عالٍ من النشاط. وتلفت إلى أنه ترجمة الروايات الأجنبية حول بلدان العالم تُعد عملاً شاقاً. ومع ذلك، فإنه أظهر المترجمون اهتماماً وإبداعاً كبيرين..
وهذا بطبيعة الحال، إلى جانب الدورات التدريبية التي تقيمها الهيئة للشباب المترجمين من أجل تحسين مستوى كتابتهم، فهي الوحيدة -على حد قول المصادفة- التي بدأت تنفيذ محور والعمود الفقري للدعوات الذي نادت بها ثورة الخامس والعشرين من يناير: تمكين الشباب ووضعهم على أول الطريق.
وتشير سهير المصادفة إلى أن همها الأول هو تحويل تلك الترجمات إلى عمل أدبي يضاهي جمال النص الأول، إذ إن مشكلة الترجمة في وطننا العربي هي النقل الجاف، دون عناية بالإبداع، وهو الأمر الذي تبعد عنه سلسلة الهيئة، التي توصل منتجاً يحترم عقل القارئ ويقدم له الأفضل.
المركز القومي للترجمة
نجح المركز القومي للترجمة، الذي تأسس في مطلع القرن التاسع عشر، في إصدار أكثر من ألف كتاب مترجم. كما أنه ترجمت الكتب من لغات عالمية عديدة، وهي لكتاب من دول متنوعة حول العالم، خاصة من البارزين منهم أو من الذين حصلوا على جوائز عالمية.
وفي هذا السياق، ترجمت رواية الصيني مو يان «الذرة الرفيعة الحمراء» قبل حصول الكاتب على جائزة نوبل في الآداب، وهو ما أثبت أن المركز يسبق الجوائز بخطوات وعلى دراية بالكتب الهامة قبل انتشارها عالمياً.
وذلك حسب ما يشدد عليه المسؤولون فيه. ويبين أنور المغيث، مدير المركز القومي للترجمة، أنه بصدد وضع بروتوكول تعاون بينه وبين الجامعة الأميركية، يفضي الى تنظيم ورش عمل تدريبية للمترجمين في: الترجمة، في أصول النحو العربي والبلاغة. كما أنه يشير إلى أن المركز سيصدر كل الأعمال التي تأخر إصدارها خلال الأعوام الماضية.
أما سلسلة «آفاق عالمية»، التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، فهي تعني هي الأخرى بنشر الأعمال المترجمة. ويؤكد رئيس تحرير تلك السلسلة، الشاعر رفعت سلام، أنه في بداية عمله بالترجمة لم تكن هناك أعمال كاملة لبوشكين وليرمنتوف وماياكوفسكي وكفافيس، مثلاً، باللغة الإنجليزية، متاحة في مصر، وكل ما كان موجوداً هو أشعار قليلة مترجمة في أماكن متفرقة..
ومن هنا جاءت فكرة مشروع الـ 100 كتاب الذي جرى اقتراحه، وذلك غاية تجميع كل الترجمات، بجانب التدقيق في الترجمة نفسها، ولذا يعيب سلام على المعنيين تركيز الاهتمام على نشر الكتب المترجمة بالهيئة العامة للثقافة، مؤكداً أن الخطوة التي يجب اتخاذها هي المساواة والعدل في جميع القطاعات الحكومية، ذلك لأن هذا التنوع هو ما يخلق التطور والثراء المعرفي.
دور نشر خاصة
وبرغم أن دور النشر الخاصة تبتعد عن الكتب المترجمة، لأنها لا تلقى رواجاً، عكس الكتب والروايات المصرية، التي تعتبر الأكثر ارتباطاً بالبيئة وبالمكان، والأكثر تعبيراً عن الناس وحياتهم، بعكس الروايات المترجمة التي تحكي قصصاً وتتكلم عن شخوص لهم حياتهم المختلفة، إلا أن مدير نشر دار صفصافة، أحمد البعلي، يؤكد لـ «البيان»، أن الدار تعني بشكل خاص بنشر الكتب المترجمة، مثل :
ترجمة الكتب الإنجليزية والفرنسية والألمانية والفنلندية والسلوفاكية. كذلك فإن الدار أصدرت سلسلة تعنى بالكلاسيكيات العالمية، تلك الكلاسيكيات التي قرأتها أجيال كثيرة ، بلغتها الأم..
حيث إنها كانت مقصورة على العارفين باللغة الأصلية فقط، وهو ما جعل ترجمتها للعربية أمراً حتمياً، ذلك لوصول تلك الأعمال الكبيرة الى الجمهور. وهذا طبعا، إلى جانب سلسلة الكلاسيكيات، فالدار تعنى بشكل معين بنشر الأدب الألماني المعاصر، لأن ألمانيا على وجه الخصوص..
كما يبين صاحب الدار، تهتم بنشر أدبها في جميع أقطار العالم، لذا توفر جميع التسهيلات الممــــكنة، وهو الأمر الذي جعل الدار تخصص لها سلسلة دورية لنشر الأعمال الألمانية المعاصرة. ويشرح البيلي: «إننا نبحث عن نشر الجديد والمستقبل، من أجل الانفتاح على الثقافات الأخرى».
أما شريف إسماعيل، المسؤول في دار النشر العربي للترجمة والتوزيع، فيوضح في حديثه لـ«البيان»، أن الدار تتخصص بشكل أكبر في نشر الأعمال الأجنبية..
مبينا في هذا الصدد أن دور النشر العربية، لا تهتم بها بشكل مخصص، وهو ما شجع الدار على نشر الأعمال الأجنبية وترجمتها للعربية، وبرغم أن تلك الخطوة هي خطوة جريئة على الساحة، إلا أنها تستحق العناء، حسب قوله، من أجل نشر ثقافة التعرف على الآخر والانفتاح على ثقافات أخرى لم تعهدها مجتمعاتنا العربية، وذلك من خلال الكتاب.
ويرى الناقد والمترجم المغربي محمد براده، أن الرواية التي تتحول ترجمتها لترجمة سردية، من غير الاعتناء بصياغة أدبياتها بشكل جيد، تفقد روحها التي وضعها فيها الكاتب الأصلي. وكذلك يشدد الكاتب على أن العديد من الدول العربية بحاجة إلى زيادة العناية بالترجمة، وبناء أكاديميات، وإنشاء مشاريع تعني بشكل خاص بالترجمة، ومساعدة الشباب في التمكن منها.
أزمة تصدير
تعاني العديد من الروايات العربية من تهميش بين صارخ، في غير بلادها، ذلك على عكس الروايات المترجمة في البلاد العربية، التي تحظى بذيوع إلى حد ما. ويوضح مؤسس دار صفصافة، محمد البيلي، تلك المشكلة، مؤكداً أن الروايات التي تترجم الى لغات أخرى يجب أن تكون حظيت بمبيعات كبرى داخل بلدها الأم والدول العربية..
كما أنها يجب أن تكون قد طبعت العديد من الطبعات. ذلك إضافة إلى اشتراط ترجمة جزء مـــن الرواية لقراءتها والحكم عليها، قبل الشروع في طباعتها، وهو ما يحتاج إلى خطوات كثيرة قبل أن تترجم الرواية الى لغات أخرى غير لغتها الأم.
أما مصطفى الفرماوي، مدير مكتبات الشروق، فيشير إلى أن الروايات تواجه بالفعل عديداً من الصعوبات، لذا فالأعمال المترجمة إلى لغات أخرى قليلة جداً برغم وجودها، ذلك مثل رواية «عزازيل»، التي ترجمت إلى عديد من اللغات، وجرى توزيعها في عديد من البلدان الأجنبية.. أو روايات نجيب محفوظ، التي تسببت في حصوله على نوبل، فترجمت كتبه في كل أنحاء العالم.
عزوف وصعوبات
أحد أهم الأسباب في عزوف القراء جزئياً عن تلك الروايات أو الكتب، الصعوبة التي يواجهها عدد منهم في فهم الروايات الأجنبية المترجمة. إذ يشير نقاد متخصصون، إلى أنه وبجانب العدد القليل من المترجمين ضمن الدول العربية، فإن المترجم يمكن أن يكون مترجماً من دون أن يكون أديباً، أو متمكناً من الكتابة الإبداعية. وهو ما يخرج ببعض الروايات بأسلوب غير مشوق، ذلك على العكس من شكلها بلغتها الأم.
مشروع (كلمة).. قصة تميز أنتجت نجاحاً متفرداً
يعد مشروع "كلمة" للترجمة في دولة الامارات العربية المتحدة، منارة وقدوة تحتذى، على صعيد الاهتمام بالترجمة في الوطن العربي. إذ إنه يمثل مبادرة طموحة غير ربحية، تموّل ترجمة أرقى المؤلفات والأعمال الأدبية الكلاسيكية والمعاصرة من مختلف اللغات إلى اللغة العربية ثمّ طباعتها وتوزيعها.
وتثبت الممارسة الميدانية، منذ انطلاقة المشروع، مدى إغنائه الساحة الثقافة العربية، خاصة في ظل ما يلقاه من تمويل من هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، كما أنه يحظى بالكثير من الرعاية والدعم من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ويؤكد المثقفون والمعنيون في المجال، أن إسهام الترجمات التي يقدمها المشروع، في تجويد وتنويع ماهيات المضمون الثقافي في الساحة الثقافية العربية، متفرد فعليا. وذلك بحكم طبيعة العناوين التي يختارها، والتي تمثل ثقافات العالم الجمع. وكذا أسماء الكتاب مبدعي هذه الاعمال.
وهناك من بين آخر وأبرز الإصدارات التي قدمها المشروع، كتاب بعنوان "الموت الأسود" للمؤلف جوزيف بيرن، وترجمه إلى العربية عمر الأيوبي. وفيه نعيش اجواء شائقة، إذ نتبين كيف أنه لم تكن الحياة اليومية في اوروبا، خلال حقبة محددة، أثناء تفشي الطاعون، أو الموت الأسود، طبيعية البتة.
وفي الكتاب، يجمل بيرن مسار الجائحة، وأسباب الطاعون الدبلي وطبيعته، ووجهة النظر التنقيحية حيال حقيقة الموت الأسود. ويعرض ظاهرة الطاعون بحسب الموضوعات بالتركيز على الأماكن التي عاش فيها الناس وعملوا وواجهوا الأهوال.
مؤتمر أبوظبي الدولي الثالث للترجمة.. رؤى وتخصص وتأهيل
تتنوع أشكال الاهتمام بالترجمة ومشروعاتها في الامارات. لكن ما يبرز أكثر في المجال، تخصيص أبوظبي مؤتمرا مستقلا يناقش مسائل الترجمة في العالم العربي، باحثا في محفزاتها وآلياتها وجودتها ومعوقاتها وآليات ازدهارها. وتنتظم في هذا العام، بالتزامن مع فعاليات (معرض أبوظبي الدولي للكتاب)، برامج الدورة الثالثة، تحت عنوان «الهوية والتواصل الثقافي».
إذ تناقش طوال أربعة أيام عمل مجموعة من الموضوعات في الشأن. ذلك مع الاعتناء بتنظــــيم ورش عمل تناقش نصوصاً متخصصة من الإنجليزية والروسية والإيطالية، ويكون إطارها العام (الهوية والتواصل الثقافي)، ويشترك فيها المتخصصون من الشباب العرب، وتُعقد على مدار يومين، وتضم جملة من محترفي الترجمة لا يزيد عددهم على (7)، إضافة إلى استقطاب طلبة من الجامعات الوطنية لا يزيدون على (5) كمستمـــعين مشاركين، إضافة إلى جلسة ختامية بغرض تقييم وعرض النتائج والتوصيات التي خرجت بها الورش.




