مكتبة بودليان هي المكتبة البحثية الرئيسية في جامعة أكسفورد، وثاني أكبر مكتبة في بريطانيا بعد المكتبة البريطانية. وتعد بين مكتبات الإيداع المعتمدة لكل الأعمال المنشورة في إنجلترا، كما أنها مخولة بالحصول على نسخة من كل كتاب ينشر في جمهورية إيرلندا. وينظر إليها بحاثة كثر، على أنها (قبلة علماء أوروبا ومفكريها).
وتحتل المكتبة مجموعة مبان مؤلفة من خمسة تقع قرب شارع برود بأكسفورد، وتعود عمارتها إلى أواخر العصور الوسطى، كمكتبة ديوك همفري، ووصولاً إلى ثلاثينيات القرن الماضي، كعمارة مكتبة «بودليان الجديدة» (مكتبة وستن حديثاً)، المبنية على شكل «زاكورات» من تصميم المعماري سير غيلس غلبرت سكوت.
موجز تاريخي
وفيما يحدد الباحثون تاريخ تأسيس مكتبة بودليان بشكلها الحالي بعام 1602م، تشير الأدلة التاريخية إلى أن أول مكتبة في أكسفورد أسسها توماس كوبهام في القرن الرابع عشر.
وهذه مرت بفترة ازدهار عندما تبرع الدوق همفري (شقيق ملك إنجلترا هنري الخامس) بمجموعة كبيرة ضمت 281 مخطوطة، مما استلزم تأسيس مكتبة جديدة سميت بـ «مكتبة همفري» لا تزال تحمل الاسم نفسه، على الرغم من تدمير كامل مجموعة الدوق، في إطار حملة الكنيسة الإنجليزية لإزالة كل أثر كاثوليكي في عهد الملك إدوارد السادس.
وأعاد توماس بودلي، وهو رجل دولة وعالم إنجليزي، تأسيس المكتبة في عام 1602م، متبرعاً بالعديد من الكتب والمخطوطات والأموال..
وطبع أول فهرست للمكتبة في عام 1605، وطبعة هذا الفهرست في عام 1620 وصلت إلى 675 صفحة، ذلك أن بودلي كان قد وقع اتفاقاً مع «ستايشينورز كومباني أوف لندن» يجري بموجبه إيداع نسخة عن كل كتاب ينشر في إنجلترا ويسجل لدى الشركة في مكتبة بودليان، وهذا الاتفاق شكل بداية تكوين مجموعة متكاملة للمكتبة.
ومع تدفق الكتب، شهد المبنى القديم عدة توسعات في القرن السابع عشر، كان آخرها في عام 1634 بما يعرف بـ«سيلدن أند»، تيمناً بالمحامي جون سيلدن ( 1584-1654) الذي أهدى المكتبة 8 آلاف كتاب، ومع وصول مجموعة كتب ومخطوطات عديدة من إيرل بمبروك الثالث (1629)، وسير كنلم ديغبي (1634) وأسقف كانتربري وليم لود (1635)، وغيرهم، أصبحت قبلة للعلماء من كل أنحاء أوروبا في ذاك العصر.
ثم في عام 1860، استولت بودليان على مبنى ملاصق يعرف بقاعة رادكليف، ثم أجرت أعمال توسعة تحت القاعة وساحة رادكليف. وشيدت مبنى جديدا في اسفل «بودليان الجديد» لتخزين قرابة 60 % من الكتب تحت الأرض، مع نفق وناقل ميكانيكي للكتب، للربط بين المبنى الجديد والمبنى القديم، أغلق في عام 2010.
وفي عام 1975 جرى الاستحواذ على: مبنى كلارندون ومبنى «مطبعة جامعة أكسفورد» المشيد عام 1712-1713، وأصبح الوسط التاريخي للجامعة تابعا بالكامل لمكتبة بودليان.
وكانت المكتبة منذ العام 1911، إحدى المكتبات الست لإيداع الكتب التي تصدر في المملكة المتحدة، وذلك بموجب قانون حقوق الطبع.
كنوز المحتويات
وتشتمل مكتبة بودليان في الوقت الحالي، على ما يزيد على 8 ملايين مادة، تغطي مسافة 117 ميلاً من الرفوف، ومنها حوالي 60 ألف مخطوطة تركز على العلوم والتكنولوجيا والطب والرياضيات والفيزياء والفلك واللاهوت والقانون، والمكتبة تمكنت من الاستحواذ على مخطوطات أصلية لمشاهير المؤلفين الإنجليز، كما تزخر بمجموعة مهمة من كتب الأطفال والأدب الشعبي بمجموعة تزيد على 30 ألف أغنية شعبية.
ولبودليان أيضاً، خامس أكبر مجموعة من الكتب النادرة الصادرة قبل عام 1500م في العالم، بما يصل إلى 5623 كتابا، وبعضها بنسخ عديدة، ومن أهمها: إنجيل غوتنبرغ وكتاب ترانيم باي (واحد من 11 نسخة متبقية للكتاب الأول المطبوع في أميركا الشمالية). أما أهم عناصر مجموعة المكتبة من الكتب الأدبية المطبوعة القديمة، فهي الورقة الأولى لشكسبير، من 36 مسرحية تعود لعام 1623.
مخطوطات شرقية
والمخطوطات الشرقية الموجودة في المكتبة، تتألف من مواد من الشرق الأوسط وآسيا، بما في ذلك كتب ومخطوطات بلغات مثل العربية والعبرية والصينية والسنسكريتية والأرمنية والجورجية والفارسية والتركية. ووفقا لكتاب صادر عن مكتبة بودليان لمؤلفه كيث إي سمال..
فإن أكثر من 50 مخطوطة في المكتبة تعد من أقدم مجموعات المصاحف المحفوظة في العالم الناطق باللغة الإنجليزية، وهذه تتراوح ما بين مصاحف مخطوطة على أوراق نفيسة من أوائل العصور الإسلامية.. ومن القرن الثامن عشر.
وبين المخطوطات العربية هناك أيضا أوراق بردى قديمة تتضمن مخطوطات مسيحية، بينها حوالي 300 نص بالكرشوني.. ونصوص عربية قبطية، وهذه تشمل أقدم نسخة لنص مسيحي من شمال مصر من إنجيل توما من القرن الثاني وأوائل الثالث، الميلاديين.
المجموعة العربية
وعلى مدى تاريخ المكتبة الذي يمتد إلى 400 عام، كانت مجموعة المكتبة من المخطوطات العربية تتزايد تباعاً. وعندما افتتحت «بودليان» في عام 1602 كان بين مقتنياتها مخطوطة للمصحف ومخطوطتان فارسية وتركية. ومع بدء العقد الثاني من القرن الثامن عشر، أصبح لديها أكثر من 1500 مخطوطة عربية.
وزادت مجموعات المكتبة 147 مخطوطة عربية و74 فارسية وتركية من مجموعة وليام لود بدءا من عام 1635. ووصل أكثر من 150 مخطوطة بالعربية والفارسية والتركية إلى المكتبة من مجموعة جون سيلدن. وفي عام 1678 اشترت المكتبة مجموعة المستشرق توماس غريفز واخيه جون..
ومن بين أهم مقتنياتها مخطوطة جداول النجوم لوليغ بيك ونسخة مصورة من «يوسف وزليخة» للشاعر الجامي المتوفي عام 1492. وفي عام 1692، اشترت بودليان مجموعة إدوارد بوكوك، بأكثر من 400 مجلد معظمها باللغة العربية.
وبين كنوز مجموعته «كتاب روجر» للإدريسي يعود لعام 1553م بخرائطه الرائعة التي جرى نسخها في سوريا عام 1354. ومن بين المجموعات العربية المهمة، هناك مجموعة روبرت هاتنغتون (1693)، بـ600 مجلد وضمت مواد نادرة مسيحية، باللغة العربية، ومخطوطة عن الأسلحة لصلاح الدين الأيوبي.
وأهم المخطوطات العربية في المكتبة تتناول مجالات الفلك والطب والرياضيات، وهي: أقدم نسخة من «كتاب صور الكواكب» للفلكي عبد الرحمن الصوفي تعود إلى 1009 خطها نجله، «كتاب الجبر» للخوارزمي -المخطوطة تعود لعام 1342م، ترجمة «كتاب الحشائش» لديوسكوريدس لحنين بن إسحاق في القرن ال9 ..
وجرى نسخها عام 1240 في مدرسة النظامية، «كتاب الإفادة والاعتبار» لعبد اللطيف البغدادي المتوفى عام 1231 المخطوطة بخط يده وتعود إلى القاهرة عام 1204م، «خلق الإنسان» عمل طبي من تأليف سعيد ابن هبة الله أبو الحسن ونسخت المخطوطة في بغداد 1167م، كتاب «غرائب الفنون وملح العيون» لمؤلف مجهول عام 1030..مع رسوم فلكية وخرائط، كتاب الأجهزة الميكانيكية لإسماعيل ابن الرزاز الجزري المتوفى 1206 ترجم سنة 1486، (المقامات) للحريري المتوفى 1122 ونسخت عام 1337.
ويعتقد أن مقتنيات بودليان من المخطوطات العربية، تصل إلى 2350 مخطوطة. أما الكتب القديمة النادرة المطبوعة باللغة العربية..
فأهمها نسخة من أول كتاب طبع بالعربية في عام 1514، و74 عملاً عربياً من 150 مجلداً وصلت المكتبة تقدمة من الخديوي إسماعيل عن طريق نجله الأمير حسن، الذي كان يدرس في الجامعة. وصدر عن المكتبة فهارس عن المخطوطات العربية، أهمها: «فهرست المخطوطات العربية» الصادر عام 2011، «المخطوطات الموسيقية العربية» الصادر عام 1925.
تفرد
من بين أهم المخطوطات في المكتبة مجموعة إياس اشمول (1617-1692)، ومجموعة توماس كارت (1686-1754)، وفرانسيس دوسي الذي منحها 18 الف كتاب مطبوع و393 مخطوطة عام 1834، أسقف كانتربري وليام لود عام 1635، ومجموعة رسائل الشاعر برسي شيلي، مجموعة مخطوطات بودلي.
وتنفرد المكتبة بمخطوطات فردية لا تقدر بثمن، من أهمها: لوديانوس (المخطوطة مكتوبة ما بين 534 و716 ميلادي)، ولود (مخطوطة مكسيكية من القرن الخامس عشر)، مندوزا (مخطوطة عن حياة الازتك من القرن السادس عشر)، اقدم مخطوطة بنص كامل للأناجيل الأربعة بالقبطية والعربية لعمل يعود لعام 1174) ..
معروفة باسم «اهانتغتون أم إس 17»، الوثيقة العظمى للحريات (ماجنا كارتا) بأربع نسخ أقدمها على ورق نفيس يعود إلى عام 1217، نشيد رولاند (أقدم عمل مهم متبق من الأدب الفرنسي يعود لما بين 1140 و1170)، مخطوطة فرنون أطول وأهم مخطوطة مكتوبة في اللغة الإنجليزية في العصور الوسطى عن غزو النورمانديين حتى القرن الخامس عشر، مخطوطات إغريقية لأناجيل من القرن التاسع إلى الثاني عشر.
مخطوطات عربية قديمة للفارابي والأنصاري والفرغاني والأصفهاني
تضم قائمة المخطوطات والمؤلفات العربية التراثية في المكتبة، مجموعة مهمة، ومن بينها: «مقالة في أغراض ما بعد الطبيعة» للفارابي (طبعة 1630م)، «الإعراب في قواعد الإعراب» لجمال الدين ابن هشام الأنصاري (708هـ) طبعة من القرن الثامن عشر، «في جوامع علم النجوم» للفرغاني 1288 م، «كتاب البلهان» جمعها عبد الحسن الأصفهاني مع رسومات للكوكب من القرن الرابع عشر..
«كتاب الكافي في الطب» لمحمد بن زكريا الرازي 925 م، «تذكرة الكحالين» لعلي بن عيسى الكحالي عن طب العيون (1010م)، «كتاب المسائل في الطب للمتعلمين» لحنين بن إسحق العبادي 1294م، «شرح تشريع القانون» لابن النفيس 1333 م، «كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف» لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي عن الطب 1465 م، «كتاب كامل الصناعة الطبية» لعلي بن عباس المجوسي 1280 م، «القانون في الطب» لابن سينا 1276 م، «كتاب الماية في الصناعة الطبية» لأبي سهل عيسى بن يحيا المسيحي 1196 م، «ترجمة الحكماء وروضة الأطباء» لقطب الدين الشيرازي 1307م.
نسخة عربية عن كتاب أبولينوس في الرياضيات تعود لعام (1070)
ورثت مكتبة بودليان، وفي عام 1714، 700 مخطوطة تعود للأسقف نارسيسوس مارش، بينها نسخة عربية عن كتاب أبولينوس في الرياضيات تعود لعام 1070، وكتاب النجوم الثابتة لعبد الرحمن بن عمر الصوفي. ومن بين المقتنيات العربية من القرن الـ17 المجلدات السبع لـ(ألف ليلة وليلة) من مصر. وفي عام 1878 و1884، استحوذت المكتبة على أول مخطوطة بردى بالعربية من مصر، ومقتنيات المكتبة الآن منها أكثر من 90 مخطوطة من القرن الثامن إلى العاشر ميلادي.
ومن ثم، في القرن العشرين، حصلت المكتبة على النسخة العربية من «الحشائش لديوسكريدس» من مكتبة سير وليام اوسلر، كما تمكنت المكتبة عام 2002 من شراء كتاب «غرائب الفنون وملح العيون»، المخطوطة العربية من أواخر القرن الثاني عشر بخرائطها النادرة.




