يمثل دير الآباء الدومنيكان، الذي تأسس في القاهرة، أوائل الثلاثينيات من القرن الميلادي الماضي، نافذة حضارية وإطلالة على جوانب المعرفة الإنسانية بكافة وجوهها. ويضم الدير أكبر وأعظم مكتبة إسلامية، هدفها تقديم خدمة إنسانية بعيدا عن اختلاف العقائد والصراعات الطائفية، وسعيا لإقامة علاقات ثقافية وبناء جسور صلبة وقوية تسعى إلى ترسيخ ركائز متينة للود والتقارب وإعادة الحياة للعلاقات الفكرية بين الطرفين.
وتنبع أهمية المكتبة من تصميمها على أحدث الطرز العملية والمكتبية. إذ تحوي قاعة واسعة للقراءة، وأخرى لحلقات الدراسة الخاصة بالباحثين والطلاب، وفُهرست الكتب وفق آليات وركائز عمل برنامج يبث على الإنترنت باسم موقع الكندي لتيسير مجالات البحث، وهو ما يمكن الدارسين من اختصار الجهد المبذول في البحث عن مراجع معينة.
غنى

تضم المكتبة تقسيمات عديدة في مختلف فروع الثقافة العربية، من بينها: اللغة العربية، الإسلاميات، القرآن والحديث، الفقه، الفلسفة الإسلامية، علم الكلام، التصوف، تاريخ الإسلام، الكتب الغربية المتأثرة بالثقافة العربية والعكس صحيح، الفن العربي الإسلامي، وعلم العمارة. ويوجد في المكتبة أكثر من 125 ألف كتاب و50 مخطوطا..
إضافة إلى عدد لا يحصى من المجلات والدوريات والمنشورات، ومنها ما توقف صدوره ومنها ما لا يزال يصدر وتتابعه المكتبة. كذلك تحرص مكتبة الدير على إقامة علاقات ثقافية ممتدة، في جميع المراكز البحثية في العالم، من اليابان إلى أوروبا وأميركا.
مكتبة للجميع
يقول أمين مكتبة الدير، الأب رونيه فانسان دو جرانلوني: الدير يفتح أبواب مكتبته العملاقة ومعهده المتميز لاستقبال المثقفين المصريين وكبار رجال الدين، مسلمين كانوا أو مسيحيين.. ومتخصصين في الإسلام أو في غيره من العلوم الفلسفية. وكذا أمام باحثين كثيرين من جميع أنحاء العالم.. فدراسة التراث العربي الإسلامي الأدبي أو العلمي أو الفلسفي، منبع التيارات والمذاهب المعاصرة، تسمح ببناء جسور صلبة بين الثقافتين الإسلامية والغربية.
وأشار الأب إلى أن المكتبة بعد أن ضاقت بمقتنياتها، تقرّر إنشاء مكتبة جديدة افتتحت في أكتوبر عام 2002 عقب تجديد مبناها، وشارك في الافتتاح وزير الأوقاف المصرية وبطريرك الكرازة المرقسية في مصر، وحضر خصيصا من روما الكاردينال موسى داؤد رئيس مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان.
وعن سبب اقتصار المكتبة على استقبال طلاب السنة النهائية في الكليات المصرية والدرجات العلمية الأعلى، أكد الأب رونيه أن السبب هو حرص الدير على تقديم مستوى خدمات أفضل، والتأكد من وجود دافع علمي لدى زوار المكتبة.
2013
وفي عام 2013 شرع المعهد ببرنامج بحوث بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، يهدف إلى وضع 200 مؤلف من التراث الإسلامي الكلاسيكي، في داخل سياقهم لمساعدة الطلاب الباحثين على قراءتهم في شكل أدق.
وإلى جانب المكتبة أسس المعهد ما يعرف بـ«ميزون ديس تشيرتشيوس»: (Maison des chercheurs)، أي بيت الباحثين الذي يتيح للطلاب أو الأساتذة الأجانب، الاستفادة من إمكانية الدخول المميز إلى المكتبة، في جو من السلام والهدوء اللذين يصعب العثور عليهما وسط ضوضاء القاهرة الكبرى.
أعلام
تتمتع مكتبة الدومنيكان بتاريخ عريق؛ إذ تردد عليها أعلام الفكر المصري والعربي، وتخبرنا دفاتر زيارات الدير والمعهد والمكتبة، أن المكان بأضلاعه الثلاثة، كان قبلة لرواد الفكر والإعلام المصري والعربي، من علماء الدين الإسلامي أمثال الشيخ عبدالحليم شلتوت شيخ الأزهر سابقا، ومن رجال الأدب والعلم المصري المبرزين، أمثال الدكتور طه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم..
عطفا على بعض المفكرين المصريين الكبار، ومن بينهم: الدكتور لويس عوض، سلامة موسى. أما الكاتب الموسوعي أنيس منصور، فجمعته صداقة عمر خاصة بالأب قنواتي، وذكر ذلك بتفصيل كبير في كتابه «في صالون العقاد كانت لنا أيام». أما روائي مصر الأشهر، نجيب محفوظ، فله قصة وعلاقة خاصة مع الآباء الدومنيكان في مصر، والذين لفتوا أنظار الغرب الأوروبي، بخاصة إلى أدبه كبير الأهمية..
ذلك أن أول دراسة في العالم الغربي نشرت عن نجيب محفوظ كتبها الأب جاك جومييه بصفته مستشرقاً، ونشرت في عام 1957، وكانت دراسة عن الثلاثية الشهيرة خاصته، وقادت هذه الدراسة لاحقاً، عدداً من الأساتذة والمفكرين والباحثين الفرنسيين لترشيح محفوظ إلى جائزة نوبل للآداب، وفي مقدمهم المستشرق الفرنسي جاك بيرك وأندريه ميكيل.
والثابت تاريخياً، أن نجيب محفوظ لم يكتف ذات مرة، بالتوقيع في محضر الجلسات والزيارات، بل وجه جزيل الشكر إلى الأب قنواتي، على اهتمامه بالاقتراب من الأدب والأدباء. وقر لديه أن الأب قنواتي هو أحد الأوائل الذين اكتشفوا موهبته، وأشاروا إليها، وقدموه إلى العالم الخارجي من خلال صداقاتهم الفكرية مع المؤسسات الغربية.
وكان البابا تاوضروس الثاني، قد أشاد على هامش الاحتفال الستيني لمعهد الدراسات الشرقية، بالمكتبة، ولافتا إلى أن «بيتا بلا مكتبة مثل جسد بلا روح.. وأن إحدى علامات تقدم الدول وتميزها هي أنها تحتضن مكتبات على مستوى راق».
وقال: الذين يعملون في مجال الدراسات ومجال البحث والقراءة، الأعوام تزيدهم معرفة وتزيدهم عمقاً على المستوى الروحي والإنساني، وأنا سعيد أنه على أرض بلادنا مصر، يوجد مثل هذا المعهد البحثي الذي يقدم هذه الخدمة الجليلة التي تربط بين المعرفة المسيحية والمعرفة الإسلامية على المستوي الإنساني.
جهات مجتمعية وعلمية تنجز المبنى الجديد

أنشئت مكتبة الدومنيكان في القرن الماضي، وبعد أن ضاقت بمقتنياتها، كان لا بد لها من التوسع. فبدأ التفكير في إنشاء مبنى مكتبة جديد، إذ شاركت في تأسيسه جهات علمية عدة، وبذلت جهود جبارة في فهرسة ما تتضمنه من كتب بالأساليب المعلوماتية الحديثة، الأمر الذي بات محل تقدير كبير من جانب الباحثين. وافتتحت في أكتوبر عام 2002.
كما شارك في الافتتاح وقتها، وزير الأوقاف المصري، آنذاك، الدكتور حمدي زقزوق، وبطريرك الأقباط الراحل البابا شنودة الثالث، وحضر خصيصاً من روما، مثلث الرحمات الكاردينال موسى داود، رئيس مجمع الكنائس الشرقية في الفاتيكان، في ذلك الوقت.
ويتضمن المبنى الجديد، قاعات وتقنيات وتجهيزات، غاية في العصرية والتقدم. وبمقدورها أن توفر وسائل البحث والمطالعة بايسر وأسرع الأشكال.
تاريخ عريق
بحلول عام 1928 تأسس دير الآباء الدومنيكان بمصر، وكانت ولا تزال دعوته الأولى إلى السعي للبحث في الجوهر الإنساني لا الشكل الخارجي البراق للبشرية.
وكان ذلك على يد الأب الدومنيكاني أنطونين جوسان (1871 - 1962)، على أرض باعها له الملك فؤاد، ملك مصر آنذاك، لإنشاء معهد علمي بجانب الدير حيث إن مساحة الدير تزيد عن 4 آلاف متر مربع. وتوجد فيه واحة نضرة، غير انه وقفت الأحداث العالمية آنذاك، عائقاً بوجه المشروع، حتى عام 1936.
1954
بفضل جهود نوعية للدير، ظهرت في عام 1954، مجلة «منوعات معهد الدراسات الشرقية»، بهدف نشر النشاط العلمي لبعض الآباء الذين أسسوا معهد الدراسات الشرقية، ومذاك حرص الآباء على دراسة تاريخ الفكر العربي والإسلامي، مهتمين بروح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الذي دعا إلى الانفتاح على جميع الأديان وإقامة حوار مع الآخرين والإصغاء إليهم للإثراء الروحي المتبادل.
«آيديو»
قرر هؤلاء الآباء الثلاثة منذ عام 1937 تكريس أنفسهم للثقافة العربية في هذا البلد الإسلامي، بهدف مساعدة المسيحيين على اكتشاف عالم ديني لم ينل حظه من المعرفة والتقدير آنذاك. ونجحوا في تأسيس معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان: (آيديو): (IDEO) بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وبحلول 1953 كانت الرهبنة الدومنيكانية بالقاهرة، تؤسس المعهد الدومنيكاني للدراسات الشرقية (آيديو)، بطلب من الكرسي الرسولي.
