تصنف المرأة في الأدب العربي «محور ثقل» مهم ومتفرد، يعدل كفة الميزان الأدبية ويضيف إليها إثراءً نوعياً. لكن، ورغم ذلك، يصر البعض على قولبة كل إطار أدبي بجنسه..

فينسحب وينعكس هذا على النتاج الأدبي النسوي. إذ إننا نلحظ مسألة مهمة تتمثل في أن الروايات أو الأعمال المسرحية والشعرية، دائماً ما يجري التعامل معها كونها صادرة عن امرأة، وهو الأمر الذي يحيل العمل إلى تصنيف جنسي أكثر من أنه في الحقيقة، محاولة لتصنيف الإبداع أو التعامل معه باعتباره منجزاً فردياً له تجربته الخاصة، دون النظر لجنس بعينه صدر عنه هذا الإبداع.

ويعد مفهوم «التصنيف الجنسوي»، في العموم، والذي من بين فروعه «التصنيف الأدبي بين الرجال والنساء»، مصطلحاً جديداً يعرف في القاموس الإنجليزي بالتمييز على أساس الجنس، وخصوصاً اضطهاد الرجال للنساء. كما أنه في الدراسات النسوية يعد تنميطاً للناس على أساس الجنس، تماماً كما تفعل العنصرية في تنميط الناس على أساس العرق واللون.

(بيان الكتب) يرصد جوانب القضية، من خلال جلسة نقاش موسعة، ضمت عدداً من المبدعات العربيات تناولن ذلك الموضوع في ندوة موسعة، نظمها صالون الأوبرا الثقافي، أخيراً، في القاهرة. إذ كانت الخلاصات الرئيسة اتفاق المنتديات على كون التصنيف الأدبي (بين النساء والرجال)، عملية تكبل روح الإبداع.

في البداية، تشير الكاتبة المسرحية السعودية مالحة عبد الله، إلى أنها ضد الجنسوية بشكل عام، مؤكدة أنه، وكونها ناقدة وكاتبة، فهي تحمل وجهي العملة، لذا تشدد على أن لحظة الكتابة أشبه بلحظة «الوجد الصوفي» أو السوبر وعي من وجهة نظرها، مشيرة إلى أن المبدع في النهاية هو إنسان، لا رجل ولا امرأة ولا جنسية معينة، قائلة: «هذه التصنيفات أنا أمقتها.. إن الإبداع خليط بين العلم والموهبة».

كما أوضحت أنها سبق وكتبت كتاباً بعنوان «كيف تكون مبدع» بينت فيه أن لحظة التجلي في الإبداع تكون ناتجة عن الخبرات السابقة، وأضافت إنها صحيح كتبت كتاب «مسرح الرجل ومسرح المرأة» ولكنها جبلت على هذا العنوان، حيث إن المسرح السعودي ينقسم لمسرح خاص بالرجال ومسرح خاص بالنساء، على عكس بقية المسارح المختلطة حول العالم..

كما نشر لها كتاب «مسرح المرأة» الذي حاولت من خلاله تأريخ المسرح الخاص بالمرأة، رغبة في حمايته من التأريخ الخاطئ والتأويلات المدلسة. ولفتت في حديثها، إلى الدور المتبادل بين المرأة والرجل اللذين يجري التفرقة بين إبداعهما، موضحة ذلك بقولها «الرجل قنديل الحياة والمرأة هي الأرض، فلتسقط جميع التصنيفات التي تفرق بين الرجل والمرأة».

تغيير

تؤكد مالحة عبد الله، أن المرأة في الأدب قديماً، كانت لها حقوقها المعروفة، ولم ينظر لها أحد باعتبارها أنثى تقل شأناً عن الرجل، إذ شرحت في كتابها «موسوعة الجزيرة العربية» إن المرأة كانت تسمى القبيلة باسمها مثل «بني عاتقة، وبني جديل، وبنى مرة»..

حيث اعتزوا بها ولم يعتبروا اسمها سبة أو انتقاصاً، بل امتد الأمر لتذهب النساء مع الرجال في الحروب، وكان لهذا الأمر سببان: أن يستبسل الرجل أمامها، أن يتشجع في المحافظة عليها. وهو ما جعل وجود المرأة في الحرب ميزان قوة وليس ضعفاً.

الحل في الطفل

أما القاصة الجزائرية ندى مهري، فتبين أن المرأة في الغالب ينظر إليها عن طريق الشكل، وبالرغم من ذلك فهي لا تجد غضاضة في التقسيم الجنسوي، إذ انه يجب الالتفات إلى المرأة كامرأة من وجهة نظرها، نظراً لأهميتها في المجتمع، فـ«الجندر»: التصنيف الجنسي، هو مصطلح للتعريف بما تعانيه المرأة على وجه الخصوص، مضيفة: «نعم للرجل آلامه ونسانده بحب، ولكن للمرأة على وجه الخصوص أزمات خاصة بها، خاصة في بعض الدول العربية».

وتلفت إلى أن اهتمامها بأدب الطفل على وجه الخصوص كان بسبب قيمه الجميلة، إلا أن التفرقة بين أدب الرجل والمرأة في هذا المجال ستؤثر حتماً على رؤية الطفل؛ فالطفل من وجهة نظرها هو العجينة التي يمكن تشكيلها وترسيخ المبادئ الطيبة فيه، قائلة: «فلندع كلٌ يبدع كما يحب، ولنترك التعريفات التي تعتمد على التفريق بين الجنسين بحد ذاتها؛ لأنها تقلل من المنتج نفسه في النهاية».

المرأة هي السبب

ومن جهتها، الكاتبة والشاعرة السورية قمر القاسم، تشير إلى أنها كتبت بالفعل في قصيدة سابقة لها بعنوان «نهج الأنثى»، أنه لا يوجد شعر أنثوي وشعر للرجال، فالكتابة من وجهة نظرها تختلف في المطلق بين شخص وآخر، وليس بين رجل وامرأة، مؤكدة أن النقد ضعيف في عالمنا العربي، فعندما تكتب المرأة نصاً من السهل أن يكون الرد أن ذلك النص يعود في الأصل لرجل

وليس لامرأة، رغم أن الشعر في حقيقته يحتاج لعاطفة، والمرأة تتميز أكثر من الرجل بتلك العاطفة، وحتى وإن جرى التعامل مع النص على أنه لها، فإنه دائماً يربط بينه وبين حياتها..

وكأنها لا تمتلك مخيلتها الخاصة، على عكس الرجل. وتكمل قمر مؤكدة أن تلك الشائعات هي التي تطلقها المرأة غالباً، لأنها هي التي لا تثق بنفسها في المقام الأول، ما يؤدي في النهاية إلى ذلك الإجحاف والتقليل في حق المرأة في الإبداع والتخيل الذي تتميز به المرأة مع الرجل.

التمييز السلبي

تميل الشاعرة اللبنانية تغريد فياض، في رأيها بالخصوص، إلى أن المرأة المبدعة وصلت بالفعل إلى بعض حقوقها، ولكن النساء المهمشات، في غالبيتهن، يحتجن إلى دعم هن الأخريات، مضيفة إن الوعي والعلم هما كفة الميزان الراجحة لإعطاء الدعم للمرأة، إذ أن التربية هي السبيل الوحيد لمحو تلك النظرة من وجهة نظرها. كما تشير تغريد إلى أنها ضد فكرة الأدب النسوي..

فوضع المرأة داخل هذا الإطار يقدم تمييزاً سلبياً للمرأة نفسها، فالمرأة والرجل نصفين لا يختلف أحدهما عن الآخر، بل يمكن للمرأة نفسها، أن تكتب كل الأحاسيس التي يعانيها الرجل، لافتة إلى أن المرأة لا تطلب حقوقها من الرجل بل من المجتمع بوجه عام، والذي يظلم بدوره الطرفين.

الأقوى

الكاتبة المصرية سحر حلمي، ترى أن تلك النظرة: «الانتقاص من منزلة وقيمة الأدب الذي تنتجه المرأة»، دائماً تأتي من كون البعض يعتقد المرأة ضعيفة، رغم أنه، وعلى العكس، المرأة أقوى، إذ أنها هي من ساهمت في تربية الزعيم نفسه، بل سبق وحصلت هي على مناصب حكومية. وتشدد الكاتبة على أن الغلبة في النهاية للمنتج الجيد، والذي يطرد بدوره المنتج الإبداعي الفاسد.

شاعرات ساهمن في إثراء التراث الأدبي

تكشف الوثائق والمخطوطات والكتب الخاصة بتاريخ العرب، أن المرأة، ومنذ القدم، لعبت كبير الدور في إثراء المجالات الإبداعية الفكرية المتنوعة، ذلك دون أن يكون هناك فرز وتصنيف، بين نتاجها ونتاج الرجل، وهو ما يثبته بوضوح دور المرأة في الأدب خلال العصر الجاهلي الذي برزت فيه الشاعرة الخنساء التي استطاعت أن تحجز مكاناً رفيعاً بين شعراء ذلك العصر..

رغم كونهم فصحاء وطلقاء. وكذا الحال في عصر الإسلام. إذ برزت نساء أديبات مهمات. وتبدى ذلك بقوة في العصر العباسي الذي شهد ظهور شاعرات نافسن الرجال بحق، في عذوبة ألفاظهن وجزالة عباراتهن، مثل: كعَلِيَّة المَهْدِيَّة، رابعة العدوية. وفي غرناطة بالأندلس، ظهرت الشاعرة حمدة بنت زياد بن تقي التي سميت بخنساء المغرب، واعتبرت عالمة عصرها. وهناك ولادة بنت المستكفي.

وأما في العصر الحديث، فكانت الشاعرة نازك الملائكة مثالاً على التطور الذي شهدته القصيدة في العراق، إذ اعتبرت رائدة التطور في القصيدة العربية الحديثة، لتخلفها الشاعرة مي زيادة، والتي مارست النقد، بجانب الشعر، مؤسسة عديداً من النظريات الأدبية، والرؤى الفكرية التي تضيف إلى الشعر العربي، كما ظهرت أيضاً عائشة عبد الرحمن والتي كانت أول امرأة تحاضر في الأزهر الشريف، بالإضافة لحصولها على جائزة الملك فيصل في فرع الآداب.

سهير القلماوي أول فتاة مصرية تحصل على الماجستير في الأدب

كان بروز وعطاء الدكتورة سهير القلماوي، في حقول الإبداع الفكري، نقطة تحول كبيرة في المجمعات العربية، إذ لمعت معها الأدوار الفاعلة للمرأة. فمهدت للجيل القادم من الفتيات الطريق نحو استكمال الدراسات العليا. وهي أول فتاة مصرية تحصل على الماجستير - عن رسالتها في أدب الخوارج في العصر الأموي، ذلك بعد أن كان ينظر إلى الفتيات على أن مكانهن البيت فقط ولا غير.

دور

يوضح نقاد عديدون، أن للمرأة العربية، دوراً حيوياً في حقول الأدب، لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن ينتقص منه أحد. إذ إنها حافظت على استمرار اللغة العربية، بل وعلى مفردات الأدب الشعبي، من خلال الحكايات المتوارثة، التي لاكتها ألسنة النسوة المتعطشات للأدب العربي، تلك الحكايات التي توارثتها النسوة جيلاً عن جيل، فأسهمن معها في حفظ العديد من نصوص التراث العربي الغائب في غياهب المخطوطات.