هل يتجانس الإبداع مع العمل الوظيفي؟ سؤال ربما يجيب البعض عنه بالتأكيد، فـ»أديب نوبل» نجيب محفوظ قضى غالبية حياته في عمله الحكومي، من دون أن ينتقص ذلك من عطائه الأدبي.. بينما يمكن أن يجيب البعض الآخر، برفض هذا التجانس، كما الحال في العديد ممن التقاهم (بيان الكتب)، في هذا التحقيق. إذ شددوا جميعاً على أن علاقة المبدع مع الوظيفة مرتبكة في كثير من الأحيان.. ويؤججها ذخر الإبداع.

 تكثر وتتعدد الأمثلة على الكتّاب الذين ابتعدوا عن الوظيفة، أو لم يستطيعوا أن ينجحوا فيها كما نجحوا في الكتابة، وهؤلاء مثل الشاعر الراحل أمل دنقل، الذي تكشف أرملته عبلة الرويني في كتابها «الجنوبي» الذي يتناول سيرة دنقل، أنه فرح بعد اختياره عضوا في لجنة الشعر، وكان حريصا على مداومة حضور اجتماعات اللجنة..

لكن سرعان ما ملّ، وبدأ يفقد الاهتمام بوظيفته، فالوظيفة والمال أو البيت أو الثروة أو أي طموح مادي أو حتى معيشي، لم يكن من شواغله، فهمه الوحيد وطموحه الأكبر، كان أن يعيش لحظة الإيقاع النادرة بين نثر الحياة اليومية وتوتر الشعر.

صراع

«وبدون تردد بدوس، عالمكسب المحسوس، علشان عيون فكرة، في علم الغيب». هكذا يصف الشاعر فؤاد قاعود منهاج حياته، موضحا أنه لا يهتم بالمكسب المحسوس، بل يمشي في طريق الفكرة ..

ولا شيء سواها، وبعد أن عمل كرئيس تحرير وكتب عدة أغنيات، قرر أن يتوقف عن العمل لأجل الكتابة، وأصبح يكتب لنفسه ولا شيء إلا لهواه، لينشر ديوانه المجمع قبل أربع سنوات من وفاته، وتصبح تلك الكلمات هي الباقية من الشاعر الكبير.

أزمة أصلان

وكأزمة نجيب محفوظ مع الرقابة في رواية «أولاد حارتنا»، واجه إبراهيم أصلان أزمة جعلته يبتعد عن الوظيفة، حدث ذلك بعد أزمة رواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السوري حيدر حيدر، إذ نشرت عن وزارة الثقافة المصرية في سلسلة آفاق التي كان يترأسها آنذاك إبراهيم أصلان..

وعمد مجمع البحوث الإسلامية التابع لجامعة الأزهر إلى إدانة الرواية والقائمين على نشرها، وكنتيجة لكل هذا حُقق مع أصلان، وعندما اشتد الخناق عليه ترك منصبه لأجل الكتابة، تركها وكتب مجموعاته القصصية الشهيرة، وابتعد عن دائرة الأضواء إلى رحابة الكتابة.

وفي الاتجاه ذاته، ربما يصبح الشاعر الراحل نجيب سرور صاحب أكبر المواقف من العمل، فكان دائماً له مواقف ضد السلطة حينها.وبرغم تفوق أنيس منصور في دراسته بكلية الآداب قسم فلسفة، وتعيينه معيداً فيها، إلا أن الوقوف أمام الطلاب لم يكن حلم الكاتب في أعماقه، فاختار أن يخلص للكتابة كمؤلف وكاتب صحفي.

أما صلاح جاهين، فكان يرسل رسم الكاريكاتير للصحف، وعاش طوال حياته يتكسب مما يكتب، سواء من الأشعار والأغاني، أو الأعمال الفنية التي مثل فيها كبار الفنانين، ليخلص للكتابة طوال حياته، وذلك بأن حول هوايته إلى وظيفة حياته كلها.

علاقة مرتبكة

«من الصعب أن يرتبط المبدع بوظيفة محددة». بهذه العبارة بدأ الناقد والأستاذ الجامعي يوسف نوفل، حديثه حول الموضوع، مبرراً ذلك بأن الكتابة ربما لا تتناغم مع أوقات العمل، لأنها لا ترتبط بوقت محدد، كما أن العمل الروتيني لا يتوافق مع عقلية المبدع التي ترفض الجمود ولا تستكين له.

ويضيف أنه، وبرغم ذلك فهناك بعض المهن التي تناسب الكتابة الإبداعية، مثل العمل الأكاديمي الذي امتهنه، فالتدريس في الجامعة يساعد على الكتابة لأنه من صميم عملي، إلى جانب مهنة الصحافة التي لجأ إليها عديد من الكتاب؛ كونها المهنة التي يستطيع من خلالها المبدع، أن يضمن دخلاً يمكنه من مواصلة الكتابة.

أحلام مؤجلة

أما الروائية سهير المصادفة، فتؤكد في حديثها حول الموضوع، أن الدولة لا توفر منح تفرغ للكاتب الذي يرغب في بدء مشروع كتابي كبير، وتوضح أن عملها كرئيسة لسلسلة الجوائز في الهيئة المصرية العامة للكتاب، استنزف الكثير من وقتها وجهدها الإبداعي.

وأضافت: لا أجد وقتاً للكتابة. منذ سنوات وأنا أحلم بالكتابة عن ملحمة أكتوبر التي لم يتطرق إليها أي كاتب بشكل مفصل، ورغم اختمار الفكرة في ذهني، إلا أنني لا أملك الوقت لسكبها على الورق، لذا لا أزال أؤجل مشروعي الذي أحلم به.

أولويات طبيعة أزلية

يتطرق أستاذ الطب النفسي في جامعة القاهرة يحيى الرخاوي، إلى موضوعة وخلفيات تلك القضية - المشكلة، التي واجهت عدداً من الأدباء.. واعترضت حياة آخرين.. وأثرت على حياة ونتاج غيرهم: «نفسية المبدع هي في الأصل تختلف عن نفسية الإنسان العادي، فهو معرض منذ البدء، لعديد من الأمراض النفسية..

ولا يخفى عن أحد إصابة مجموعة من المبدعين بالاضطراب الوجداني ثنائي القطب، لذا لا يحتاج المبدعون لأن يحكم الضغط عليهم من خلال الأعمال التي تتطلب تركيزاً وضغوطات كثيرة، فمن المحتمل أن يصيبهم هذا بتأثير نفسي رجعي، سينعكس حتما في كتاباتهم.

ويتابع: إن الأديب بطبعه لا يهتم بالمكسب المادي، بقدر ما يهتم بالكتابة، فعملية الكتابة بالنسبة له هي الرضا الذي يبحث عنه، لذا لا تجده يفضل الكتابة عن أي عمل، حتى لو كان عملاً مربحاً، إلا لو كان العمل يدور حول الكتابة، مثل الكتابة في الصحف أو تدريس الأدب نفسه، أو العمل في مجال نشر الكتب.. وما إلى ذلك.

رأي مخالف

تتباين أشكال واتجاهات الآراء في خصوص القضية. فهناك أصوات عديدة، ومن بينها أصوات أدبية متخصصة، تؤكد أن التفرغ للكتابة ليس ضرورة أو مثمراً. وفي السياق، يطالعنا مقال للكاتب تشاز نيوكي بيردن، نشر أخيراً في الديلي تلغراف البريطانية، ويسخر فيه الكاتب، كما أدرج موقع 24 الإلكتروني في الإمارات، من الكتابة كمهنة..

وذلك على خلفية دراسة في المجال أعرب فيها 60% من البريطانيين عن رغبتهم في امتهانها. وقال بيردن في الخصوص: «أنا كاتب متفرغ للكتابة منذ تسع سنوات، ولدي عشرات الكتب عن الرياضة والمشاهير والسياسة والكلاب، واسمحوا لي أن أقولها لكم، هذه المهنة لا تبدو لي دائماً مهنة الأحلام، وسأوضح لكم الأسباب». وحصر الكاتب جملة أسباب لرأيه هذا، ومن بين أبرزها:

أولاً: النقود ليست كما تتخيلون، فأنت حين تحلم في أن تصبح كاتباً، ربما تتخيل مقدمات تعاقد بالملايين يمنحها كبار الناشرين. ولكن ما الذي يحصل عليه الكاتب في المتوسط؟

ثانياً: العزلة والمقاطعة، ويستشهد الكاتب هنا بما قاله مارتن أميس: «لكي تكون كاتباً فلا بد أن تحظى بشهية هائلة للعزلة، فكم منا يشتهي ذلك بالفعل؟ أنا شخصياً، كحال كثير من الكتاب، أجد أنني أمقت العزلة، لكنني أكون مستعداً للنهش كأي كلب صيد لحظة أن أرى من يتجاسر على مقاطعة عزلتي.

ثالثاً: إرضاؤك مستحيل، فإذا لم تجد كتبك في متجر، تستاء لعدم عرضها، وإذا رأيت كتابك في متجر، تستاء لأنهم لا يغيرون مكان عرضه.

رابعاً: يضايقك الناس بأفكارهم.

خامساً: الناس جميعاً كتّاب في هذه الأيام، فإذا كان عمرك أكثر من 35 عاماً، فأنت نشأت في زمن كان فيه صناع الكلام مخلوقات نادرة ولهم رهبة، لكن بفضل الكتب الإلكترونية والمدونات والنشر الذاتي، بات الجميع «كتّاباً» الآن.

سادساً: لا «فريق» بل «أنا»، أنت، ككاتب، وحدك، ومعنى هذا أنه ما من زملاء تعهد إليهم ببعض العمل، وما من أحد لتضع الدلو على كتفه.

سابعاً: النقد، فسواء كان المقال لاذعاً أم متملقاً أم فاتراً، ستنتهي مقتنعاً بأن الناقد لم يقرأ كتابك جيداً. وأسرتك وأصحابك وكلبك، كلهم سيتعلمون الإنصات إليك وأنت تحكي وتحكي في هذا الأمر، ولكنك ستكون محظوظاً إن قيل في كتابك أي شيء، فجميع الكتب تقريباً تتعرض للتجاهل.

ثامناً: كلام الناس، فعندما تقابل الناس ويكتشفون أنك كاتب، تواجه نطاقاً معتاداً من التعليقات والأسئلة المثيرة للضيق، سيسخر الناس من مهنتك: «أليست هذه هواية؟ وما مهنتك الحقيقية؟»، وسيحاولون الانتقاص منك: «ولك شيء من أكثر الكتب مبيعاً أم ليس بعد؟»، فإن كان لديك شيء من ذلك، فسيرفعون السقف: «جائزة بوكر، حصـــلت عليها أم ليس بعد؟».

تاسعاً: سيكون التـــعايش مع الضرائب عبئاً ثقيلاً.

عاشراً: لن يكــــون كتابك المناسب، فإذا كنت تؤلــــف كتباً غير أدبية، ستجد من يسألك لماذا لا تؤلــف «الكتاب المناسب»، أي الرواية. وإذا كنت تكتب الأدب، سيسألك شخص لماذا لا تؤلف «الكتاب المناسب»، أي الكتاب الأكاديمي أو التاريخي.

Ⅶ أمل دنقل فرح باختياره عضواً في لجنة الشعر لكنه سرعان ما ملّ وبدأ يفقد الاهتمام بوظيفته

Ⅶ «وبدون تردد بدوس، عالمكسب المحسوس، علشان عيون فكرة، في علم الغيب».. هكذا وصف الشاعر فؤاد قاعود منهاج حياته

Ⅶ واجه إبراهيم أصلان أزمة جعلته يبتعد عن الوظيفة بعد أزمة رواية «وليمة لأعشاب البحر» ولما اشتد الخناق عليه ترك عمله وتفرغ للكتابة

موقف

ربــــــما أن الــــشاعـــــر الراحـــل نجيب سـرور صاحب أكـــبر المــــواقف من العمل، فكــان دائما له مواقف ضد السلطة حينها، إذ إنه لم يهـــادن رؤساءه ولم يعــرف الوسطـيـــة، ليفـــصل من عمله كمدرس في أكاديمية الفنون بالقاهرة، حــــتى عرف في كثير من سنوات حياته، حياة الصعلكة التي أنسها.

ضغوط حياتية وتسويقية تدفع إلى هجر واحة الإبداع

تبين الكاتبة الروائية زينب بليل، أن العديد من الدول العربية، لا تعترف حتى الوقت الحالي، بفكرة التفرغ الأدبي للكاتب؛ وذلك من أجل إنهاء عمله الأدبي المتأخر، كما أن هناك دائما، ضغوطات على المبدع بعد عملية الكتابة نفسها، تطال الطباعة والتسويق، إذ يتكفل بهما صاحب العمل نفسه. وتوضح أنه، وفي جانب آخر، يعد هذا المبدع مسؤولاً عن عائلة يجب أن يعيلها..

وهو ما يؤدي إلى أن بعض المبدعين يضطرون لأن يتركوا العمل الإبداعي برمته من أجل استكمال حياتهم؛ وهذا كون العمل بطبعه يأخذ وقت الأديب بأكمله، ولا يترك له وقتاً للإبداع.. ومن ثم تسويق عمله. وبناء على تلك الاعتبارات، ترى بليل أنه على الجهات المعنية، إتاحة تسهيلات للمبدعين العرب، حتى لا يتحول عديد من الأدباء إلى العمل العام، ومن ثم يتركون عملية الكتابة بأسرها.

مطالبات قديمة متجددة لذوي الإبداع في العالم العربي

مبدعون عرب كثيرون، وفي مجالات أدبية متنوعة، يستمرون في إطلاق نداءات ومطالبات ملحة كي يتفرغوا لأعمالهم الإبداعية ومشروعاتهم الأدبية. إذ يناشدون الجهات التي يعملون ضمنها أو تلك الهيئات الثقافية المعنية بأمورهم، لإقرار قوانين خاصة توفر لهم القدرة على التفرغ لأعمالهم الإبداعية. وتشمل هذه الظاهرة الكثير من الدول العربية..

وهي في العموم حالة عالمية. إلا أننا نجد وفي خضم هذا المشهد، أن هناك مبدعين مبرزين، بقوا في العمل الوظيفي رغم تقديمهم إبداعات نوعية. ومن بين أشهر هؤلاء الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، والأديب الارجنتيني بورخيس. فالأخير استمر العمل في المكتبة يشده ويجتذبه كنمط ولذة حياتية لا تقل أهمية عن الكتابة.