تعددت الأسباب والمنع واحد، فبسبب الدين أو السياسة، أو التقاليد منعت عدة كتب في بعض البقاع من العالم، ليحدث هذا الآن مع عدد من الكتب التي منعت داخل مصر، وخارجها، فالإبداع يواجه العديد من الأزمات مع النشر، تلك العلاقة المتأزمة التي لم يعرف لها كنه معين..
حيث يمنع الكتاب من دون إبداء سبب معين، ثم يعود للنشر مرة أخرى، ومن دون سبب أيضاً، وهو الأمر الذي أثار تساؤلات كتّاب بعينهم، خاصة أنه ليست هناك قواعد معينة للنشر، معروفة. ويبدو أن هذه الظاهرة، حسب نقاد كثيرين، شرعت تستفحل في ظل طغيان اعتبارات ومساقات تقويم محددة.
سوابق
لم يكن المنع وليد الفترة الراهنة، فهناك أمثلة ووقائع كثيرة، في التاريخين، القريب والبعيد. وبذا فإنه واجه عديد من الأعمال المنع على مدار فترات سابقة، ثم ما لبث أن عمد الرأي العام أو الرقابة الجديدة، إلى إعادة نشر تلك الأعمال، مثل كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، والذي جرت مصادرته، إذ كشفت تحقيقات النيابة، آنذاك، عن أن العبارات الواردة بالكتاب لم تكن تهدف إلى الطعن والتعدي على الدين..
وهو ما جعل الدولة المصرية تعدل عن قرارها بالمنع، وكذلك كتاب «تحرير المرأة» لقاسم أمين، الذي منع في عديد من الدول، وهو ما دفع بالكاتب إلى أن يبدأ الكتاب بجملة «سيقول قوم إن ما أنشره الآن بدعة».
وهناك أيضاً، كتاب «الله والإنسان» الذي كتبه المفكر مصطفى محمود إذ أدى إلى اتهامه بعد كتابته بالإلحاد. ولكن اللافت أن هذه الكتب، وبعد أن منعت، عادت وبقوة، إلى الساحة الأدبية، فحازت الشعبية والإقبال الكبيرين، وذلك بعد أن كان قد طالها المنع لفترة من الزمن.
إلى النور
ربما لا تختلف الحال في عصرنا الحالي. فلا تمر فترة طويلة حتى نجد أن مؤلفات كثيرة تطالها قوائم المنع، سواء في معارض الكتب العربية.. أو في مجتمعات ودول بعينها. ولكن المثير أن هذه الكتب، لا يمضي وقت كثير حتى تعود وتتحرر من سجن المنع والحجر عليها. فتنزل الأسواق وتحصد قبولاً نوعياً.
وهكذا فإنه، وبعدما واجه عدد من الكتب الرفض من قبل الرقابة مسبقاً، فإنها ترى النور بعد منع وصل إلى سنوات طويلة. وهناك نماذج وأمثلة لا تحصى في هذا الشان، خلال الفترة المعاصرة. إذ صدر أخيرا للروائي يوسف العقيد روايته «الحرب في بر مصر» بعد منع دام إلى سبع سنوات كاملة، برغم أنها كانت قد نشرت بالخارج بل، وترجمت إلى عدة لغات.
كما حصلت هذه الرواية في وقت سابق على المرتبة الرابعة ضمن أهم مائة رواية عربية في القرن العشرين، وتدور أحداث الرواية حول ابن الخفير الفقير الذي يرسل إلى الجندية لغاية المشاركة في حرب أكتوبر، ذلك بدلا من ابن العمدة، وعندما يستشهد في الحرب، يبدأ نزاع حاد في داخل القرية عمن يستحق الوسام والتقدير، هو أم ابن العمدة.
وفي السياق نفسه، نتبين كذلك، أنه واجهت رواية «برج العذراء» للروائي إبراهيم عبد المجيد منعا مماثلا، منذ ثلاثة عشر عاما، بسبب تطرقها إلى الحديث في مسائل «الجنس»..
والذي يعد أحد التابوهات التي لا يمكن الحديث عنها في البلاد العربية، إلا أن الرواية أعيد فهمها وتقييمها في نهاية العام الفائت، وذلك بعد أن أكد إبراهيم عبد المجيد، وفي مرات كثيرة، أن الرواية سيريالية حيث تدور أحداثها حول مجموعة من الشبان قد تعرضوا لانتهاكات عذرية.
لماذا؟
ويوضح شريف جوزيف - رئيس دار التنوير، في حديثه إلى ( البيان)، خاصة بعد أن منع جاز الرقابة، نشر ثلاث روايات صادرة عن الدار، أن المنع يطال الروايات الأجنبية أيضاً..
مبيناً أن أسباب المنع غير معروفة. فالدار، كما يشير تتبع لائحة لجنة الرقابة على المطبوعات، غير المعلنة، وفي كل عام تمنع وتحول بعض الكتب للمراجعة، ويجري الإفراج عنها إذا ما ثبت خلوها من ما تنص عليه اللائحة، من تعدٍ على الحريات أو الأعراف العامة وغيرها.
المنع يخلق رواجاً
ويبين كتاب مبرزون أن ظاهرة المنع بالنسبة للكتب، تفيد المؤلفات التي يطالها القرار، حيث تزيد من شعبيتها وتضاعف الإقبال عليها. فبرأي هؤلاء أنه أثبتت الأحداث أن الكتب حين تمنع تصبح أكثر رواجا، وهو الأمر الذي يشجع القراء على السؤال عنها، والسعي إلى اقتنائها ومن ثم الحصول عليها، بأي شكل، فقراءتها.
ومن بين ابرز الأمثلة في الخصوص، ضمن العالم العربي، منع كتاب «الحرب القذرة» الذي كتبه حبيب سويديه، إذ إن الكتاب ما لبث إثرها، أن حصد وبسبب هذا المنع، ارتفاعا كبيرا في نسبة المبيعات، وهو ما يؤكد العديد من النظريات التي أثبتت أن منع الشيء سيخلق له الرواج.
هل تجدي الرقابة؟
لكن.. في ظل إتاحة المعلومات على الفضاء الإلكتروني وسهولة توصيل أي مادة بأي محتوى، هل يصبح للرقابة أهمية في عرض كتب معينة دون غيرها؟
يقول أحمد عزت - مدير الوحدة القانونية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، إن بعض القوانين الخاصة بحرية الإبداع يجب تعديلها، ذلك مثل المادة 178 من قانون العقوبات المصري، التي تمنع تداول مطبوعات تخل بالحياء العام، فالداخلية يحق لها منع المطبوعات التي تصدر داخل مصر، وأن تحيلها إلى النيابة العامة، والنيابة العامة هي التي من حقها تأييد أو إلغاء الضبط.
وبدوره، أعرب الكـــاتب يوسف القعيد عن رفضه للرقابة من الأصل، مؤكدا أن وجودها يؤسس لمجتمع متشدد يرفض الفكر الآخر، حيث إن المجــــتمع قادر من وجهـــة نظره، على التمييز بين الغث والثمين، وذلك لن يتأتى إلا بإتاحة الحرية الكاملة له في اختيار الأعمال الأدبية.
«محاكمة طه حسين»
لا تزال قصة منع كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي»، ومحاكمة عميد الأدب العربي، محط معالجات ودراسات وإشارات، مستفيضة، من قبل نخبة النقاد والكتاب العرب. إذ إنها حادثة شكلت محطة مهمة في تاريخ وساحة الفكر والثقافة في عالمنا. ومثلت نقطة اتصال بالفكر العربي، بمجرياته وما شهده من حكايات وأحداث في الخصوص، منعت معها وفي ضوئها، كتب كثيرة.
ومن بين أبز الأعــــمال المعاصرة في الصــدد، كتاب «محاكمة طه حسين » للروائي المصري خيري شلبي كتابه. إذ يدرس ويفصل فيه، حيثيات قرار النائب العام في شان كتاب «في الشعر الجاهلي». وكان لافتاً أنه أثار كتاب شلبي، اهتماماً وجدلاً كبيرين، في المحافل الأدبية والثقافية المصرية والعربية.
ذلك خاصة وأن شلبي يعتني في معالجاته، بالتركز على سرد وشرح وتوضيح ملابسات القضية من بدايتها وإلى نهايتها. ولكنه يستبق هذا جميعه، بوقفه موسعة، يتحدث فيها عن حبه وولعه الشديد بالكتب، خاصة القديمة منها، وأمهات الكتب. وهو ما يدفعه دوماً، للتفتيش والبحث في المكتبات والمحال المتخصصة، عن الكتب والمؤلفات القديمة.
ويحكي عن واقعة مهمة حين وقع في يده كتيب صغير قائلاً انه :«كتيب صغير جداً لا يزيد عن ملزمة واحدة، أشبه بإمساكية شهر رمضان، مطبوع على ورق أصفر رخيص، ومكتوب على غلافه.. قرار النيابة في الشعر الجاهلي..بإمضاء محمد نور (النائب العام الذي حقق مع طه حسين)».
ويبــين خـــيري شلبي أنه حين عثر على الكـــتيب وقـــتها، شعـــر وكأنه ظفر بما لم يظـــــفر به غيره، إذ هـو كنــز ثمين. ولا يغفل شلبي الحديث عن الإلمام والثــــقافة المميزين للنائب العام.
ويشرح أن القضية ليست جنائية بالمرة، وأنها قضية غير عادية وان الحكم فيها تبعاً لذلك يحــــسمها لمناصرة الموقف العلمي وحرية البحث العلمي، بل وانه رأى ان نشر الحكم في كتاب يحسمها لصالح الديمقراطية ومستقبل البلاد.
ويؤكد شلبي أن اندفاع وتشجيع صديقه رجاء النقاش، وحماسته للكتاب بمجرد رؤيته للعنوان وهو لا يزال مخطوطاً، كانت الحافز المهم في هذا الشأن، لجعله ينشر الكتاب، وذلك في أوئل سبعينيات القرن الماضي، في مجلة الهلال، ووضع على الغلاف صورة طه حسين بين القضبان، وكتب تحته: طه حسين أمام النيابة.
كما أنه فاجأه بنشر الكتاب في المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وكان النقاش مستشاراً لها آنذاك. وصدر الكتاب في طبعة محدودة «ثلاثة آلاف نسخة». ثم، وبعد 20 عاماً، وفي 1993، جاءت الطبعة الثانية للكتاب، وهو ما أسعد الكاتب بشدة لأنه يرى «أننا اليوم أحوج ما نكون لضرب مثل هذا المثل: طه حسين كزعيم تنويري مناضل من جهة، والنائب العام المحترم الذي قابله من جهة أخرى».
نماذج
تشتمل قائمة الكتب الممنوعة على مجموعة كبيرة من المؤلفات، ومن بين أبرزها، باقة كتب أعيد النظر فيها، وحذفت من قوائم المنع. ومن بين المؤلفات التي منعت: دوائر الخوف قراءة في خطاب المرأة - نصر حامد أبو زيد، أوراق حياتي - نوال السعداوي، الخطاب والتأويل - نصر حامد أبو زيد ( من الكتب التي تسببت بتطليق المؤلف من زوجته بعد اتهامه بالردة وهروبه من مصر ).
قصة الخلق من العرش الى الفرش - عيد ورداني، ماذا يعني علم الاستغراب ؟
- حسن حنفي، حوار المشرق والمغرب - حسن حنفي، سبزاباد ورجال الدولة البهية - مي محمد الخليفة، الردة في الإسلام - حسن غريب، كنا في زمن أحباب ويوميات امرأة مطلقة - زينب صادق، السوق الداخلي - محمد شكري، الشطار - محمد شكري، فرسان بلا معركة - الصادق النيهوم، قراءات نقدية في فكر حسن حنفي جدل الانا والآخر، المفاجأة - محمد عيسى داود، السياسة بين الحلال والحرام - تركي الحمد.
«المصير».. للأفكار أجنحة تجعلها عصية على الردع
تتجسد ممارسات المنع وتطبيقاته، على الكتب، في تاريخنا العربي، بأشكال كثيرة، منها ما ظهر وحشياً. وهو ما عكسته أعمال ابداعية متنوعة، ومن بين أبرزها فيلم الراحل يوسف شاهين:«المصير »، في العام 1997. إذ تدور أحداث الفيلم في الأندلس في القرن الثاني عشر، حول الفيلسوف العربي ابن رشد، الذي كان قاضي قضاة قرطبة.
ويصور الصراع الذي دار بين التوجه الفكري المتمثل بابن رشد المنادي بالاجتهاد، والتوجه الفكري المتمثل بالشيخ رياض، الداعي إلى التمثل بالسلف. وينتهي هذا الصراع، حسب التفاصيل المدرجة في موسوعة (ويكبيديا) الإلكترونية، بإحراق كتب ابن رشد. ويوضح يوسف شاهين من خلال الفيلم الذي شارك أيضاً في كتابته، أن الأفكار لا يمكن ردعها أو محاربتها مثل الجيوش.
وذلك لأن للفكر أجنحة (كما ذكر على لسان أبطال الفيلم). ويتضح ذلك في نهاية الفيلم وهي أنه بالرغم من حرق كتب ابن رشد في الأندلس إلا أن نسخاً منها حفظت في مصر. وكتب يوسف شاهين هذا الفيلم رداً على ما حدث لفيلمه السابق في وقتها، وهو (المهاجر)، الذي منع من العرض في دور السينما.
اشترك الفيلم في العديد من المهرجانات الأوروبية. وحاز على جائزة بمهرجان أميين ورشح لجائزة السعفة الذهبية. كما كرم الراحل يوسف شاهين بجائزة خاصة في الذكرى الـ 50 لـمهرجان كان السينمائي.
الرقابة تمنع 3 كتب قادمة من بيروت
منع جهاز الرقابة المصري، وفي نهاية شهر أغسطس الماضي، ثلاث روايات لدار التنوير من النشر. وذلك عقب وصولها من مطابع الدار في بيروت..
وهي : كتاب «مدخل إلى السيموطيقا» من إعداد المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد، دراسة بعنوان «في مدح الحب» للفيلسوف الفرنسي ألان باديو، رواية «المبرومة» للأديب ربيع جابر، وطبعا اتى المنع بلا ذكر للأسباب التي دعت الى اتخاذ هذا القرار، كما انه صدر بحق تلك الكتب تحديدا، رغم السماح بدخول بقية الكتب القادمة من بيروت.




