في أول يوم « ثلاثاء» من كل شهر تشهد ساحة «اتنيه» بوسط العاصمة السودانية الخرطوم، حراكاً ثقافياً مختلفاً، حيث يعود النبض إلى قلب العاصمة الذي بات مهجوراً بعد ترحيل مواقف المواصلات إلى خارجها، وعزوف أعداد مقدرة من المقاهي عن العمل، حيث يؤم الساحة التي تحتضن معرض «مفروش» أعداد مختلفة من جمهور غفير من مختلف الفئات، جمهور ربما لا تراه في أي معارض أخرى للكتاب.
و« مفروش» هو معرض لبيع واستبدال الكتاب، يفترش فيه الباعة ساحة «اتنيه» الشهيرة، غير أن الفعالية غابت في شهر فبراير، بعد أن أمرت الأجهزة الأمنية منظمي المعرض بالحصول على تصديق أمني، رغم التصديق الممنوح لهم من قبل وزارة الثقافة.
يعتبر «مفروش» أحد أنشطة «جماعة عمل الثقافية»، وهي جماعة غير ربحية تعنى بالشأن الثقافي، ولكنه أصبح العمل الجماهيري الأكثر نشاطاً، ويعد الفنان التشكيلي عبد الله محمد الطيب، الأب الروحي لـ«مفروش»، ان نجاح مفروش مرده كونه استجاب لحاجة المهتمين بالشأن الثقافي والمعنيين بالقراءة...
كما أنه يضفي حيوية على وسط المدينة الذي بات شبه خال من الرواد، بعد ان افتقدت العاصمة «الخرطوم» للأنشطة الثقافية والملتقيات والأندية والمقاهي، بالإضافة الى ان أسعار الكتب التي تعرض في مفروش في متناول الجميع، مقارنة بأسعار المكتبات والمعارض الدورية، والزائر لمفروش يلحظ بسهولة، بساطة العرض.
وتنحصر التكلفة المادية في ما يتطلبه توفير عدد من قطع الكشاف الضوئي. وهو ما يجعله نشاطاً غير مكلف - كما يقول الطيب - مقارنة بكلفة بقية الأنشطة الثقافية الأخرى، ولكن في الوقت ذاته، يمكن أن يحدث خصم على الأنشطة المصاحبة لـ«مفروش».
1903
بعد مرور عامين على بداية «مفروش»، أقامت جماعة عمل التي تنظم المعرض نشاطاً ضمن المتحف القومي. ويقول الطيب، بأن مفروش جاء في وقت تشهد فيه الخرطوم إغلاقاً لعدد من المكتبات العريقة، كمكتبة «سودان بوكشوب »، والتي قاربت المئة عام على افتتاحها (منذ 1903). فالعاصمة التي كانت تقرأ، حسب الطيب، أشاحت بوجهها عن المكتبات، لذا جاء مرور عامين على مفروش، مناسبة لبعث الروح في المكتبات.
غير أن جماعة عمل الثقافية هذه، تعاني إشكالات تعوق العمل الثقافي عموماً. كما جاء في حديث الطيب، خاصة في ما يتعلق بالكتاب، فالعمل الثقافي عمل غير تجاري ويحتاج إلى دعم من الدولة، غير أن الدولة عمدت إلى رفع يدها عن دعم الأنشطة الثقافية، فالثقافة ليست من أولويات الدولة، كما يقول الطيب، بل أصبحت الشركات التجارية داعماً للعمل الثقافي..
وهو ما ترفضه جماعة عمل التي قال إنها لا تقبل تمويلاً من أي جهة ليست الثقافة أساس عملها، حيث يصبح الأمر كالقيام بالدعاية والعلاقات العامة لشركات ليست فوق مستوى الشبهات..
وفقاً للطيب، ورغم أن مفروش احدث حراكاً في المشهد الثقافي إلا أن الطيب يصفه بغير المرضي. إذ تواجه الأنشطة المصاحبة له مشكلات تمويلية وفنية ولوجستية، ربما انها لا تتعدى «جهاز مكبر الصوت»، مما يجعل النشاط المسرحي أو الموسيقي أو إحدى القراءات الشعرية، عرضة للإلغاء.
بساطة وقيمة
يقول رئيس القسم الثقافي بصحيفة الخرطوم السودانية محمد إسماعيل لـ(البيان) انه ظل مفروش للكتاب المستعمل يمثل ظاهرة ثقافية وسط المثقفين السودانيين، وتحديداً الشباب. واستطاع خلال عامه الثالث، ان يعمل على تشجيع القراءة، كما انه ساهم في اعادة الروح لسوق الكتاب عبر تبادل وبيع الكتب المستعملة.
ويشير إسماعيل، وهو احد المتابعين لأنشطة مفروش، ان الغرض من قيام مثل هذه الفعاليات هو إيجاد مناخ للقراءة، عبر فكرة بسيطة وواضحة، من خلال تبادل الكتب المستعملة. ويضيف إسماعيل : « حسب علمي، أن جماعة عمل الثقافية، صاحبة الفكرة، هي جماعة طوعية تضم كتاباً وصحافيين وشعراء وتشكليين، هدفها نشر الوعى والمعرفة وليس هناك ريع يعود إليها»، ويتابع: «معرض مفروش يتسم بالبساطة والتلقائية».
ويؤكد محمد إسماعيل ان الخرطوم عرفت في أوساط العواصم العربية بأنها الأكثر شغفاً بالقراءة، حتى قيل ان القاهرة تؤلف وبيروت تطبع والخرطوم تقرأ، غير أن إسماعيل يشير الى ان الخرطوم الآن أصبحت تفتقر الى المكتبات الكبيرة، باستثناء اربع فقط، موزعة داخل الخرطوم.
ويقول : «ربما يسأل سائل: لماذا الاهتمام بالكتاب ولماذا قيام هذا المعرض في ساحة اتنيه بالخرطوم .. ؟ والإجابة البديهية بأنه لا يمكن الاستغناء عن الكتاب ». ويشير الى ان مفروش اصبح الواحة الوحيدة في صحراء الثقافة في السودان.
استغراب
وأبدى إسماعيل استغرابه واستهجانه في الوقت نفسه، للخطوة التي قامت بها السلطات السودانية بإيقاف نشاط مفروش: «في خطوة غريبة، نجد انه تعطل السلطات نشاط مفروش»، غير ان إسماعيل أوضح ان إيقاف مفروش ليس استثناءً في ظل القبضة الأمنية المتسارعة في خنق المؤسسات الثقافية في السودان، وقال بأن ذلك تجلى بوضوح في إغلاق المراكز الثقافية..
إضافة إلى العراقيل المعتادة التي توضع أمام تنظيم الفعاليات الثقافية، واعتبر ذلك محاولات لخنق أصوات الاستنارة، فكل عمل مستقل النظام يضيق به ذرعاً...
وأضاف «معرض مفروش خارج مؤسسات الدولة، والنظام ليس من أجندته دعم مثل هذه الأفكار». غير أن محمد إسماعيل أكد بأن مفروش نال سمعة كبيرة في الأوساط الثقافية في الخرطوم، حتى ان باعة الكتب أصبحوا يتقاطرون إليه من مدن العاصمة الثلاث، للاستفادة من حركة البيع والشراء المتزايدة.
إنعاش للمشهد الثقافي يعزز الارتقاء بالوعي الشعبي
يعتبر القاص السوداني عاصم الصويم، مفروش، فعالية ثقافية تستهدف إنعاش المشهد الثقافي، وتعنى برفع مستوى التثقيف المعرفي، وشكلاً من المعاملات الثقافية في ما هو متعارف عليه بـ«مفروش» من مبادلة الكتب، فمفروش يعد المعرض الوحيد الذي يعتمد مبادلة الكتب كمعاملة بين أصحاب العرض والمشترين، وهو ما يعتبره الصويم ظاهرة ثقافية جديدة مصحوبة بفعاليات متنوعة، مثل :
التشكيل، السينما، المسرح، وأحياناً بعض القراءات. والزائر لمفروش يلحظ الاختلاف والفرق ما بين مرتادي مفروش ومعارض الكتاب الأخرى والدورية. وهو ما يعلله الصويم باختلاف نوعية الكتاب التي أضفت على مفروش، ميزة لا تجدها في أي أماكن عرض أخرى..
فهو كتاب يتميز بالشكل الحداثي ويتعلق بالثقافة العالمية الإنسانية.. كتاب يحاول أن يجاري الرصيد المعرفي في تطوير الحركة المعرفية والإنسانية. لذا فالزائر يأتي بحثاً عن نوعية معينة من الكتب تتعلق بالحداثة وما بعد الحداثة.
أسعار معقولة وحقول فكرية متنوعة تلبي حاجات الجميع
يشهد مفروش تطوراً نوعياً، سواء من حيث عدد الزوار أو نوعية اهتماماتهم، كما يقول الصحافي حسن بركية، إذ إنه انتقل (مفروش) من عرض كتب محددة ذات نوعية وثقافة معينين، إلى مجالات وتخصصات أرحب، يطال معها مختلف حقول الفكر والأدب والعلوم. وتعتبر أسعار الكتب معقولة مقارنة بأسعار المكتبات والمعارض الأخرى ..
إضافة إلى ارتفاع سعر الدولار، والذي صاحبه ارتفاع في جميع أسعار السلع، بما فيها الكتاب. ويعتبر بركية أن مفروش تجاوز مساحة بيع وتبادل الكتب ليصبح تظاهره ثقافية ومحل لقاء بين الأصدقاء والمتقاربين فكرياً. وأصبح متنفساً في غياب البدائل الأخرى، بعد أن تحولت الخرطوم إلى قرية كبيرة يهجرها الناس في ساعات مبكرة من اليوم.
«الفراشة»
يضم مفروش ما يعرف بـ«الفراشة » أو الوراقين الذين يتخذون من الرصيف محلاً لبيع الكتب، بجانب أصحاب المكتبات الذين طاردتهم حملات البلدية وضيقت عليهم في كل من بلديتي الخرطوم وأم درمان، ولهؤلاء جمهورهم الخاص والمتميز.
أكرم وعماد الطيب، يقولان بأن مفروش يجذبهما لنوعية الكتب المقدمة وأسعاره التي تشهد استقراراً، مقارنة بأسعار بقية المكتبات ومعارض الكتاب الأخرى. وفي طبيعة الحال، وطبقاً لعدد من المشترين والمعنيين، فإنه رغم رفع بعض الباعة ضمن مفروش، أسعار كتبهم تبقي أولئك الذين حافظوا على أسعارهم وسط الغلاء الذي يضرب كل السلع.




