أكثر من خمسين عاماً مضت على رحيل صاحب العبقريات وعملاق الفكر العربي، عباس محمود العقاد (توفي 13 مارس 1964)، الذي ترك مجموعة هائلة من الإبداعات الأدبية بعد رحيله...
كما ترك وراءه منزله الكائن في العقار رقم 13 في شارع السلطان سليم (شفيق غربال) بضاحية مصر الجديدة في القاهرة. وهو منزل كان شاهداً على فعاليات الثقافة العربية، بما تضمنه من مكتبة وصالون جمع المثقفين الذين كانوا يحرصون على الحضور، ثم تحول إلى مبنى متهالك آيل للسقوط أهمله الورثة وغابت عن حمايته، كعادتها، الدولة.
هدوء ارتبط بحياة العقاد، هو الهدوء الذي خيم على الشارع الذي يقع فيه المنزل، على الرغم من تحول كثير من طوابقه السفلية إلى محلات تجارية، في الطابق الثاني تقع الشقة التي أثرت تأثيراً كبيراً في حياة العقاد للدرجة التي دفعته إلى ذكرها في كتاباته..
حيث أفرد لها كتابا خاصا أسماه (في بيتي)، كما دفعت الكاتب الراحل أنيس منصور إلى وضع مجلد ضخم تحت عنوان (في صالون العقاد كانت لنا أيام). ولو كان لنا الخيار لأسمينا كتاب العقاد في مكتبتي، ذلك أن مكتبة العقاد هي بيته، وبيته هو مكتبته.
واللافت أنه حرص تلاميذ العقاد على اجتماعهم الأسبوعي يوم الجمعة، وكأن العملاق لم يزل بينهم، فبعد وفاة العقاد سنة 1964 استمرت الندوة بشكل جمعية رسمية باسم جمعية العقاد الأدبية لمشروعية الاجتماع، وكان يديرها ابن أخيه عامر العقاد (أبو عباس) وتدعمها ماليا الحكومة، وتجري الأحاديث فيها عن ذكريات الحاضرين من تلاميذه معه، ويتناولون القهوة والليمون ويتخلف أكثرهم للغداء، واستمر هذا التقليد أكثر من ثلاثين سنة بعد رحيل العقاد، لكنه توقف تماما، حاليا.
يرسم خطوات صاحبه
يبدو منزل العقاد من الخارج مهيبا بطرازه الفرنسي الأنيق وشجرة الكافور العملاقة التي تستأنس بها البوابة العتيقة، والتي بجوارها كاد العقاد يفقد حياته، عندما أطلق المتظاهرون عليه الرصاص بعد مقال صاخب انتقد فيه مصطفى النحاس باشا رئيس حزب الوفد المصري وزعيم الأكثرية والشعبية الساحقة في الوقت ذاته. هذه الشجرة كانت أول ما يرحب بالعقاد عند وصوله إلى البيت، وقبل أن يدلف إلى الداخل ليعد تلك السلالم التي ذكرها في كثير من كتاباته، وكتب عنها في أخريات حياته.
كان العقاد بعقله الناضج لا يترك نفسه أسيراً للتقاليد والموروثات التي تحولت إلى ثوابت في حياة كل البشر، فكان أكثر ميلا إلى التمرد على كل ما لا يقبله عقله، فنراه لا ينفر من الرقم 13 الذي يحمله منزله والذي يتشاءم منه الناس، وكان يقول:
أفضل الرقم 13 فهو يوم أعيشه في كل شهر أصيب فيه أكثر مما يصيب غيري، وهو رقم بيتي. ولا أنفر من البومة فليس من شأنها أن خلقها الله قبيحة في عيون البشر، بل إنه كان يضع نموذجاً للبوم فوق مكتبة، وتشاء الأقدار أن يكون الرقم 13 هو أيضاً يوم رحيله عن الدنيا.
نعبر الواجهة الخارجية للبيت إلى حديقة صغيرة لم تمتد إليها يد العناية منذ وقت بعيد، وتعد خطواتنا درجات السلم العجوز، وفي الذهن كلمات العقاد التي سطرها في كتابه «في بيتي»، عندما كان يتحدث عن هذه الدرجات نفسها. فيقول: صعدت سلالم هذا المسكن ثلاثاً ثلاثاً، ثم صعدتها اثنتين اثنتين، ثم هأنا أصـعدها درجـة درجة على غير عجلة ولا اكتراث.
نصل إلى الشقة في الطبقة الثانية. إلى يمين الـسلم على الـباب لـوحة نحـاسـية صـغيـرة عـليها اسم عـباس مـحـمود العقاد، وتـقـودنا الخطـوات التالية إلى صالة واسعة تنتمي إلى عصـر الـعقاد، على جدرانها لوحات وصـور متـعددة تـمـثل مراحل مـخـتلفة من حياة الأديب الكـبـير، وصـورة لإمـام عـصـر التنوير الشيخ محمد عبده وأخرى لأستاذه جمال الدين الأفغاني..
وبجوار الشرفة تمثال نصفي صغير للعقاد على يساره ثلاجة صغيرة من طراز عتيق اشتراها قبل موته بسنوات قليلة وكانت آخر مظاهر التكنولوجيا الحديثة التي أضيفت إلى البيت. ننتقل خطوات فوق مربعات الأبيض والأسود التي تكسو بلاط الشقة العاري القديم. هكذا، كان العقاد ينظر إلى الدنيا بمنظار من لونين: أبيض وأسود، كان واضحاً كالشمس صارماً كالسيف يكره ضبابية اللون الرمادي ..
ولا يعرف أنصاف الحلول ولا أرباع المواقف، وإنما ينطق برأيه في المواقف والرجال بجرأة لا تقبل التأويل. ومن أجل هذه الصراحة الجريئة دخل العقاد السجن بجريمة العيب في الذات الملكية، عندما أبدى رأيه بصراحة في الملك فؤاد وموقفه من الدستور.
ندوة العقاد
بدأت ندوة العقاد في حياته سنة 1927، وحضورها هم : أحمد علاّم، عبد الرحمن صدقي، علي أدهم، د. أبو طايلة، طاهر الجبلاوي، أحمد صبري. كانت الجلسة أولا تعقد في حديقة الحيوان، ثم اضطر لعقدها في البيت تجنبا للرقابة. وانضم إلى الندوة أو الجلسة بعد سنة 1935 : الفنان صلاح طاهر، محمد خليفة التونسي، أنيس منصور، الشاعر العوضي الوكيل.
وكان العقاد ارستقراطيا، إذ فرضت عليه الظروف السياسية هذه الارستقراطية.. ثم صار شعبياً في فترة الخمسينيات من القرن الماضي، حتى اتسعت الجلسات لطلاب الجامعات. وكانت تدار عليهم القهوة وشراب الليمون. وحين تغادر الأكثرية، تظل الأقلية من المقربين لتناول الغداء المجهز خصيصا للمناسبة.
وفي هذه الفترة (الخمسينيات)، أصدر العقاد أكثر مؤلفاته. ولم يكن للعقاد من الثراء ما يلائم أرستقراطيته ويسعفها. وربما كان ذلك سبب تعثر علاقاته العاطفية. ويستشف القارئ ذلك من قصته «سارة». ومن لوحة معلقة في غرفة نومه، رسمها له صديق بتوجيه منه، وفيها قالب من الكيك وعليه ذباب، وكأنه يشير إلى بيت الشعر:
إذا سقط الذباب على طعام
رفعت يدي ونفسي تشتهيه
ولأن المحبوبة المشهورة، لم تقدر أن تحبس شهرتها الواسعة في هذه الشقة الصغيرة..
منزل العقاد كان جزءاً كبيراًِ من حياته ارتبط به طوال الأربعين عاماً الأخيرة من حياته، لم يغادره سوى لظروف استثنائية قلما وجدت. وكان يرى العالم كله من خلال مكتبه وبيته، ويطوف الأرض من أقصاها إلى أدناها ويحلق في سماوات أخرى لا نعرفها ولا نراها من خلال الكتب التي تنقله في رحلات لا آخر لها، يقطعها العقاد وهو لم يبرح بيته.
أربع حجرات
يتألف منزل العقاد من أربع حجرات، ونستطيع التعرف أكثر على شخصيته من حجرة نومه التي حرص على أن تحيطها الشمس من أغلب الجهات، وحجرة الصالون وكان يسميها وادي الظلال لأن ستائرها الخشبية لم تسمح سوى بتسلل خطوط رفيعة من الضوء، وحجرة نوم ثانية كان يسميها حجرة الجبلاوي وهي مخصصة لإقامة صديقه طاهر الجبلاوي..
وتشتمل على سرير نحاسي وخزائن تحوي مجموعة من الكتب العربية، ثم حجرة المكتبة وبها مكتب لم يكن العقاد يجلس إليه إلا في أخريات عمره، لأنه كان يكتب مقالاته وهو مستلقٍ على ظهره بحجرة نومه، وعندما كان يهاجم الحكومة والملك، قيل له ذات مرة إن مقالاتك أحدثت ضجة في الدوائر الوزارية، رد باسما وقال، أخبروهم أني أكتبها وأنا نائم.
ونجد ان رفوف الكتب تحتل كل مساحات الجدران، من الأرض إلى السقف، حتى المطبخ والحمام كانت توجد فيهما كميات كبيرة من الكتب.
قامة عربية في عالم الإبداع الفكري والسياسة
كتب مصطفى العقاد ( 1889-1964) في كل أبواب الأدب: المقالة، القصة، البحث. وله عشرة دواوين من المنظوم المقفى، وكان من مشاهير عصره. لم يتزوج، وكانت له عاداته الخاصة، فهو لا يرد على التليفون بعد الساعة العاشرة ليلا. ويفضل مشاهدة الأماكن السياحية بالتلفزيون إذ هي أوضح ولا تكلفه مشقة.
واشتهر بخلافه مع آراء طه حسين. ترجمت بعض كتبه إلى اللغات الأخرى: الفارسية، الأوردية، الملاوية، الألمانية، الفرنسية والروسية. وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر، اسم العقاد على إحدى قاعات محاضراتها. وسمي باسمه أحد أشهر شوارع القاهرة وهو شارع عباس العقاد الذي يقع في مدينة نصر.
كما أنتج التليفزيون المصري مسلسلا بعنوان العملاق يحكي قصة حياة العقاد وكان من بطولة محمود مرسي، ومنحه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب، ومنح الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة.
مؤلفات فكرية وأدبية أثرت المكتبة العربية والعالمية
قدّم العقاد باقة من أهم المؤلفات الفكرية والتحليلية والأدبية المتنوعة، ومن بين أبرزها: ساعات بين الكتب، الديوان في النقد والأدب بالاشتراك مع إبراهيم عبدالقادر المازني، وقد خصص لنقد أعلام الجيل الأدبي السابق عليهما مثل شوقي والمنفلوطي والرافعي، سارة سلسلة مقالات بعنوان مواقف في الحب، رجعة أبي العلاء، بين الكتب والناس، هتلر في الميزان، النازية والأديان، أبو نواس، الله، عبقرية محمد، عبقرية الصديق، عبقرية عمر، عبقرية الإمام، عبقرية المسيح، إبراهيم أبو الأنبياء، عثمان بن عفان، الصديقة بنت الصديق، عبقرية خالد، الحسين بن علي، بلال بن رباح داعي السماء، عمرو بن العاص، عمر بن أبي ربيعة، ابن الرومي حياته من شعره، رجعة أبي العلاء، هذه الشجرة، ألوان من القصة القصيرة في الأدب الأميركي، الإسلام في القرن العشرين، طوالع البعثة المحمدية، الشيوعية والإنسانية، الصهيونية العالمية، إبليس، معاوية في الميزان، جحا الضاحك المضحك، الشيوعية والوجودية، بنجامين فرانكلين، الإسلام والاستعمار، لا شيوعية ولا استعمار، التعريف بشكسبير، ما كان وسيكون، المرأة في القرآن، عبد الرحمن الكواكبي، الثقافة العربية أسبق من الثقافة اليونانية والعبرية، شاعر أندلسي وجائزة عالمية، الإنسان في القرآن، الشيخ محمد عبده، التفكير فريضة إسلامية، أشتات مجتمعات في اللغة والأدب، جوائز الأدب العالمية، فرنسيس باكون، عرائس وشياطين، حياة قلم، أنا.




