في الطابق الأرضي من قلعة دبلن التاريخية في أيرلندا، تقع مكتبة تشستر بتي التي تضم أفضل مجموعة مخطوطات وكتب نادرة راكمها جامع تحف خلال القرن العشرين. ويقصدها الزوار لتراثها الفني والديني والحضاري الذي يمتد منذ حوالي 2700 قبل الميلاد وإلى يومنا هذا، لاسيما كنوزها النفيسة من المخطوطات والمنمنمات والمستنسخات والرسومات والكتب النادرة والأعمال الفنية المزخرفة العربية والإسلامية والأوروبية وشرق الآسيوية.

كما يتوجهون لحضور فعالياتها، خاصة المحاضرات وورش العمل والإصدارات الفنية القيمة والمعارض التي تضيء مجموعاتها الفنية، أو تلك المستعارة من مجموعات متاحف ومكتبات أخرى. وفي العموم، فإنه يجدها متخصصون، حضناً وواحة لثقافات العالم وتراثه.

تاريخ حافل

تأسست المكتبة في دبلن بأيرلندا في عام 1950 لتحوي حصيلة ما جمعه سير الفرد تشستر بتي (1875-1968). وكان تشستر بتي الملقب بـ«ملك النحاس» مهندساً أميركياً راكم ثروة كبيرة من التعدين في مناجم كولورادو الأميركية، قبل أن ينتقل إلى لندن في عام 1912..

ويحصل على الجنسية البريطانية في عام 1933. وبحلول الأربعينيات من القرن الماضي، كان قد تمكن من جمع مجموعة رائعة من إبداعات الفنون والكتب الشرقية، واستحوذ على 19 ورقة مصرية قديمة من أوراق البردي، وهبها فيما بعد للمتحف البريطاني.

تقول أمينة مكتبة تشستر بتي، الين رايت، إن مؤسسها عمل نوعاً ما بصفة «مستشار غير رسمي لرئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرتشل». لذا، وبعد خروج الأخير من السلطة في عام 1945، لم ترق لجامع التحف والكتب الشرقية، القوانين المالية الجديدة التي تعيق مطاردته للتحف الفنية، فقرر الانتقال إلى ايرلندا، الدولة المستقلة حديثا والتواقة لاستقبال الاستثمار في عام 1950.

وتمكن بطريقة ما، من نقل مجموعته إلى دبلن في عام 1950، وهذه المجموعة وهبها للمدينة لاحقاً، وحصل على الجنسية الفخرية الايرلندية في عام 1957.

ورغم هذا الإرث الهام، بقيت المكتبة مجهولة نسبيا، حتى عام 2000 عندما انتقلت لتحتل الطابق الأرضي من قلعة دبلن، ثم فازت في عام 2002 بلقب «متحف العالم في أوروبا»، ووصفتها دور نشر كتب دليل الأسفار «لونلي بلانت»، بأنها أفضل متحف في ايرلندا، بل أحد أفضل المتاحف في أوروبا.

محتويات المكتبة

تشكل المجموعة الغنية للمكتبة اطلالة على كنوز ديانات وثقافات مهمة في آسيا والشرق الأوسط وشمال افريقيا وأوروبا، حيث تزخر المكتبة بمصاحف وأناجيل ومخطوطات من العصور الوسطى وعصر النهضة في أوروبا، ومنمنمات تركية وفارسية ولفائف ولوحات بالروسم اليابانية، و«جلابيب» تنين صينية.. وغيرها من الأعمال الفنية.

وتحوي أيضا أكبر مجموعة مخطوطات مكتوبة على أوراق البردي في العالم، بما في ذلك نصوص كاملة لأغاني حب مصرية قديمة.

وتضم المكتبة أيضا مراجع دينية مهمة، فإلى جانب مصاحف فريدة تعود لفترات تاريخية مختلفة في العالم الإسلامي، تحوي أقدم المراجع المكتوبة على ورق البردي للكتاب المقدس، وهي عبارة عن مخطوطة يونانية من القرن الثالث للقديس لوقا، ورسائل القديس بولس..وغير ذلك الكثير.

المقتنيات الإسلامية

تعد المقتنيات الإسلامية في المكتبة، من بين الأفضل والأشهر عالمياً، لنوعيتها واتساع نطاق محتوياتها. وتتألف من 6 آلاف مادة، وهي عبارة عن مخطوطات ورسومات وروائع الخط. كما تشتمل على أكثر من 260 مصحفا كاملا ومجزأ، وعلى أعمال خطاطين بارزين من العالم الإسلامي.

وهذه المخطوطات العائدة للفترة: من القرن الثامن وإلى أوائل القرن العشرين، تأتي أساسا وليس حصريا، من العالم العربي وإيران وتركيا والهند في الفترة المغولية، وتشمل بعضا من أهم وثائق الفن والثقافة الإسلامية. وتعمل على توضيح تفاصيل تاريخ وتطور جوانب فن الخط والزخرفة والمنمنمات وتجليد الكتب.

وأصدرت المكتبة : «الإسلام: الإيمان والفن والثقافة» لأمينة المكتبة المتخصصة في مجال الفن الإسلامي الين رايت، التي تعترف بأن المكتبة لا تعرض في العادة إلا نسبة «1-2% من هذه المجموعة في وقت واحد».

أما أهم مقتنيات المكتبة من المجموعات الإسلامية، فهي مخطوطة للقرآن الكريم تعتبر الأقدم في العالم، خطها أحد أهم الخطاطين الإسلاميين في القرون الوسطى، وهو علي ابن هلال، المعروف بابن البواب، في بغداد سنة 391 هجرية/1000-1001 ميلادية.

والمخطوطة مؤرخة ومكتوبة بالخط اللين، وتظهر أسلوب ابن البواب الجديد في الخط التدويري، هذا الخط الرائع في وضوحه وأناقته وتدفقه، على الرغم من حجمه المتواضع. والزخارف على صفحات المصحف بخطوطها المستديرة، تعد من أقدم الزخارف العباسية.

وتضم المكتبة أيضاً، أحد المجلدات الباقية من كتاب «سيرة النبي» مع تفسيراته، وهي مخطوطة عثمانية تعود للقرن السادس عشر..والكثير غيرها.

وهناك أيضاً مخطوطة للقرآن الكريم، خطها علي بن شاذان الرازي الوبائي في سنة 361 هجرية/972 ميلادية، وتكمن أهميتها في كونها الأقدم في استخدام أحرف متصلة مكسرة.

وفي المكتبة احدى أجمل المنمنمات في كتاب «المرقع: ألبومات أباطرة المغول»، مع رسومات مهمة من مرقع شاه جهان ومرقع منتو.

ثم هناك الرسومات العائدة إلى ايران القرن الرابع عشر، وملوك الهند من القرنين الخامس والسادس عشر، حيث « الجلابيب» والمجوهرات، وتاج الإمبراطور أورنج زيب الفخم في تناقض مع صورة جده أكبر مؤسس السلالة المغولية.

وتشمل مجموعة النصوص العربية في المكتبة، وثائق عن الدين والتاريخ والفقه والطب والبصريات والجغرافيا والحساب وعلم الفلك واللسانيات. والمخطوطات العربية في المكتبة كان درسها وصنفها المستشرق والعلامة أي جي اربري، ونشرها في سبعة أجزاء صدرت في الفترة من عام 1955 إلى عام 1964، ثم درس وصنف المصاحف في كتاب صدر عام 1967. والأمر نفسه جرى للمخطوطات الفارسية والتركية.

مشاريع المكتبة

تحافظ المكتبة كمؤسسة ثقافية وطنية على هذه المقتنيات، وتوفرها للبحث العلمي عند الطلب، ووفرت أخيرا نسخة إلكترونية مجانية عن دليل المجموعات العائدة للمكتبة داخل «مخزن آي تيون» لشركة أبل. ومن مشاريع تطوير المكتبة، مشروع قاعدة بيانات تفاعلية على الإنترنت عن الأختام الإسلامية، تموله هيئة المخطوطات الإسلامية.

أهم الإصدارات

للمكتبة إصدارات عدة، من أهمها، دليل مليء بالرسومات يقدم جولة تعريفية بالمجموعة، وكتاب بعنوان: «الإسلام: إيمان وفن وثقافة» للباحثة وأمينة المكتبة الين رايت، يشكل مدخلاً تعريفياً بنفائس مجموعة مكتبة تشستر بتي القيمة من المخطوطات، من القرن التاسع إلى أوائل العشرين.

ومن الشرق الأقصى، هناك كتاب بعنوان «الرومانسية الصينية بضربة فرشاة يابانية» من تأليف شاني ماككوسلاند وماثيو ماككلواي، وموضوع الكتاب عن لفافتين تحت عنوان «أغنية الحزن الدائم» كان قد خطهما معلم مدرسة كيوتو، كانو سانستسو (1590-1651) في أوائل فترة ايدو..

والرسومات تصور قصة حب مأساوية لإمبراطور تانغ، مينغ هوانغ وخليلته يانغ غويفي، جرى تأليفها خلال الفترة 806- 807 ميلادي. وهذا الموضوع الصيني كان له تاريــــخ مذهل في اليــابان، منذ أن جرى ذكره في «حكاية جينــجي» عام 1008.

وكتاب آخر بعنـــوان «صــور تعبيرية عن الصــــين» مــن تأليف شاين ماككوسلاند وليــــنغ ليــزهونغ، وهو معرض لرسومات حـــديثة من أفضل المجموعات في الفـــن الصيني، متحف شانغهاي. وتشمل لفائف وألبــومات لفنانين كانوا ناشطين خلال سلالة مينغ (1368-1644)، وكينغ (1644-1911) والقرن العشرين.

وهذه الرسومات المعبرة تتراوح مصادرها بين التقاليد الفولكلورية والدينية، التاريخ المـحكي والرسمي، والأشعار والأدب. ويوجد كتاب بعنوان «فن هوكوساي، تحف من الرسومات اليابانية» من تأليف كلير بولارد، ووكاتسوشيكا. وهوكوساي..

وهو أهم مصمم للوحات اليابانية المطبوعة بالروسم، وهو أول فنان ياباني يصبح مشهوراً في الغرب، إذ إن تصاميمه مثل سلسلة لوحات «الموجة العظيمة»، غيرت مفاهيم فناني القرن التاسع عشر في أوروبا، أمثال فان غوغ ومانيه، في استخدام الألوان والشكل. وتشستر بتي كان معجباً بهوكوساي ومجموعته اليابانية جمعها في الخمسينات.

تحف وفنون ومخطوطات تاريخية نادرة من الشرق والغرب

تضم مجموعة شرق آسيا في مكتبة تشستر بتي، أكبر مجموعة لزجاجات شم منحوتة، والعديد منها كان متضمناً في الكاتالوج بعنوان «مكتبة تشستر بتي في دبلن: زجاجات الشم الصينية». وفي المكتبة أيضاً سلسلة من الألبومات واللفائف الصينية..

وهذه تعد أكبر مجموعة من كتب الشم في البلاط الإمبراطوري خارج الصين، ومجموعة كبيرة من المنسوجات ومواد من فنون التزيين، إلى جانب أعمال فنية يابانية بما في ذلك لفائف مطلية من قبل كانو سانسيتسو في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ومطبوعات بالروسم من إبداع هيروشيغي وهوكوساي وغيرهما. وبالإضافة إلى المجموعة من شرق آسيا، تزخر المكتبة بكنز معلوماتي هائل من أوروبا، من أهمها مخطوطات أرمينية وأوروبية غربية مزخرفة من القرون الوسطى وعصر النهضة، وكتب نادرة، ومستنسخات، ولوحات.

وأما فيما يتعلق بأهم الكتب حول الغرب، في المكتبة، فهناك كتاب عن مخطوطات الكتاب المقدس من تأليف ديفيد هاتشينسون ادغار، وهذا يأخذنا في رحلة على مدى ألفي عام، يقدم المجموعة التي لا تقدر بثمن للمكتبة من المخطوطات التي تشكل احد الاكتشافات الأهم في القرن العشرين، بما في ذلك بعض من المخطوطات الأقدم عن العهدين القديم والجديد.

كتابان

ترصد المؤلفات والمقتنيات في المكتبة، كيف كانت الهند المغولية موقعاً لتنوع ثقافي وعرقي، حيث تطورت ثقافة هجينة وازدهرت، وكانت إنجازات المغول في الرسم والأدب والعمارة والفنون والزخرفة كبيرة.

وفي مكتبة تشستر بتي مجموعة واسعة من الرسومات الهندية خلال الفترة المغولية، وعمدت المكتبة إلى إصدار كتابين عن تلك الرسومات، أولهما بعنوان «الرسومات المغولية وغيرها من الرسومات الهندية» من تأليف ليندا يورك ليش، يناقش تاريخ المنمنمات المغولية. والكتاب الثاني بعنوان كتاب «المرقع: ألبومات أباطرة المغول»، من تأليف الين رايتو هو دليل يعرض بعضاً من أهم الأمثلة في فن الرسم لإجلال الأباطرة والأمراء من سلالة المغول في الهند بين القرنين السادس عشر ومنتصف السابع عشر.