لم يتعود الكتاب أن يُصبح نجماً أمام الكاميرات، فنجوم الأعمال قلما يتحدثون عن الكتاب أو يقرؤونه داخل أعمالهم السينمائية، ورغم أن ظهور الكتاب أمام الكاميرا يقربه للجمهور ويعلن عنه بوضوح ويسلط الضوء عليه، فالقائمون على صناعة الفن يتجاهلونه لأغراض تجارية، من منطلق إيمانهم بأن السينما خلقت من أجل التسلية، على حد زعمهم، وهو هدف يختلف عن هدف الكتاب.
إلا أنه مع اهتمام عدد محدود من الأفلام بالكتب، استطاعت تلك الكتب بالذات أن تتصدر المبيعات فيما بعد، مما يثبت أن ارتباط الكتب بالأعمال الفنية كان حجرا استطاع أن يثقل ميزان ذلك العمل الأدبي.. ويرصد هذا التقرير، الأفلام التي قدمت الكتب، إلى جانب طريقة استخدامها للكتاب في العمل الفني، وكذلك كيفية وطبيعة أثر ظهورها على مبيعاتها وعلى اسم كتابها.
«الحب في زمن الكوليرا»
ظهر الكتاب في عدة أفلام. وكان أبرزها فيلم «السفارة في العمارة»، الذي لعب فيه دور البطولة، الفنان عادل إمام. إذ تناول الفيلم قصة عادل إمام، المهندس الذي يعود من الخليج، وبسكنه في عمارته التي يكتشف وجود السفارة الإسرائيلية في داخلها، نجده يصطدم بالفتاة ذات الهوى الاشتراكي، داليا البحيري، ليقرر أن يرفع قضية من أجل نقل السفارة، ويؤكد لحبيبته أن لديه مبادئ وأنه يستحقها.
داخل حبكة الفيلم، يسأل عادل إمام، شقيق داليا البحيري، عن الكتاب الذي يقرأه فيجيب «الحب في زمن الكوليرا.. رائعة جابرييل جارثيا ماركيز». وهنا تحديدا نتبين ان العمل لامس احد الكتب المشهورة والمهمة، وتطرق اليها، بطريقة او بأخرى. ويبدو ذلك طبيعيا في ظل كون ماركيز هو بالفعل من أهم كتاب الأدب اللاتيني..
إضافة إلى حصوله على جائزة نوبل في الآداب لعام 1982، وتدور أحداث الرواية حول قصة حب رجل وامرأة، منذ المراهقة ووصولا إلى بلوغهما السبعين من العمر، لتصف التغيرات التي حدثت لمجتمعهما من حروب أهلية، وتغيرات تكنولوجية، وتأثيراتها على نهر مجدولينا، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى بداية القرن العشرين، إضافة إلى رصد الأحوال الاقتصادية والأدبية والديموغرافية، وذلك من دون الإخلال بالأحداث ونسيان شخوص القصة.
«مائة عام من العزلة»
وفي فيلم «واحد من الناس» لكريم عبد العزيز، ذكر كريم رواية «مائة عام من العزلة»، التي كتبها ماركيز أيضا، فبعد أعوام في السجن، قضاها البطل الذي جسده كريم، شعر أن عزلة أهل القرية في الرواية، تناسب عزلته التي قضاها داخل السجن.
وتدور أحداث الرواية حول قرية «ماكوندو» وحياة أهلها البسيطة، والتي تتعقد بعد صراعات بين المحافظين والأحرار، وعديد من العراقيل الأخرى، لترصد الرواية عشرة عقود من الزمن، تتعدد بداخله الشخصيات بجانب الأحداث، والتي استطاع المؤلف أن يصورها، وصولا إلى النهاية، والتي كانت عبر العودة إلى إحدى الأساطير القديمة.
نماذج
وهناك تجارب عديدة، في الدراما السورية، وفي الدراما والسينما بدول عربية اخرى، حاولت عكس مجموعة من الأعمال لأدباء عرب، ومن بينها، على سبيل المثال: نهاية رجل شجاع للروائي حنا مينا. وذلك علاوة على الكثير من الأعمال التي اقتبست من القصص والروايات، في مصر بشكل خاص، إذ استفادت السينما من قصص وروايات نجيب محفوظ، ومن أعمال آخرين غيره.
بين القبول والرفض
وحول علاقة الكتب بالسينما، يقول الروائي إبراهيم عبد المجيد لـ«البيان»، إن هذه العلاقة ليست هامة من وجهة نظره، فكل عمل مستقل في حد ذاته، مؤكدا أن السينما خلقت من أجل التسلية، وهو هدف يختلف عن هدف الكتاب، حيث إن قراءة الكتب تأتي من خلال قوانين، أو تشجيع من جانب الدولة من أجل القراءة، وأي دور سلبي أو إيجابي ينسب للأفلام، هو رأي عارٍ تماما من الصحة.
تأثير إيجابي
ومن جهته، يؤكد مصطفى الفرماوي، مدير مكتبة الشروق للنشر والتوزيع لـ«البيان»، أن الأفلام أثرت تأثيرا إيجابيا في خصوص عوالم القراءة والكتاب. إذا كان البطل قارئا، فالشباب يلجؤون دائما إلى تقليد البطل، إذ إنه بعد عرض فيلم «واحد من الناس» عمد العديد من الشباب إلى شراء رواية «مائة عام من العزلة». واوضح الفرماوي، أن ظهور الكتاب في الأفلام يضيف إليه كثيرا.
وإن كانت مكانة الكتاب كبيرة فإن الأعمال الدرامية، والتي تظهر على شاشة التلفاز، تقرب العمل إلى قلوب القراء بشكل أكبر، وهو ما يتضح من خلال تحويل كثير من الأعمال الأدبية إلى أفلام ومسلسلات، الأمر الذي يشجع القراء على قراءتها، وعدم الاكتفاء بالعمل الأصلي. كما أن القيمة تصبح تبادلية في بعض الأحيان، فأحيانا قراءة الكتاب هي ما تشجع القراء على الذهاب ومشاهدة هذا العمل الفني.
ويشدد الفرماوي أيضا، على أن الأفلام لا تهتم بشكل كبير بالبطل القارئ، بمعنى أن الأفلام إذا وجدت في داخلها مساحة لعرض المكتبات والكتب..
فإنها تستعيض عنها بذهاب البطل إلى ملهى للترويح عن نفسه، علما بأنه إذا دخل البطل مكتبة تكون تلك دعاية مهمة وجديدة للمكتبات، إذ يجعل المشاهد يعلم أن هناك شيئا اسمه مكتبة تحتوي على كتب هامة، لكن ثقافة وجود المكتبات في حياتنا، ينقصها الكثير والتعريف بها وخاصة للجيل الجديد.
زخم عالمي
هناك العديد من الروايات العالمية التي جسدت ووظفت بشكل شائق، في عوالم السينما والتلفزيون، ومن بينها فيلم «نادي القتال». هو فيلم صدر في 1999 مبني على رواية تشاك بولانيك، التي تحمل الاسم ذاته. ومن إخراج ديفيد فينشر، وبطولة براد بيت، ادوارد نورتون، وهيلينا بونام كارتر.
يلعب نورتون دور البطل الذي لم يُذكر اسمه، رمزا لأي شخص تقليدي ساخط على وظيفته المكتبية. يقوم بتشكيل نادي القتال مع صانع الصابون تايلر ديردن، لينضم إليهما رجال آخرون يريدون القتال للترويح عن أنفسهم. ويتورط الراوي في علاقة مع ديردن والمرأة الفاسقة، مارلا سينغر، التي لعبت دورها الممثلة بونام كارتار.
وكانت قد اختيرت رواية بولانيك من قبل منتجة شركة تونتيث سينتشوري فوكس لورا زيسكين، التي وظفت جيم أولس لكتابة نص الفيلم. وكان فينشر أحد المخرجين الأربعة الذين أخذوا بعين الاعتبار؛ وتعاقدوا معه بسبب حماسه للفيلم. وطور فينشر النص مع أولس وطلب المشورة حول كتابة السيناريو من طاقم الممثلين وغيرهم في مجال صناعة السينما.
ولم ينل الفيلم إعجاب المديرين التنفيذين في الاستديو فأعادوا بناء حملة فينشر التسويقية في محاولة للحد من الخسائر المتوقعة. فشل الفيلم في تلبية توقعات الاستديو في شباك التذاكر وتلقى ذلك ردود فعلٍ مستقطبة من النقاد. واعتبر الفيلم أحد أكثر الأفلام ضجة وإثارة للجدل عام 1999. ومع ذلك فإنه لاقى نجاحاً تجارياً ونقدياً مع إصدار الأقراص الرقمية (DVD)، الأمر الذي رسّخ مكانة نادي القتال كأحد أكثر الأفلام شعبيةً بين الجماهير.
«شقة مصر الجديدة» الفن السابع متغزلاً بـ«عازفة البيانو»
داخل كادرات فيلم «في شقة مصر الجديدة»، تجلس بطلة الفيلم والتي تؤدي دورها الفنانة غادة عادل، وهي ممسكة برواية للأديبة النمساوية الكبيرة إلفريدة يلينك.
حيث تركز الكاميرا على عنوان الرواية «عازفة البيانو»، والذي يتوافق مع مهنة البطلة، مدرسة الموسيقى التي تعلمت العزف على البيانو، بعد تأثرها بمدرسة الموسيقى التي درستها وهي طفلة، ليكمل الفيلم قصة بحثها عن مدرستها القديمة التي كانت سبب شغفها بالموسيقى، وفي تكوين نظرة متفائلة تجاه الحب.
تحكي الرواية نفسها عن عازفة البيانو، وهي امرأة بلغت الثلاثين ولم تعرف الحب، نتيجة تحذيرات والدتها لها والرقابة الصارمة التي مارستها عليها من خلال مرافقتها الدائمة لها وتشديد الحصار عليها بقصد حمايتها، وهو الأمر الذي يتداخل مع قصة الفيلم، فبطلة الفيلم على مشارف الثلاثين، تبحث عن الحب بمفهومه الافلاطوني، ولكنها وهي بنت الريف، لا تجده.
وذلك إلى أن تحمل لها قصة الفيلم نهاية ربما انها لا تبدو وردية، ولكنها نهاية متفائلة. وتعد الرواية من أشهر الروائيات في العالم كله، حيث حصلت على جائزة نوبل في الآداب عام 2004، إضافة إلى العديد من الجوائز الأدبية، مثل: جائزة جيورج بوشنر، كما حصلت على العديد من الجوائز، في تجسيدها بعوالم المسرح.
قائمة طويلة
يبدو أن الروايات والأفلام في العالم العربي، في علاقة ضعيفة، لكنها أمتن وأوثق، في الغرب. إذ إن روايات كثيرة كانت سبباً في شهرة أفلام، والعكس صحيح أيضاً. ومن هذه الأعمال: فيلم (العراب). وهناك باقة منوعة من الأفلام والمسرحيات التي تحولت إلى افلام شهيرة، من بينها: هاملت.







