يرجع المؤرخون ظهور ما يعرف بالمكتبات في الصين إلى حوالي 3 آلاف سنة، في فترة حكم سلالة شانغ (حوالي 1700–1046 ق م)، عندما بدأ الاهتمام بـالمخطوطات وعلم الأنساب وإصدار المراسيم وتسجيل الأحداث المهمة..
وحفظ السجلات وفرزها وفقا لتسلسلها الزمني. وكان الأباطرة الصينيون، من جهتهم، يؤسسون مكتباتهم الخاصة منذ القدم، التي ستصبح الجد الأعلى لمكتبة الصين الوطنية لاحقاً. وينظر إليها المتخصصون حاليا، على أساس أنها حضن وبيت الوثائق والسجلات والبيانات التاريخية.
خلفية تاريخية
بدأ التفكير بمكتبة حديثة في الصين في أواخر القرن التاسع عشر، عندما قامت حكومة سلالة كينغ، وتجاوبا مع مطالبات محلية، بتأسيس مكتبة في العاصمة الصينية سميت في حينه مكتبة بكين أو مكتبة متروبوليتان، ووقع الخيار على معبد غوانغ هوا موقعا لها، حيث بقيت هناك حتى عام 1917.
وفتحت المكتبة أبوابها لعامة الناس في 27 أغسطس 1912، بعد أشهر قليلة من تنازل الإمبراطور بوي (1908-1912) آخر أباطرة سلالة كينغ عن السلطة، فتولت وزارة التعليم في جمهورية الصين (1912-1949) إدارتها.
وفي عام 1916 باشرت المكتبة استلام نسخ من المطبوعات الصينية، وبدأت عملها كمكتبة عامة وطنية. ومع تغيير اسمها إلى مكتبة بيبينغ الوطنية، بني فرع جديد لها في شارع ونجين في بكين، يحوي حاليا المخطوطات القديمة، ثم مع قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، اعيدت تسميتها مكتبة بكين الوطنية، ثم مكتبة الصين الوطنية.
تعريف
بوصفها المكتبة الوطنية، تتولى مكتبة الصين الوطنية مسؤولية حفظ كل الوثائق الرسمية والمطبوعات الصادرة في الصين، حيث تقوم بجمعها وفرزها وتخزينها وتشكيل قاعدة بيانات بالمعلومات والقيام بالأبحاث الخاصة بها. علاوة على ذلك، تعد المكتبة مركزا وطنيا للسجلات البيبليوغرافية، ومركزا للمكتبات الرقمية وللبحوث والتطوير في علوم المكتبات والبحوث وتطبيق التكنولوجيات الحديثة.
كنز الثقافة الصينية
والمجموعة الأصلية لمكتبة بكين كانت مجمعة من مصادر عدة. ورثت محتوياتها من كتب وأرشيف المكتبة الإمبراطورية العائدة لسلالة كينغ (1644- 1912). ومنحها البلاط الإمبراطوري، في عام 1909، النسخة الكاملة المتبقية من النسخة الكلاسيكية النادرة «سي كو تشوان شو» (الفروع الأربعة للأدب)، التي اكتمل تجميعها في عام 1782. وبأمر من وزارة التعليم، نقلت الكتب القديمة والأراشيف والوثائق إلى المكتبة الجديدة، كذلك مجموعة الجامعة الإمبراطورية التي أغلقت في عام 1905.
وتلك المجموعات الإمبراطورية تضمنت كتبا ومخطوطات تعود إلى سلالة سونغ الجنوبية (1127-1279). كما نقلت محتويات ثلاث مكتبات خاصة من منطقة جيانغنان إليها، بينما تمكنت وزارة التعليم من نقل ما تبقى من مخطوطات كهوف دانهوانغ. وبذل البلاط جهودا للحصول على المسكوكات والنقوش النادرة للمكتبة.
وتشتهر المكتبة بمجموعاتها من الوثائق والمواد القديمة والنادرة، وسجلات السلالات الحاكمة في تاريخ الصين، وبمجموعاتها الثمينة من الكتب والدوريات والصحف والخرائط والمطبوعات والصور والمخطوطات وشرائط التسجيل والمنقوشات على الحجر والنحاس وقواقع السلاحف. وبرصيدها الكبير والمتنوع الذي يزيد على 31 مليون مجلد ومادة وفقا لإحصاءات ديسمبر 2012، تعد المكتبة الأكبر في آسيا، كما تحتل المرتبة الخامسة بين أكبر المكتبات الوطنية في العالم.
والمجموعة الأكثر قيمة في المكتبات هي الوثائق والمواد النادرة، وسجلات السلالات الحاكمة في التاريخ الصيني.
ومن أقدم مجموعات المكتبة مجموعة كتب وأرشيف المكتبة الإمبراطورية العائدة لسلالة سونغ الجنوبية (960-1279)، ومجموعة قواقع السلاحف وعظام الحيوانات المنقوشة خلال سلالة شانغ التي تعود إلى 3 آلاف سنة، والمخطوطات التي وجدت في كهوف دانهوانغ، والنسخة الصينية من «زو شاوتشنيغ تربيتاكا» للتعاليم البوذية لسلاسة جين(420-265ق م)..
وموسوعة الإمبراطور يونغلي الذي حكم خلال الفترة 1403 إلى 1424، والنسخة الكلاسيكية النادرة من «سي كو تشوان شو» أو «المكتبة الكاملة في الفروع الأربعة للأدب»، التي صنفت خلال عهد سلالة تشينغ الملكية (1644-1911) وجمِّعت خلال عهد الإمبراطور تشيان لونغ (1795-1736) على مدى 15 عاما، كذلك صفحة من النسخة الأصلية من «زيزهي تونجيان» للمؤرخ الصيني سيما غوانغ الصادرة عام 1084..
ولوائح حجرية من «كلاسيكيات شينبيغ» للعالم كاي يونغ (132-192) من سلالة هان الشرقية (25-220 م)، والأشعار الكاملة لسلالة سونغ وسلالة تانغ، وكتب ومواد قديمة تعود إلى شعب التانغوت، والكتب الكاملة للطاوية. ومن بين الكتب الأقدم في اللغات الأجنبية، هناك كتب مطبوعة في المراحل الأولى لفن الطباعة في أوروبا خلال الفترة 1473-1477.
وبالإجمالي، بلغت المجموعة الخاصة لمكتبة الصين الوطنية في نهاية ديسمبر 2012: أكثر من 334 الف كتاب ومادة نادرة بالصينية واللغات الأجنبية (270 الف كتاب صيني قديم ونادر، وأكثر من 167 مليون كتاب صيني كلاسيكي موصول بالخيط)، وأكثر من 174 ألف خريطة وأطلس بالصينية واللغات الأجنبية..
وأكثر من 164 ألف صورة (صور فوتوغرافية و4 آلاف صورة لرأس السنة الصينية ورسوم هندسية وغيرها)، وحوالي 317 ألف وثيقة لكتابات ونقوش (منها أكثر من 35 الف منقوشة على عظام وقواقع سلاحف من سلالة شانغ)، وأكثر من 93.7 الف مخطوطة ورسالة، وأكثر من 21.8 ألف وثيقة عائدة لدنهوانغ وتربان (منها أكثر من 16 الف مجلد من كهوف مينغوا في دانهوانغ)، وأكثر من 65 الف وثيقة عن علم الأنساب وسجلات متسلسلة.
كذلك، تحتوي المكتبة على المطبوعات الرسمية للأمم المتحدة والحكومات الأجنبية، ومجموعة من الآداب والمواد الأخرى في أكثر من 115 لغة.
ومن مقتنياتها الأخرى، وفقا لإحصاءات نهاية 2012، هناك في مجال الموسيقى تجميع أكثر من 90 الفاً من الوسائط السمعية المتنوعة، معظمها باللغات الصينية والإنجليزية واليابانية، وتشمل مجموعة قطع موسيقية كلاسيكية من مختلف أنحاء العالم. وفي مجال المواد البصرية، هناك مجموعة تضم أكثر من 188 الف قطعة من مواد الفيديو تغطي موضوعات مختلفة، بينها مجموعة أفلام عالمية وصينية.
كذلك ميكرو فيلم يتضمن أطروحات دكتوراه أجنبية، وصحفا صينية قبل عام 1949، وكتب مينغو (1912-1949)، ومطبوعات للحكومة اليابانية، ووثائق عن الدبلوماسية الأميركية الصينية في فترة أواخر سلالة كينغ، وأدب المبشرين الغربيين الأوائل في الصين، وقواميس، وسيرا ذاتية وكتبا عن الصين منشورة في الغرب قبل 1850.
مركز السجلات والفهارس
تشكل المكتبة مركزا للسجلات البيبلوغرافية، حيث تصدر عدة فهارس، منها الفهرست الوطني بالكتب الذي يصدر سنويا منذ عام 1929. وفي عام 1977، أسست المكتبة مركز فهرسة المكتبات على الإنترنت على مستوى الصين. وتعد المكتبة مسؤولة عن تجميع أكثر من 30 عنوانا لفهارس، مثل بيبليوغرافيا الصين الوطنية، والبيبيلوغرافيا العامة لفترة مينغو (1911-1949)..
والبيبيلوغرافيا الوطنية للكتب القديمة والنادرة. وأوجدت المكتبة إلى جانب مكتبات أخرى في الصين، قاعدة بيانات بيبلوغرافية لاستعادة الأحداث الوطنية في الصين (1949-87) التي، إلى جانب قاعدة البيانات لبيبلوغرافية الصين الوطنية (من 1988 إلى وقتنا الحالي)، تشكل ابرز قاعدة بيانات بيبلوغرافية عن الصين.
تطوير المكتبة
بدأت أتمتة المكتبة من منتصف السبعينات. لكن التركيز على بناء الشبكات وتطوير البرامج ومعالجة المعلومات، بدأ جديا منذ عام 1995، وفقا لخطة تطوير الشبكة الإلكترونية لمكتبة الصين الوطنية.
وأصبحت المكتبة في 2003 إحدى اكثر المكتبات تطوراً في العالم. وبوصفها مركزا لعلوم المكتبات والمعلوماتية، طورت نظام إدارة المكتبات الشامل «ونجين» الذي يستخدم الآن بشكل واسع في اكثر من 100 مكتبة في الصين. كما أن المكتبة مسؤولة عن عدة مشاريع ضمن برنامج «مكتبة الصين الوطنية الرقمية». والمكتبة تتبادل المطبوعات مع أكثر من ألف مكتبة ومؤسسة علمية في اكثر من 120 بلداً أو منطقة.
وبحلول عام 2012، مع «خطة الحفاظ على الكتب القديمة الصينية»، فإن 18 مؤسسة استكملت مسحا وتسجيلا لأكثر من 800 الف مجلد من الكتب القديمة. والكتب القديمة المحفوظة في 150 من «المؤسسات الوطنية الرئيسية لحماية الكتب القديمة» وصلت إلى اكثر من 20 مليون مجلد ومادة، تمثل حوالي نصف المحفوظ من الكتب القديمة في الصين.
22 طابقاً
تقع المكتبة حاليا قرب نهر غاوليانغ في منطقة هايديان في بكين، وتتألف من 22 طابقا بالإجمالي، وتقدم خدمات شاملة للحكومة المركزية ووزارتها والهيئات التشريعية ومؤسسات البحوث والتعليم والإنتاج الحيوية. واستنادا إلى إحصاءاتها، فإنه يقصدها ما معدله 13600 قارئ في اليوم، ويجري تداول 70 الف مجلد أو مادة. وفي المكتبة غرف للقراءة الإلكترونية متصلة بشبكات المعلومات الرئيسية في الصين.
بناء فولاذي رحب تصل سعته إلى 12 مليون كتاب
في عام 2008، فازت شركة «جورغن انجيل ارتشيتكتن» بمناقصة توسيع المكتبة بإضافة قطعة أرض إلى المبنى لتصبح المكتبة بمساحة إجمالية قدرها 80 الف متر مربع بسعة 12 مليون كتاب، على أن يبقى المبنى القديم المقام على نصب تذكاري تاريخي دون مساس، ويتصل بالمبنى الجديد باستخدام جسور خفيفة.
وعنصر مهم متضمن في عملية التوسيع كان «المكتبة الرقمية»، إلى جانب مجموعة سي كو تشوان شو لأهميتها التاريخية، التي أبرزت في إطار العمارة. والمكتبة الحديثة المؤلفة من عدة طبقات تحيط بغرفة القراءة التي تشع بضوء الشمس. والمبنى أخذ من أسس بناء العمارة الصينية التقليدية وموقع الأعمدة والسقف العائم هي عناصر مستخدمة في المباني الصينية.
وعندما رفع البناء الفولاذي لمكتبة الصين الوطنية في أكتوبر 2006، كان وزن الفولاذ الصلب المستخدم 10388 طنا مما يفوق وزن الفولاذ المستخدم في برج «ايفل».
«أحجار شينغ» نقوش كونفوشيوسية
تشتمل المكتبة على أحجار شبينغ، العائدة إلى عهد سلالة الهان الشرقية التي حكمت من 25 إلى 220م، وهي عبارة عن كتب منقوشة على أحجار، وموضوعها يدور حول فلسفة كونفوشيوس. وكانت تلك الكتب/ الأحجار، محفوظة في الأكاديمية الإمبراطورية في لويانغ خلال الفترة 175-م183.
ومبدع النقوش هو العالم الصيني كاي يونغ، الذي عاش خلال الفترة 132-192م، وكان ملماً بالخط والموسيقى والرياضيات وعلم الفلك، وخدم تحت إمرة إمبراطورين، قبل أن يتوفى في السجن. وساعدته في كتابة تلك الكلاسيكيات مجموعة من العلماء.
وكان يونغ كاي ومساعدوه قد طلبوا من الإمبراطور نقش هذه الكلاسيكيات على الحجر، وذلك في سبيل منع إجراء أي تعديل عليها، دعما لوجهات نظر معينة كانت تنتشر حينها. وهكذا جرى نقش 200 ألف حرف على 46 لوحاً من الحجر، تضمنت الكلاسيكيات السبع المعروفة في ذلك العصر، وهذه الكتب الحجرية لم ينجُ منها إلا بعض المقتطفات.




