في مبنى كبير مُطل على كورنيش النيل في مصر تقع «دار البلسم» المكونة من طابقين، في الدور الأرضي مكتبة البلسم، في طابع حديث، تغلب عليه الألوان المتناسقة، وأرض من الباركيه الخشبي تضيف عمقاً وصدقاً للمكان، بجانب الأرفف الخشبية التي تقبع عليها مئات النسخ من الكتب، والتي تخص الدار أو تعرض بداخل المكتبة، بجانب الزينة التي تصنع بهجة للمكتبة وزائريها..

حيث روعي دخول اللون الأخضر عن طريق أشكال النباتات البلاستيكية التي تجعل المكتبة تنبض بالحياة، والرسومات التي استخدمت فيها الألوان الدافئة، لصنع مزيد من الارتباط بالمكان، وكذلك رسومات الفنان الشهير حلمي التوني على وجه الخصوص، والتي تتميز بأسلوب مميز يخصه وحده.

الكراسي الخشبية تقف بجانب الرفوف، وكأنهما في حالة أنس وألفة سوية، ينتظران من يأخذ كتاباً من الرف، ثم يجلس على الكرسي، ليزيد الارتباط بينهما من خلاله.

ومكان الجلوس القطني ملون هو الآخر بألوان متنوعة، ولكن في شكل هندسي واحد، يجعل تلك الكراسي، برغم اختلاف ألوانها، نسيجا واحدا. ولكن يبقى الجوهر هو رسالتها الأدبية والفكرية النبيلة التي تركز على النهوض بأعباء رسالة الارتقاء بثقافة الطفل، وتجويد مضامين الكتب الموجهة إليه.

بداية

تعود بلسم سعدي مؤسسة الدار، بالزمن إلى سنوات سابقة وبالتحديد في عام 2004، حين أسست دار البلسم، ذلك وقت كانت ترى ابتعاد الأطفال عن المشهد الثقافي المصري والعربي، مركزين اهتماماتهم على القراءات الإنجليزية، لتعنى هي بنشر كتب الأطفال، على عكس بعض الدول العربية التي لا تضع هذا الأدب في مروحة اهتماماتها، وهو ما جعلها تفكر في إنشاء تلك الدار، التي تحاول من خلالها ملء تلك الفجوة.

وتبين بلسم انه واجهت الدار في البداية، مشكلة عدم وجود كتب عربية كثيرة لنشر كتب الأطفال، وهو ما جعلها تبدأ بترجمة الكتب الأجنبية التي تعني بقصص الأطفال، لتنفتح الدار على الثقافات الأخرى، وتترجم الكتب حول بلدان العالم المختلفة، مثل الإسبانية والفرنسية والألمانية والكورية، برغم ذلك جرى مراعاة واقع أن يكون كل ما يترجم لا يتعدى بأي شكل من الأشكال، التقاليد والعادات العربية.

أما المشكلة الثانية التي واجهت الدار، والكلام لبلسم، فكانت مشكلة التوزيع، إذ لا توجد شركة تختص وحدها بالتوزيع في مصر، وهو ما جعلها تضطر إلى تخصيص كثير من المجهود في التوزيع، الأمر الذي بات يؤثر على تركيز الناشرين، ويبدد كثيرا من جهدهم، ولكن الدار استطاعت أن تصنع جانبا تسويقيا موازيا من خلال الفعاليات المختلفة التي تحتضنها، والاتفاق مع المدارس المحيطة لاستضافة الطلبة الأطفال.

فعاليات ثقافية للأطفال

تعددت فعاليات الدار بشكل كبير، حيث إنه جرى توجيهها لعديد من الفئات العمرية، بدءا من الأطفال مرورا بالمراهقين، وحتى الشباب والكبار.

وتعد فعالية «مستقبلهم.. مستقبل بلدك»، والتي تقوم على توعية وتثقيف الأطفال من مختلف الفئات العمرية، بالتعاون مع الجمعيات المستقلة( مثل: تواصل، بناتي، شعراوي)، واحدة من أهم الفعاليات التي ركز على التخطيط لها في المكتبة..

وذلك لتوعية الأطفال بأهمية المسؤولية الجماعية، فتلك السمة التي يفتقدها الأطفال، برغم أن وجودها يخلق شخصية قيادية ومستقلة، تستطيع أن تعتمد على نفسها، وتضمن مستقبلا واعيا للأطفال الصغار.

أما الفعالية الثانية التي قامت بها مكتبة البلسم، فهي« نادي الكتاب» الذي يقدمه فريق «يو ترن»، حيث يناقشون كتابا هاما، فرض نفسه على الساحة الثقافية وحاز على عدد طبعات كبير، أو روايات تحمل فكرة، أو تناقش شيئا مثل مناقشة رواية «الطنطورية» للأديبة الراحلة رضوى عاشور، أو «هيبتا» أو «الإسلام بين الشرق والغرب» لعلي عزت بيجوفيتش، أو «نقطة النور» للكاتب البارز بهاء طاهر.

تنوع

كما تخصص الدار الندوات للكتاب، وذلك من أجل مد حبل التواصل بينهم وبين جمهورهم من الشباب، منها: الندوات التي أقيمت لكتاب مثل:

حسن كمال، إبراهيم عبد المجيد الذي ترشحت رواياته لجائزة بوكر في نسختها العربية بإحدى دوراتها. وكذلك تنظم حفلات التوقيع التي تقيمها المكتبة لكتب تصدر عن دور أخرى.. أو حفلات توقيع لكتب أصدرتها الدار نفسها، مثل كتاب «طلعت حرب.. رجل غير وجه مصر» للكاتبة ليلى الراعي، و«من ذاكرة أرض ونهر» للدكتور إبراهيم الشلبي.

عروض للأطفال بالعرائس

بالإضافة لتلك الفعاليات، فإن المكتبة تقدم للأطفال عروضا بالعرائس، تتناول في كل شهر موضوعا مختلفا لتقديم القيم الأخلاقية والتعاليم على هيئة عروض ممتعة..

وفي هذا الصدد جرى مثلا تقديم عرض عرائس لأشهر نوادي جحا، والذي تناول فكرة المواقف المحرجة التي وقع فيها وكيف استطاع بذكائه الفطري الخروج منها لينال تقدير الناس، وكذلك نوادر الحيوانات، وأيضا فعالية «سحر الألحان» التي هي عبارة عن حكي عن أهل المغنى قديما، والذين أمتعونا بالأغاني التي تتوجه لقلوب المستمعين قبل أذانهم.

فعالية أخرى هي الأقرب لقلوب الأطفال «حكي ونشاط» تلك التي تُحكى فيها القصص المطبوعة، ليجلس الأطفال ويستمعوا إليها، فيقتربوا أكثر من القراءة، وذلك لأن الأذن عند الطفل هي الوسيلة الأسهل لديه لتلقي المعلومات، ليتم حكي عدة قصص قد أصدرتها الدار نفسها مثل «لامادا: العودة، فيفي تصنع الحلوى، أيها الدب البني.. أيها الدب البين ماذا ترى؟»، وغيرها من القصص.

المكتبة كذلك لا تركز على القراءة وحدها دون بقية الأدوات التي تساهم في رفع مستوى الإبداع عند النشء أو المراهقين، بل تقوم المكتبة بتنظيم ورش للرسم، وكذلك ورش للخط العربي، وورش لتعليم مهارات العرض والتقديم.

جوائز

حصلت إصدارات دار ومكتبة البلسم على عديد من الجوائز في الدول العربية، وفي الإمارات على وجه الخصوص، حيث حصدت قصة «عود السنابل» على جائزة «اتصالات لكتاب الطفل» لعام 2013 لأفضل كتاب ورسوم للأطفال..

وكذلك برز كتاب «وجدت بيتا.. توت البرغوت» لسحر عبد الله، والذي وصل للقائمة الطويلة في جائزة الشيخ زايد للكتاب، إضافة لرواية «سنة في قنا» للكاتبة هديل غنيم، والتي ترشحت للقائمة القصيرة لجائزة «اتصالات»- فئة اليافعين.

مواكبة حثيثة للنشر الإلكتروني

تحرص المكتبة على مواكبة كافة مساقات التحديث والتطوير في مجال الكتاب والنشر الإلكتروني، وفي السياق، فإنها تتابع تأمين جميع المتطلبات اللازمة لقرائها ليستطيعوا الاستفادة والتحصيل المعرفي إلكترونياً. ولدى المكتبة خطة عمل متجددة وفاعلة، تقوم على معايير دقيقة. وتهتم لأجل دقة تحقيق أهدافها في هذا المجال، بالاستفادة من تجارب عريقة.

اهتمام خاص بالمؤلفين الشباب

تعنى دار البلسم بالتركيز على استقطاب فئة الشباب، وتشجيع المواهب من هذه الفئة. إذ تقدم حوافز وتسهيلات عديدة في الخصوص. كما تهتم بتوسيع أعمالها الترويجية الخاصة باصدارات كافة المؤلفين لديها، وبشكل بارز الشباب منهم. ولدى الدار برنامج عمل تاهيلي عال، تطور من خلاله مهارات المؤلفين الشباب، وتقدم لهم الملاحظات التي تعزز مهنيتهم.

مشاركات فاعلة وتنويع وتطور دائمان

لا تتوقف الدار عن الانخراط والمشاركة بمختلف الفعاليات والأنشطة التي تفضي إلى توسيع شبكة علاقاتها وتقديم فرصة حيوية لها للاستفادة من أية خبرات، أو لتأمين خطوط تواصل مع أحدث أدوات وآليات العمل في مجال النشر والثقافة، عربياً وعالمياً..

وفي هذا الصدد، شاركت الدار في عدة معارض دولية، كمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وأيضا معرض فرانكفورت الدولي للكتاب في دورة هذا العام والذي يقام بألمانيا، وكذا شاركت الدار في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2014، كما شاركت وتشارك في معرض الشارقة الدولي للكتاب.