في القسم الغربي للعاصمة تونس الخضراء، تسكن دار الكتب الوطنية، وهي المكتبة الوطنية الرسمية في تونس تابعة لوزارة الثقافة وتتولى الحفاظ على التراث الفكري الوطني التونسي، وقد مضى على إنشائها ما يقارب قرناً ونصفا من الزمن.
مرت دار الكتب التونسية بالعديد من المراحل، وحطت رحالها بالكثير من المواقع إلى أن رست في 2005 على مقرها الحالي بأعالي العاصمة بشارع 9 إبريل، الذي يرمز إلى مظاهرات التونسيين إبان الاحتلال الفرنسي للمطالبة بالحرية وتأسيس برلمان تونسي.
تاريخ تونس
كان لتونس الواقعة شمال أفريقيا دور هام في التاريخ القديم، حيث تعاقبت عليها حضارات وأمم من عهد الفينيقيين والأمازيع، مرورا بالقرطاجيين والرومان، فتحها المسلمون في القرن السابع الميلادي وأسسوا فيها مدينة القيروان سنة 50 هـجرية، لتكون أول مدينة إسلامية في شمال إفريقيا، الأمر الذي جعل منها أرضاً خصبة لثقافات وفنون متــــنوعة، تحــفظ الكثير منها لغاية اليوم.
وتهتم دار الكتب التونسية منذ إنشائها بجمع هذا التراث الفكري التونسي بواسطة الإيداع القانوني لغاية معالجته وحفظه، وإبراز قيمته وإتاحته للمستفيدين.
كما تتولى حفظ وصيانة التراث الوطني بمختلف أنواعه من المخطوط والمطبوع والإلكتروني، وأيضا تأمين خدمات الإرشاد والتوجيه في ميداني البيبليوغرافيا والتوثيق، وتنظيم دورات تكـــوين وتأهيل للمهنيين، وإعداد دراسات في مجالي البيبليوغرافيا والتوثيق، وتطبيق التشريعات الخاصة بالتراث الوثائقي والعمل على فرزها..
والمساهمة في النهوض بالثقافة الوطنية، وإعداد وتحسين وتطوير المعايير والمواصفات المعمول بها. إضافة لإقامة علاقات تعاون مع المكتبات والمؤسسات الشبيهة على الصـــعيدين الوطني والدولي.
تأسيس وبدايات
يعود وضع حجر الأساس لدار الكتب الوطنية التونسية لباي تونس علي باشا الثالث «فترة حكمه بين 1882 و1902» الذي أمر بمقتضى مرسوم في 8 مارس 1885 بإنشاء مكتبة أطلق عليها في البداية اسم المكتبة الفرنسية واتخذت آنــذاك من المعهد العلوي بتونس مقرا لها.
تشكل رصيد دار الكتب الوطنية في البداية من مجموعة كتب متأتية من إدارة التعليم العمومي أضيفت إليها فيما بعد مكــتبة قنصل فرنسا شارل تيسو. ولم تعرف هذه المكــــتبة انطلاقـــتها الفعلية إلا في غضون سنة 1910 إثر نقلها إلى سوق العطارين بالمدينة العتيقة، بثكنة قديمة للانكشاريين الأتراك التي يعود بنــاؤها إلى عام 1810، ليس بعيداً عن جامع الزيتونة ومن هنا جاءت تسمـــيتها المــعروفة بمكتبة «العطارين».
وجاء اختيار سوق العطارين آنذاك لاعتبارات استراتيجية أهمها محاذاته لجامع الزيتونة العريق الذي يعد أحد أقدم وأشهر المساجد في بلاد الإسلام كلّها حيث أسّسه عبيد اللّه بن الحبحاب سنة 116 هجرية.
معالم تاريخية
إضافة إلى وجوده قرب جملة من المعالم التاريخية العريقة كساحة القصبة ومقار الوزارات المختلفة وكونه يمثل همزة وصل بين المدينة العتيقة ونظيرتها الأوروبية التي أنشأها الفرنسيون في عهد الحماية. وبعد استقلال تونس في 1956، فتحت مكتبة العطارين صفحة جديدة من تاريخها وعرفت جملة من التحولات أهلتها للارتقاء إلى مكانة مكتبة وطنية..
حيث راح المسؤولون في تلك الفترة في عملية بحث لإثراء رصيدها الفكري من الكتب والمخطوطات، لتتمكن بمقتضى أمر رئاسي مؤرخ في 7 سبتمبر 1967 من جمع المخطوطات العربية الإسلامية من المكتبات التونسية العريقة والزوايا والمساجد سواء بالعاصمة أو بالمناطق الداخلية للبلاد باستثناء مكتبة القيروان العتيقة.
لتستفيد مجددا بأرصدة المكتبتين العريقتين لجامع الزيتونة وهما المكتبة العبدلية والمكتبة الأحمدية التي يعود تاريخ تشييدها إلى القرن 19، إضافة إلى اقتناء أرصدة مكتبات بعض الخواص من الأغنياء والمثقفين وعلماء الدين.
بيبليوغرافيا وطنية
عام 1975 وإثر صدور قانون الإعلام الجديد في تـــونس، أصبحــــت دار الكتب الوطنية كذلك وجهة أساسية للإيداع القانوني الخاص بالإنتاج الفكري الوطني المعلن عنه دوريا في نشرتها السنوية «البيبليوغرافيا الوطنية التونسية».
اضطلعت المكتبة بمهمة إسناد الترقيم الدولي الموحد للدوريات (1976) وللكتب (1988) وبذلك دخل الكتاب التونسي حركة النشر العالمي، وقد أصبح بإمكان جميع الباحثين الاطلاع على الرصيد الثري لمكتبة الخلدونية التي أنشئت سنة 1901 على يد ثلة من المثقفين التونسيين إثر ضم هذا الرصيد لدار الكتب الوطنية سنة 1992.
مخطوطات قديمة
تتوسط دار الكتب التونسية في مقرها الحالي عددا من المؤسسات الجامعية والبحثية والثقافية التي تتمركز وسط العاصمة تونس من أهمها الأرشيف الوطني التونسي والمعهد العالي لعلوم الإنسانية وكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس ومتحف التربية وجامعة الزيتونة التي تعد أول جامعة أنشئت في العالم الإسلامي، ولعبت دورا مهما في نشر الثقافة العربية الإسلامية، حيث تجاوز إشعاعها حدود تونس ليصل إلى سائر الأقطار الإسلامية.
وتزخر دار الكتب الوطنية برصيد ثري من المخطوطات ومجموعات هامة ونادرة من الدوريات التونسية ورصيد وثائقي قيم من الكتب في لغات شتى. يعكس هذا الرصيد حصيلة عدة قرون من النهضة العلمية والمعرفية بداية من القرن العـــاشر، تحمل في ثناياها زخماً من العلوم والمعارف التي دونها أعلام الفكر والثقافة في مختلف الحقب التاريخية.
مليون عنوان
تحتفظ دار الكتب الوطنية بمجموعات هامة ونادرة من الدوريات التونسية التي تعود إلى القرن التاسع عشر. وتتميز بتنوع مضامينها «هزلية، أدبية، علمية، جهوية»..
واتجاهاتها الفكرية وتياراتها السياسية. أما في مجال المطبوعات فلدار الكتب الوطنية رصيد وثائقي من الكتب يصل حوالي مليون عنوان في لغات شتى منها العربية، واللاتينية، والفارسية والتركية، والأمازيغية ولغات أخرى عدة. وتكتسي بعض هذه الكتب قيمة كبيرة حيث يعود تاريخ طباعة بعضها إلى نهايات القرن السادس عشر ميلادي أي مع بداية ظهور الطباعة.
رصيد من المخطوطات في مختلف العلوم
سعت تونس دوماً إلى تجميع ما تمتلكه من رصيد مهم من المخطوطات التي احتفظت بها على مدار قرون، حيث كانت مدينة القيروان عاصمة العلم والثقافة وجامع الزيتونة مصدر إشعاع إفريقية والأندلس واستقطبت اهتمام العلماء والفقهاء من المشرق والمغرب. وقامت تونس بعد استقلالها بتجميع هذه المخطوطات من المساجد والزوايا والمكتبات...
كما قامت بسن قوانين خاصة تسمح لها بإيداعها بدار الكتب الوطنية وذلك للمحافظة عليها وحمايتها. ودأب المحافظون الذين تداولوا على إدارة المؤسسة على تنمية الرصيد العام للمخطوطات بالشراء والهبات ونتيجة لهذا التوجه بلغ عدد المخطوطات أربعين ألف عنوان.
وتغطي هذه المخطوطات مختلف فروع المعرفة كالعلوم الشرعية واللغة والأدب والمعارف الإنسانية والعلوم والفنون إلى جانب مجموعة كبيرة من مخطوطات المصاحف ومصنفات الحديث المتميزة بتزويقها وتذهيبها وزخرفتها الهندسية والنباتية والكتابية التي تعبر عن خصائص المدرسة التونسية في فن الخط والتزويق وصناعة الورق.
مكتبة رقمية تساير تطور العصر
بما أن العالم أصبح يسير بسرعة البرق ويتكلم لغة التكنولوجيا والتطور، واكبت دار الكتب التونسية عصرها بإنشاء مكتبة رقمية للتعريف بما تزخر به من ثروة وثائقية ولتوفير آليات بديلة تمكن من مزيد المحافظة على الوثائق الأصلية وتيسير تداولها.
وتوفر دار الكتب حاليا رصيدا مرقمنا يتكون من مخطوطات حفظا لرصيدها المهم من نوادر المخطوطات ونفائسها تعمل دار الكتب الوطنية على رقمنة كل العناوين. إضافة إلى تحويل مجموعة من المخطوطات من الميكروفيلم إلى النسخة الرقمية، كما تعمل المكتبة على رقمنة الكتب النادرة وكتب التراث والإنتاج الفكري التونسي، أما في مجال المخطوطات فقد شرعت دار الكتب الوطنية في رقمنة مختارات نادرة وثمينة من رصيد الدوريات.




