معرض بيروت العربي الدولي للكتاب عرس الكلمة ومهرجان الكتاب، وأحد المواعيد الكبرى التي تجمع بين الثقافة والمعرفة والسياسة والاقتصاد والإبداع، بيروت فيه تقرأ وتكتب وتختبر، وتحلم وتفكر وتصنع وتبشر بالربيع الآتي..

فقد أصبح المعرض في ريعان حضوره ومكانته وهيبته التي لا تنافَس، ودار الزمن أكثر من دورة كاملة بين عام 1956 وعام 2014، وبلغ معرض بيروت الدولي للكتاب عامه الـ58 في دورته الأخيرة التي انتهت أخيراً في 11 ديسمبر 2014، لذلك لا غرابة في أن يلقبه المعنيون بالمعارض العربية الكبيرة بلقب «عميد معارض الكتب العربية».

احتفالية ثقافية

يعتبر المعرض من أوائل المعارض العربية في العالم العربي الأكثر عراقة والأكثر اتساعاً، ويتصف بنجاحه واستمراريته الثابتة، كما استطاع هذا المعرض على مر السنوات أن يغدو احتفالية ثقافية حقيقية تضيء بيروت، ومساحة جميلة يلتقي فيها مبدعون لبنانيون وعرب وأجانب من جهة..

وقراء وزوار يجدون في هذا المعرض حدثاً مهماً يذكرهم بأهمية الكتاب ودوره في تنمية المجتمعات وتطويرها، وتنظم في إطاره نشاطات ثقافية متنوعة.

كما يشارك في المعرض سنوياً عدد كبير من دور نشر لبنانية وعربية وأجنبية، ومنظمات محلية ودولية، إلى جانب عشرات الآلاف من الزوار، فقد أقيم معرض «بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته الأولى في 23 أبريل عام 1956 في قاعة «وست هول» في الجامعة الأميركية في بيروت..

واستمر ثلاث سنوات، وكان المعرض تحت إشراف لجنة متخصصة من أعضاء النادي الثقافي العربي، وكان العمل فيه بشكل تطوعي، وقد حقق المعرض في دورته الأولى نتائج باهرة، كانت دافعاً لأعضاء النادي إلى المضي قدماً في إقامة هذا المعرض سنوياً، وبصورة دائمة، ليتطور مع الزمن ويكون أحد المعالم الثقافية في بيروت.

قصر اليونيسكو

تكاثرت طلبات الاشتراك من قبل دور النشر العربية والدولية، حتى لم تعد القاعة قادرة على استيعاب الكم الهائل من دور النشر، فانتقل المعرض في عامه الـ12 إلى قصر اليونيسكو عام 1966، ولكن بعد ذلك انتقل بصورة مؤقته إلى جامعة بيروت بين عامي 1968 - 1970، ثم عاد مرة أخرى إلى قصر اليونيسكو، وظل فيه حتى الدورة الأربعين التي أقيمت في عام 1995..

وفي فترات معينة كانت الحالة الأمنية شديدة الخطورة كالأحداث التي وقعت في الأعوام «1975- 1976 - 1989- 1990»، أدت إلى شبه استحالة إقامة المعرض نتيجة لطوفان الدم والدمار والحرائق والتخريب في لبنان، وفي عام 1996 انتقل المعرض إلى ساحة الشهداء سعياً وراء مساحة أكبر وأوسع..

ولكنه ما لبث أن انتقل بعد ذلك إلى قاعة إكسبو بيروت في منطقة «عين المريسة»، واستمر فيها من عام 1997 حتى عام 2003، إلى أن استقر أخيراً منذ عام 2004 إلى الآن في قاعات المعارض في مركز «بيال» للمعارض وسط بيروت التجاري.

شخصيات مهمة

أسِّس المعرض تحت رعاية شخصيات مهمة ذات حضور سياسي أو أدبي أو ثقافي، فالمعرض الأول افتتح تحت رعاية المؤرخ الكبير قسطنطين زريق، والمعرض الثاني برعاية الرئيس رشيد كرامي، أما الثالث فافتتحه الأديب ميخائيل نعيمة، كما شارك في افتتاحه عدد كبير من الشخصيات المهمة، منها:

رفيق الحريري ونجيب أبو حيدر وصائب سلام وإبراهيم حلاوي وفؤاد السنيورة، وقد تمثلت أهداف المعرض منذ تأسيسه إلى التعريف بالإنتاج الفكري للبلاد المشتركة، وأسهم في تطوير سبل توزيع الكتاب في جميع أنحاء العالم، وتشجيع عمليات الحقوق، وتحفيز الاستثمار في ميدان النشر على أوسع نطاق.

أرقام

شهد المعرض منذ بدايته في عام 1956 مشاركة 23 دار نشر، فقد كان حجم المشاركة متواضعاً في السنوات الأولى حتى عام 1981..

وازداد العدد إلى 91 دار نشر، أما في عام 1985 فارتفع إلى 150 داراً، وقد بلغ عدد دور النشر العربية في معرض الكتاب عام 1993 نحو 157 دار نشر، أما في عام 1995 فاشتركت 144 دار نشر لبنانية، و14 دار نشر عربية، حتى وصل عدد دور النشر اللبنانية إلى 167 داراً، ودور النشر العربية 56 داراً في عام 2014، وتميز المعرض في دورته الـ38 بحضور مكثف وإقبال شديد..

وبعد أربعين عاماً اتسع من حيث المساحة والإقبال الكثيف، إذ بلغ 350 ألف زائر، مع مشاركة كبيرة من دور النشر، وعندما أصبح عمره 48 عاماً، شارك فيه 175 دار نشر لبنانية، و36 عربية، وثلاث مؤسسات دولية، من بينها معرض فرانكفورت، وتضمن حفلات توقيع لأكثر من 150 مؤلفاً، وتطور عدد زوار المعرض، ففي عام 1978 كان عدد الزائرين 70 ألف زائر في دورته الـ22، ووصل العدد إلى 350 ألف زائر في عام 1997.

نشاطات متنوعة

لم يكتف المعرض بعرض الكتب، وإنما تعدى ذلك إلى تنظيم نشاطات ثقافية متنوعة تستمر طيلة أيام المعرض، وعبر تاريخه استضاف شخصيات ثقافية وأدبية وفنية عالية المستوى، فعلى الصعيد السياسي استضاف المعرض: عصمت عبد المجيد، الأمين العام للجامعة العربية، والرئيس فؤاد السنيورة، وعلى الصعيد الفكري استضاف محمد جابر الأنصاري، وحسن حنفي..

أما على الصعيد الشعري فاستضاف عدداً من الشعراء، منهم: محمود درويش، ونزار قباني، وعبد الوهاب البياتي، وشوقي بغدادي، وسعدي يوسف، واستضاف على الصعيد الأدبي كلاً من: عصام محفوظ وإحسان عباس، وحرص المعرض على استضافة عدد من أشهر الفنانين في العالم العربي، من بينهم: عزت العلايلي ومحمد صبحي ونضال الأشقر ودريد لحام وسليم سحاب وسمية بعلبكي.

ثقافة الطفل

اهتم المعرض بثقافة الطفل بشكل كبير، إذ عُقد كثير من الندوات بإشراف مختصين وتربويين على أعلى مستوى، وكان يتم عرض قصص الأطفال مع عرض لأفلام توضيحية، وقد جرى الاهتمام بالنشاطات الطلابية والندوات التربوية التي شارك فيها نخبة من المتخصصين لمناقشة قضايا الطلاب والشباب الجامعيين..

فقد كان لطلاب المدارس حصة كبيرة في المعرض باعتبارهم الجيل الصاعد، إذ قدم المعرض في عام 2013 مسابقة شعرية بين المدارس، بالتعاون مع اللجنة الوطنية لليونيسكو، والدورة الماضية 2014 خصصت للنصوص المسرحية، كما تقوم المدارس باصطحاب طلابها إلى المعرض سنوياً، وهناك حفل توقيع للكتب، حيث يستضيف الكتّاب الطلاب، ما يشجعهم على القراءة.

مشاركة إماراتية

شاركت الإمارات في عام 2009، من خلال وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، في معرض بيروت الدولي للكتاب، بجناح متميز يمثل دولة الإمارات العربية المتحدة، وتنضوي تحت مظلته جميع دور النشر والمؤسسات الثقافية الإماراتية، وقدم الجناح جميع إصدارات الوزارة الفكرية والثقافية الحديثة التي تضم قائمة طويلة من العناوين للمبدعين الإماراتيين في مختلف العلوم، بحيث يمثل الجناح بانوراما كاملة للمشهد الثقافي بالدولة..

وقد حرصت الوزارة على أن يكون جناحها متميزاً من حيث الشكل الذي يستوحي تصميمه وواجهته الخارجية أجواء التراث الإماراتي المميز، كما يضم كل الأعمال الفكرية والثقافية لكبار مبدعي الإمارات، إضافة إلى تقديم الأجيال الجديدة من المواهب الإماراتية، وقد نظمت الوزارة أكثر من فعالية مهمة على هامش المعرض.

في الدورة الأخيرة من معرض بيروت العربي الدولي للكتاب التي حملت الرقم الـ58، والتي استمرت من 28 نوفمبر حتى 11 ديسمبر 2014، شاركت 167 دار نشر لبنانية، و56 دار نشر من الدول العربية، وأقيمت ضمن فعاليات المعرض عشرات الندوات التي شارك فيها كتّاب ومثقفون وأدباء من لبنان والعالم العربي، إضافة إلى عدد من الأمسيات الشعرية، والتواقيع والمحاضرات الثقافية المتنوعة.

زمن الأزمات

يمثل المعرض حقبة مهمة من تاريخ لبنان الثقافي، ويؤكد استمرارية وتمسك الشعب اللبناني بدوره الثقافي على مستوى العالم العربي، ويؤكد أنه شعب يحب الضوء، برغم كل الظلام الذي يحيط به، وأن الثقافة ما زالت حاضرة، وهي مناسبة تستحق الوقوف عندها، ليس بسبب الحراك الثقافي فقط الذي يثبت أن المدينة ما زالت بخير..

ولا بسبب الأنشطة الثقافية المتنوعة، وإنما بسبب حرص وإصرار النادي الثقافي العربي ونقابة الناشرين على تنظيم هذا المعرض، برغم كل الظروف المحيطة..

ويعني ذلك فصل الثقافة عن الأزمة السياسية المستمرة منذ فترة في لبنان، فالمعرض بحد ذاته لا يمثل الآن عملاً ثقافياً بحتاً، وإنما يذهب إلى أبعد من ذلك، يذهب إلى استمرار الحياة في المدينة، وأن الوجه الثقافي لها هو فوق كل الأزمات والتفاعلات السياسية، محتفظاً بخياره ورهانه في البقاء منصة للأمل والحياة والقراءة.

1992

لقِّب معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في عام 1992 بتونس بلقب «عميد المعارض العربية»، وأُعلنت بيروت عاصمة للثقافة العربية في عام 1999..

وكانت أشهر الكتب مبيعاً في تاريخ معرض بيروت للكتاب ديوان «قصيدة بلقيس» لنزار قباني، وديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً» لمحمود درويش، و«ذاكرة الجسد» للكاتبة أحلام مستغانمي، وكتاب «تفسير الأحلام» لابن سيرين، وكتاب «قطوف من ليل الواحات» لسلوى الأمين، وكذلك كتاب «بدايات» لأمين معلوف.

عصر ذهبي للناشرين

أسهم المعرض في ظاهرة شبه معجزة في تاريخ الناشرين في لبنان، فبرغم كل ما يمر به الناشرون من صعوبات أو أزمات مالية واقتصادية دامت أكثر من 15 عاماً، استطاع الناشرون في تلك الفترة أن يتصدروا العالم العربي في حقل النشر والطباعة وتوزيع الكتاب، فهذه الفترة أشبه بالعصر الذهبي للعاملين في حقل النشر في لبنان، إذ لم يكن عددهم يتجاوز 20 ناشراً، ليصل عددهم إلى 600 ناشر حسب سجلات نقابة الناشرين في لبنان.

ندوة تحتفي بالراحل أحمد فؤاد نجم

باقة من الفعاليات ذات الدلالة الكبيرة، تضمنتها الدورة الاخيرة لمعرض بيروت الدولي للكتاب. ومن بين أبرزها، تنظيم ندوة لتكريم الشاعر المصري الراحل، أحمد فؤاد نجم، شارك فيها :

ناشر صحيفة السفير طلال سلمان، كريم مروة، عضو النادي سامي مشاقة. وقدمها الروائي والصحفي أحمد علي الزين، والذي استهلها بعرض حلقة من برنامجه، الذي يقدم على قناة العربية "روافد"..

كان قد استضاف خلالها الشاعر الراحل. تخللت الندوة تحية فنية لأحمد فؤاد نجم، اشتملت على باقة من أغاني الراحل. وسلطت الندوة الاضاواء على أنه أحدث الديوان الشعري الأول لنجم، الصادر في العام 1972، تحت عنوان "يعيش أهل بلدي"، نقدا صارما لأبرز الرموز الثقافية والسياسية والفنية.

وأحدث الديوان، فور صدوره، بفضل ما تضمنه وما اشتمل عليه من قيم، ذلك كما بين المشاركون في الندوة، دوياً هائلاً في الأوساط الثقافية والشعبية والرسمية. ومن هنا كان هذا الديوان الكتاب الأكثر مبيعا في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب للعامين 1972 و1973. وأعيد طبعه خمس مرّات متوالية في بيروت .

أمسية خالدة تلفحت بالشعر والأدب

تلفحت بيروت بنفحات الشعر والأدب والجمال سنة 1993، واستحوذت رنة الكلمة وفحواها واستعادت الحلم، فبعد غياب 17 عاماً شارك الشاعر نزار قباني في المعرض في هذا العام في دورته الـ36، ولقي حضوره في المعرض احتفاء خاصاً لم يحظ به شاعر عربي من قبل، حيث عاد بكلماته وأشعاره وقصائده النزارية التي أدمت قلوب جمهوره، في قاعة اكتظت وضاقت باحتها الخارجية قبل موعد الأمسية بساعات.