في القسم الغربي للعاصمة تونس الخضراء، تسكن دار الكتب الوطنية، وهي المكتبة الوطنية الرسمية في تونس، وتتبع إلى وزارة الثقافة وتتولى الحفاظ على التراث الفكري الوطني التونسي. مرت دار الكتب التونسية بالعديد من المراحل وحطت رحالها بالكثير من المواقع، إلى أن رست في 2005 على مقرها الحالي بأعالي العاصمة بشارع 9 أبريل 1938، الذي يرمز إلى مظاهرات التونسيين إبان الاحتلال الفرنسي، للمطالبة بالحرية وتأسيس برلمان تونسي. إنها في العموم، وكما ينظر إليها بحاثة ومتخصصون كثر، خزنة الوثائق والمؤلفات.. ومجمع التراث. إذ إنها دار للكتب والفكر والوثائق والسجلات والمواد التراثية.

دور مهم

كان لتونس الواقعة شمال إفريقيا دور مهم في التاريخ القديم، حيث تعاقبت عليها حضارات وأمم من عهد الفينيقيين والأمازيع، مروراً بالقرطاجيين والرومان، ثم فتحها المسلمون في القرن السابع الميلادي، وأسسوا فيها مدينة القيروان سنة 50 الهـجرة، لتكون أول مدينة إسلامية في شمال إفريقيا، الأمر التي جعل منها أرضاً خصبة لثقافات وفنون متنوعة، تحفظ الكثير منها لغاية اليوم.

وتهتم دار الكتب التونسية منذ إنشائها بجمع هذا التراث الفكري التونسي، بواسطة الإيداع القانوني لغاية معالجته وحفظه وإبراز قيمته وإتاحته للمستفيدين. كما تتولى حفظ وصيانة التراث الوطني بمختلف أنواعه، من المخطوط والمطبوع والإلكتروني.. وتعنى بتأمين خدمات الإرشاد والتوجيه في ميداني الببلوغرافيا والتوثيق..

وتنظيم دورات تكوين وتأهيل للمهنيين، وإعداد دراسات في مجالي: الببلوغرافيا والتوثيق، تطبيق التشريعات الخاصة بالتراث الوثائقي والعمل على تحيينها. ذلك إلى جانب المساهمة في النهوض بالثقافة الوطنية، وكذا إعداد وتحسين وتطوير المعايير والمواصفات المعمول بها. إضافة إلى إقامة علاقات تعاون مع المكتبات والمؤسسات الشبيهة، على الصعيدين الوطني والدولي.

اعتبارات استراتيجية

تشكل رصيد دار الكتب الوطنية في البداية من مجموعة كتب متأتية من إدارة التعليم العمومي، أضيفت إليها فيما بعد، مكتبة قنصل فرنسا شارل تيسو. ولم تعرف هذه المكتبة انطلاقتها الفعلية إلا في غضون سنة 1910، إثر نقلها إلى سوق العطارين بالمدينة العتيقة، بثكنة قديمة للانكشاريين الأتراك التي يعود بناؤها إلى عام 1810، وهو ليس بعيداً عن جامع الزيتونة. ومن هنا جاءت تسميتها المعروفة «بمكتبة العطارين».

وجاء اختيار سوق العطارين، آنذاك لاعتبارات استراتيجية، أهمها محاذاته لجامع الزيتونة العريق الذي يعد أحد أقدم وأشهر المساجد في بلاد الإسلام كلّها، إذ أسّسه عبيد اللّه بن الحبحاب سنة 16 للهجرة. وهذا بالإضافة إلى وجوده قرب جملة من المعالم التاريخية العريقة، كساحة القصبة ومقرات الوزارات المختلفة، وكونه يمثل همزة وصل بين المدينة العتيقة ونظيرتها الأوروبية التي أنشأها الفرنسيون في عهد الحماية.

مكتبة ما بعد الاستقلال

بعد استقلال تونس في 1956، فتحت مكتبة العطارين صفحة جديدة من تاريخها وعرفت جملة من التحولات، أهلتها للارتقاء إلى مكانة مكتبة وطنية..

حيث انشغل المسؤولون في تلك الفترة في عملية بحث لإثراء رصيدها الفكري من الكتب والمخطوطات، لتتمكن بمقتضى أمر رئاسي مؤرخ في 7 سبتمبر 1967، من جمع المخطوطات العربية الإسلامية، من المكتبات التونسية العريقة والزوايا والمساجد سواء بالعاصمة أو بالمناطق الداخلية للبلاد، باستثناء مكتبة القيروان العتيقة. ولتستفيد مجدداً بأرصدة المكتبتين العريقتين لجامع الزيتونة: المكتبة العبدلية.. والمكتبة الأحمدية التي يعود تاريخ تشييدها إلى القرن 19، إضافة إلى اقتناء أرصدة مكتبات بعض الخواص، من الأغنياء والمثقفين ورجال الدين.

1975

عام 1975 وإثر صدور قانون الإعلام الجديد في تونس، صارت دار الكتب الوطنية، كذلك، وجهة أساسية للإيداع القانوني الخاص بالإنتاج الفكري الوطني المعلن عنه دورياً في نشرتها السنوية «البيبليوغرافيا الوطنية التونسية». واضطلعت المكتبة بمهمة إسناد الترقيم الدولي الموحد للدوريات (1976) وللكتب (1988).

وبذلك دخل الكتاب التونسي حركة النشر العالمية، ومن ثم أصبح بإمكان جميع الباحثين الاطلاع على الرصيد الثري للمكتبة الخلدونية التي أنشئت سنة 1901، على يد ثلة من المثقفين التونسيين إثر ضم هذا الرصيد إلى دار الكتب الوطنية سنة 1992.

رصيد ثري

تتوسط دار الكتب التونسية في مقرها الحالي، عدداً من المؤسسات الجامعية والبحثية والثقافية التي تتمركز وسط العاصمة تونس، من أهمها: الأرشيف الوطني التونسي والمعهد العالي لعلوم الإنسانية وكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. وكذا: متحف التربية، جامعة الزيتونة التي تعد أول جامعة نشأت في العالم الإسلامي ولعبت دوراً مهماً في نشر الثقافة العربية الإسلامية..

حيث تجاوز إشعاعها حدود تونس ليصل إلى سائر الأقطار الإسلامية. وتزخر دار الكتب الوطنية برصيد ثري من المخطوطات ومجموعات مهمة ونادرة من الدوريات التونسية، ورصيد وثائقي قيم من الكتب في لغات شتى. يعكس هذا الرصيد حصيلة قرون عدة من النهضة العلمية والمعرفية بداية من القرن العاشر، تحمل في ثناياها زخماً من العلوم والمعارف التي دونها أعلام الفكر والثقافة في مختلف الحقب التاريخية.

تاريخ الطباعة

وتحتفظ دار الكتب الوطنية بمجموعات مهمة ونادرة من الدوريات التونسية التي تعود إلى القرن التاسع عشر. وتتميز بتنوع مضامينها (هزلية، أدبية، علمية، جهوية،..) واتجاهاتها الفكرية وتياراتها السياسية.

أما في مجال المطبوعات، فلدار الكتب الوطنية رصيد وثائقي من الكتب يبلغ حوالي المليون عنوان في لغات شتى، منها: العربية واللاتينية والفارسية والتركية والأمازيغية. ولغات أخرى عدة. ويكتسي بعض هذه الكتب قيمة كبيرة، حيث يعود تاريخ طباعته إلى نهايات القرن السادس عشر ميلادي، أي مع بداية ظهور الطباعة.

رقمية تساير العصر

لأن العالم صار يسير بسرعة البرق ويتكلم لغة التكنولوجيا والتطور، أبت دار الكتب التونسية إلا أن تواكب عصرها، وذلك عبر إنشاء مكتبة رقمية هدفها ومهمتها التعريف بما تزخر به المكتبة من ثروة وثائقية. وكذا لغاية توفير آليات بديلة تمكن من مزيد المحافظة على الوثائق الأصلية وتيسير تداولها. وتوفر دار الكتب حالياً، رصيداً مرقمناً يتكون من مخطوطات.

وحفظاً لرصيدها المهم من نوادر المخطوطات ونفائسها، تعمل دار الكتب الوطنية على رقمنة كل العناوين. إضافة إلى تحويل مجموعة من المخطوطات من الميكروفيلم إلى النسخة الرقمية. كما تعنى المكتبة برقمنة الكتب النادرة وكتب التراث والإنتاج الفكري التونسي. أما في مجال المخطوطات، فشرعت دار الكتب الوطنية في رقمنة مختارات نادرة وثمينة من رصيد الدوريات.

قصة البدايات

يعود وضع حجر الأساس لدار الكتب الوطنية التونسية، إلى باي تونس علي باشا الثالث، في الفترة ما بين 1882 و1902، الذي أمر بمقتضى مرسوم في 8 مارس 1885، بإنشاء مكتبة أطلق عليها في البداية اسم المكتبة الفرنسية، واتخذت آنذاك من المعهد العلوي بتونس، مقراً لها.

40 ألف عنوان من المخطوطات في مختلف فروع المعرفة

سعت تونس دوماً إلى تجميع ما تمتلكه من رصيد مهم من المخطوطات التي احتفظت بها على مدار قرون، حيث كانت مدينة القيروان عاصمة العلم والثقافة.. وجامع الزيتونة مصدر إشعاع إفريقيا والأندلس. واستقطبت اهتمام العلماء والفقهاء من المشرق والمغرب. وركزت تونس بعد استقلالها على تجميع هذه المخطوطات من المساجد والزوايا والمكتبات..

كما قامت بسن قوانين خاصة تسمح لها بإيداعها بدار الكتب الوطنية وذلك للمحافظة عليها وحمايتها. ودأب المحافظون، الذين تداولوا على إدارة المؤسسة على تنمية الرصيد العام للمخطوطات بالشراء والهبات، ونتيجة لهذا التوجه بلغ عدد المخطوطات أربعين ألف عنوان.

وتغطي هذه المخطوطات مختلف فروع المعرفة كالعلوم الشرعية واللغة والأدب والمعارف الإنسانية والعلوم والفنون إلى جانب مجموعة كبيرة من مخطوطات المصاحف ومصنفات الحديث المتميزة بتزويقها وتذهيبها وزخرفتها الهندسية والنباتية والكتابية التي تعبر عن خصائص المدرسة التونسية في فن الخط والتزويق وصناعة الورق.