تحتل مكتبة توماس فيشر للكتب النادرة، مكانة مهمة تتجاوز حدود كندا، لتتحول إلى محور اهتمام عالمي. والمكتبة الموجودة ضمن جامعة تورنتو، تحتضن داخل مبناها كنوزاً يعود تاريخها للعصور الوسطى، وتتنوع بين الكتب النادرة والمجموعات الخاصة من المخطوطات القيمة، بجانب مجموعة لامعة من رسومات النقش التي تعود للقرن السابع عشر. وينظر متخصصون، إلى مكتبة توماس فيشر، على أنها، وبفضل قيمتها التاريخية ومحتوياتها النوعية، الخزانة الحافظة للأدب الأوروبي والكندي.

مخطوطات مكدسة

تأسس قسم الكتب النادرة والمجموعات الخاصة ضمن المكتبة، في العام 1955م، من قبل رئيس المكتبة «روبرت هـ . بلاكبيرن»، الذي وظف حينها ماريون براون، وهي كندية خريجة جامعة تورنتو، كانت تعمل على مجموعات خاصة في جامعة براون، وحين جرى طلبها للعمل مع مكتبة توماس فيشر كانت أولى مسؤولياتها وأهمها، التعامل مع كتب ومخطوطات مكدسة في غرفة تسمى «خزانة الفن»، منذ عام 1890م، وذلك حين تعرضت المكتبة لحريق يوم عيد الفالنتاين، وهو ما ألحق بها دماراً فعلياً، أدى إلى إتلاف مجمع الجامعة بشكل كبير.

محتويات خزانة الفن تكونت في المقام الأول من مخطوطات تعود للقرون الوسطى، وكتب قديمة الطباعة، ومجلدات خاصة من الفترات اللاحقة، واعتبرت قيمة لأسباب محددة، مثل مجموعة «دور باين الملكية» 1892 م، والتي قدمتها الملكة فكتوريا إلى الجامعة عقب حريق شهير لحق بها.

كما وكانت المكتبة مصدراً رئيسياً للمواد النادرة، وذلك باعتبار أنها المكان الذي وُضعت فيه الأغلبية الواسعة من الكتب المشتراة، والتي جرى التبرع بها، وكانت هذه المواد محفوظة ضمن المكتبة تبعاً لنظام التصنيف الذي كان معتمداً في ذلك الوقت، وأسفرت هذه المكدسات مجتمعة، عن نتائج سخية بقيت اثارها مستمرة لأكثر من خمسين عاماً.

بداية التأسيس

في عام 1957 افتتحت «غرفة الكتاب النادر»، والتي تمثل في الوقت الحالي، مجموعة الغرف الموجودة فوق النهاية الجنوبية لمركز «غيرستين» لمعلومات العلوم. وبقي قسم الكتب النادرة والمجموعات الخاصة وأرشيفات الجامعة، من دون مأوى ملائم حتى العام 1973 م..

وذلك عندما افتتحت مكتبة توماس فيشر للكتب النادرة، والتي أطلق عليها هذا الاسم تكريماً لتوماس فيشر (1792-1874) الذي جاء من يورك شاير إلى «كندا العليا» في عام 1821، واستقر بجانب نهر «هامبر». وهناك ركز على تشغيل طاحونة للحبوب، كما لعب دوراً فاعلاً في الحياة العامة للمجتمع الكندي.

ومن ثم لاحقا، تحديداً في العام 1973م قدم حفيدا توماس فيشر «سيدني وتشارلز فيشر» تبرعات سخية للمكتبة، تضمنت مجموعتهما الخاصة لـشكسبير، وأيضاً مجموعات لكتاب متنوعين تعود الى القرن العشرين، كما كان من بين الهدايا التي منحت للمكتبة، رسومات بالنقش للفنان البوهيمي من القرن السابع عشر «وينسيسلوس هولار». ومنذ ذلك الوقت، نمت المكتبة إلى ما يقارب 700.000 مجلد و3000 متر طولي من مقتنيات المخطوطات.

تصميم المبنى

مبنى المكتبة المميز بشكله المعاصر، هو ثمرة ونتيجة جهد عدد من المصممين. إذ وضع المخطط الرئيسي للمكتبة من قبل «ماذرز» و «هالدينبي» من تورنتو، بالتعاون مع استشاريي التصميم: «وورنر» و«بيرنز» و«توان» و«لوندي» من نيويورك. وكانت المحصلة إنشاء مبنى في غاية التنظيم والفرادة، تتوزع أقسامه بشكل يؤمن مساحات تخزين كبيرة..

كما لم يغفل المصممون عن تأمين الشروط التي تضمن حفظ المخطوطات، سواء ما يتعلق بدرجات الحرارة والرطوبة أو حتى ما يتعلق بجهة دخول الشمس إلى المكتبة. إذ حرصوا على أن لا تتعرض الكتب لأشعة الشمس القوية، خوفاً عليها من التلف.

وهذا المبنى يشكل إلى جانب مكتبة «جون روبرتس» للبحث، المتخصصة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، وأيضا مبنى «كلود بيسيل» الذي يحوي كلية المعلومات، مجمعاً من المباني البارزة الأهمية.

مجموعات ثمينة

المكتبة غنية بكل ما هو نادر ولا يمكن حصر جميع موجوداتها بسهولة. ولكن من بين أهم محتوياتها توجد مجموعة «نورمبيرغ كرونيكل»، التي يعود تاريخها إلى العام 1493، والمجلد الأول لـشكسبير (1623). كما تحتوي المكتبة مجموعة من مبادئ نيوتن من العام 1687. كذلك انتشرت عبر الإنترنت أنباء عن اشتمالها على نسخة برهان داروين مع شروح من«حول أصل الأجناس» بين موجوداتها.

ولكن لم يصدر أي تأكيد من قبل القائمين، إلا أن المكتبة لديها، بأية حال أوراق برهان مشروحة لـطاقة الحركة في النباتات والتعبير عن العواطف عند الانسان والحيوانات، وتأثيرات التلقيح الذاتي والمتصالب عند المملكة النباتية.

غنى وتنوع

بالإضافة إلى ذلك، توجد في المكتبة، مجموعة لامعة من رسومات النقش التي أبدعها «وينسيسلوس هولار» (1607-1677). وهي من ضمن المجموعة التي تبرعت بها مؤسسة «سيدني تومسون فيشر»، ونظراً لأهمية هذه المجموعة، وكونها مصدراً تاريخياً استثنائياً، سعى القائمون على المكتبة إلى إنشاء نسخة رقمية عنها بما يضمن حفظها بشكل أكبر.

وتُعد المكتبة بالفعل، خزانة غنية ومتنوعة، وتمتلك قوة كبيرة في مجالات الأدب الكندي والأوروبي والبريطاني، كما توجد فيها مراجع فلسفية متنوعة وكتب هامة عن تاريخ العلم والطب الكندي، وعلم التاريخ بمجالاته الواسعة.

كما تحتفظ المكتبة بمجموعات من الأعمال لروديارد كيبلينغ ودبليو اتش أودين، إضافة الى أرسطو. وتوجد نسخة ربما تكون أقدم نسخة باقية من «أسئلة آرسطو عن السماوات والعالم»، التي يرجع تاريخها الى العام (1407). ومن بين المواد الهامة أيضا في المجموعة، الإصدار الأول والمبكر من كتابي «النهوض بالتعليم» (1605)، ومجلد « نوفوم اورغانيوم » (1607) لـ«فرانسيس بيكون».

ولا يمكن إغفال واحدة من أكثر المجموعات أهمية فيها، وهي أعمال «لويس كارول»، والموصوفة في الموقع الالكتروني للمكتبة بأنها «واحدة من أفخر المجموعات الخاصة»، وبأنها «أكبر مجموعة لكاتب واحد والأكثر قيمة في مكتبة فيشر».

بابل والفراعنة

من بين الكنوز التي تعتز المكتبة باحتوائها، مجموعات تتضمن لوحاً مسمارياً بابلياً من «أور» (1789 قبل الميلاد)، و36 من بقايا مخطوطات ورق البردي المصرية (245 قبل الميلاد)، وهناك أيضاً، «كاثوليكون» أو الدواء الشامل، والذي يعود إلى العام 1460.

مجموعة كتب ووثائق ومقتنيات تاريخية

تحتوي المكتبة مجموعة «روبرت إس.كيني»، والتي تتألف من باقة مؤلفات ووثائق ومقتنيات غنية. وهذه المجموعة الهائلة من الكتب والمستندات والمواد الأخرى المتعلقة بالحركات والفئات العمالية (الكادحة) والراديكالية - خصوصاً في كندا-، تشمل ما يقارب الـ 25 ألف موضوع، وهي جمعت من قبل روبرت إس.كيني، الذي كان عضواً في الحلقة الشيوعية في كندا.

كما أن القسم الكندي في المكتبة، والذي يمتلك 382 كتاباً و 768 كتيباً، حصلت المجموعة ومعها المكتبة، عليه، من قبل «كيني» في عام 1977. أما القسم العالمي من المجموعة، فكان نتيجة وحصيلة تبرعات وهدايا قدمت للمكتبة، بعضها يخص أيضاً كيني جرى التبرع به في عام 1993.