يحتوي مسجد أغالار الواقع داخل قصر طوب قابي في إسطنبول بتركيا (المقر الرئيسي للسلاطين العثمانيين خلال الفترة 1465-1856)، على مكتبة القصر التي تضم عدداً هائلاً من الكتب والمخطوطات والمستنسخات النادرة والرسومات، وهذه تضاف إلى أرشيف القصر المحفوظ في الأقبية..

والذي يضم أكثر من 150 ألف وثيقة خاصة بالإمبراطورية العثمانية، وآلاف السجلات القضائية والمخطوطات، التي لا خلاف على قيمتها التاريخية بالنسبة لمؤرخي تلك الفترة. وتتجسد المكتبة بوجه عام، كواحة غنية بالمؤلفات والمخطوطات والمنمنمات.

تأسست المكتبة رسمياً في عام 1928، لكن بناءها كان يجري تدريجياً بفضل المجموعات الفردية الخاصة بالسلاطين العثمانيين، على مدى مئات السنين، ومع تحويل قصر طوب قابي إلى متحف عام 1924، جرى تجميع تلك الأعمال من مختلف أجنحة القصر في مسجد أغالار. ثم في عام 1966 نقلت كتب من مكتبة السلطان أحمد الثالث إلى المكتبة، ثم أضيفت إليها كتب ومخطوطات جديدة جرى شراؤها أو الحصول عليها كهبات.

تحتوي مكتبة طوب قابي على 21438 كتاباً، و18622 مخطوطة بلغات مختلفة، بما في ذلك التركية والفارسية والعربية واليونانية واللاتينية والأرمنية والصربية والعبرية والسريانية. كما أنها تضم بعضاً من أهم مخطوطات العالم الإسلامي، وهذه المخطوطات المحفوظة في مكتبة القصر صنفت إلى: عربية وفارسية وتركية، وهناك فهرس كامل بها جمع ونشر في عام 1960.

المخطوطات المعروضة

ومن بين المخطوطات المعروضة بشكل منتظم في مكتبة قصر طوب قابي، المدرج على لائحة التراث العالمي عام 1985، هناك مخطوطات للسلطان محمد الفاتح، ومخطوطات إسلامية جلبت من القاهرة وتبريز من قبل السلطان سليم الأول خلال أعوام 1514-1517، بالإضافة إلى أعمال خطاطين عثمانيين كبار، أمثال: الشيخ حمدالله، أحمد القره حصاري، حافظ عثمان..

ومحمود جلال الدين، وغيرهم.. إلى جانب أختام وخرائط وغيرها من المقتنيات الثمينة. ومن مجمل هذه المخطوطات، هناك 600 مخطوطة تصاحبها منمنمات، من طبيعة تصويرية وطوبوغرافية، أنجزها أشهر الفنانين، مثل: أحمد موسى، رئيس عبد الحي، شيخ سلطان محمد، محمد صياح كالم، بهزاد، بيري ريس، نيجاري، نقشي، لوفني.

كما تحتوي المخطوطات على أول صورة «بورتريه» لوجه سلطان عثماني، رسمها رئيس النقاشين في البلاط، سنان بك. وهي صورة وجه محمد الفاتح، والمعروف عنه أنه طلب أيضاً من الرسام بيليني رسم صورة له في عام 1479. وطرق فنانو المدرسة التركية باب الرسوم الشخصية، بعد أن كان التصوير عند المسلمين إجمالاً محصوراً في توضيح المخطوطات..

وهذا الفن الذي كانت له أهمية كبيرة في عهد محمد الفاتح أصبح في عهد سليم الثاني، في طليعة الأساليب التصويرية التي حظيت بالرعاية، فكان المصّور حيدر ريس، الشهير بنيجاري، أعظم من صوَّر لوحات شخصية للسلاطين العثمانيين.

وتوجد أيضاً ضمن المواد القيمة الكثيرة في المكتبة، خريطة العالم لأمير البحر العثماني بيري ريس تعود لعام 1513. واعترفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة أخيراً بأهمية أعماله، إذ أعلنت عام 2013 عام بيري ريس. وبيري ريس معروف بخرائطه المفصلة ورسوماته البيانية التي تظهر مواقع وتفاصيل الموانئ والمدن الرئيسية للبحر المتوسط، بدقة متناهية. وكتابه المعنون «كتاب البحرية» يعد أحد كتب الإبحار الأكثر إتقاناً ودقة في عصره.

وضمن مجموعة المكتبة أيضاً، هناك كنوز عديدة، منها نسخة من أشعار سلامة ابن جندل خطها ابن البواب في عام 1018، ونسخة من «خمسة نظامي كنجوي» باستخدام خط النستعليق، يعود تاريخها إلى 1481 ميلادي.

المخطوطات الإسلامية

تزخر المكتبة بأكبر مجموعة إسلامية، ومن أهم مقتنياتها أقدم مخطوطة مصحف تعود إلى القرن الأول هجري، والمخطوطة كان قد أهداها حاكم مصر محمد علي باشا إلى السلطان العثماني محمد الثاني في القرن التاسع عشر.

أما أروع المصاحف في المكتبة، فكتبت خلال الفترة الممتدة من القرن السابع إلى القرن التاسع عشر، في شبه الجزيرة العربية وايران والهند والمغرب والأراضي التي هيمن عليها السلاجقة والعثمانيون. وجميعها تقريبا أنجزت من قبل خطاطين مشهورين، وذهبها كبار الفنانين، كما جلّدها أفضل المجلدين في ذلك العصر.

والمصاحف التي يبلغ تعدادها أكثر من 1600 وفقاً للمجلد الأول من الفهرس العربي، ويعتقد أن سبعة منها للخليفة عثمان بن عفان، وتسعة تعود إلى الخليفة علي بن أبي طالب، واثنين إلى الحسن والحسين، بالإضافة إلى ترجمات عدة للمصاحف، حيث هناك 21 ترجمة تركية، و39 فارسية و21 بلغة التشاجاتاي وواحدة بلغة الإيغور.

التذهيب

أما من أجمل المصاحف المذهبة المحفوظة في مكتبة القصر، فيوجد المصحف الذي خطه في القرن الحادي عشر، وزير السلطان السلجوقي طغرل بك، أبو القاسم علي بن عبدالله بن الحسين البغدادي، بالإضافة إلى المصاحف التي جرت صيانتها وتذهيبها للخطاط ياقوت المستعصمي ومعلمي النسخ في القرن الرابع عشر عبدالله الصيرفي وأرغون كاميلي خلال عهد السلطان سليمان في القرن السادس عشر.

ومثال على تطور تصاميم المصاحف بمجموعة غنية وملونة من الزخارف، هناك مصاحف الأليخانيين المذهبة بلون ساطع في بداية القرن الرابع عشر، والمصاحف المملوكية..

والمصحف التيموري المكتوب في نهاية القرن الخامس عشر، والمصحف التركماني المكتوب في القرن الخامس عشر في تبريز. وبعض المصاحف القيمة في مكتبة القصر خطت من قبل الصفويين في إيران في القرن السادس عشر، لا سيما من أعمال شاه محمود النيشابوري.

وتشكل بعض المصاحف المختارة لخطاطين عثمانيين معروفين إضافة غنية لمجموعة المكتبة الفريدة. وأفضل نماذج تطور التذهيب وفن الخط في العصر العثماني، كانت بيد الشيخ حمدالله، في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر. ويعد المصحف الكبير العائد إلى أحمد القره حصاري تحفة فنية في تصميم الكتب العثمانية..

وإحدى المخطوطات الأكثر قيمة في مكتبة القصر. ثم هناك المصحف المكتوب بخط النسخ من قبل عبدالله ابن الياس والمذهب من قبل بيرم ابن درويش، كذلك المصحف الذي خطه أحمد القره حصاري بخط النسخ والثلث، والمذهب بأسلوب الفنان كاراميمي في القرن السادس عشر.

واختبر الفنانون العثمانيون، في القرنين التاسع والعاشر وبداية القرن العشرين أساليب مختلفة، وفضلوا النقوش الجدرانية المزخرفة. والفن العثماني في النسخ باليد لآيات الذكر الحكيم تبنى في النهاية أسلوب الروكوكو، ونماذج تذهيب نيو كلاسيكية. ومجموعات المكتبة وفيرة بأمثلة منها أيضاً.

مخطوطات مصورة

وعلى صعيد المخطوطات المصورة، فإن «كتاب الحشائش» في مجال الفلك لعام 1131 يعد أقدم مخطوطة مصورة في مكتبة طوب قابي. أما أقدم المنمنمات وأهمها..

فنجدها في مرقع تحت مسمى «مرقع الفاتح». وتشرح موجودات المكتبة كيف أن تطور فن المنمنمات الذي بدأ مع السلطان محمد الفاتح في العصر العثماني، وصل إلى نضجه الكامل في عهد السلطان سليمان القانوني (1520-1566م)، حيث نشأ في كنفه العديد من المبدعين؛ أمثال وحيدر ريس، والنقاش عثمان وغيرهم.

وكانت أهم الموضوعات التي تطرق إليها فن المنمنمات العثماني؛ الصور الشخصية، والموضوعات التاريخية، وحياة القصور، والحروب التي خاضتها الدولة، وحصار السلاطين للأعداء وقلاعهم.

منمنمات وحكايات من تاريخ سلاطين الدولة العثمانية

يضم كتاب «تاريخ السلطان بايزيد»، المتوفر في المكتبة، عشر منمنمات تحكي قصة حياة «بايزيد الثاني»، فيما يحتوي كتاب «سليمان نامه» على 32 منمنمة تصور هي الأخرى مدناً وقلاعاً ومرافئ تتصل كلها بحملات السلطان سليمان القانوني على بلاد المجر عام (1543م)، وكذا غارات «خير الدين بربروسا باشا» في البحر المتوسط.

وتتصف المرحلة الكلاسيكية للمنمنمات التركية في القرن السادس عشر بأعمال حرة متأثرة بمدارس أخرى. والمثال الوحيد على التصوير التاريخي الذي نفذ في عهد سليم الأول كانت مخطوطة «نزهة الأرواح في سفر الزيفتجار» الذي ألف في عهد سليمان القانوني ووفاته واعتلاء سليم الأول للعرش، في عام 976هـ/ 1569م، من عمل المصور النقاش عثمان الذي صور أيضاً أعمالاً أخرى ألفها كاتب السير الذاتية سيد لقمان. وتتفاخر المكتبة أيضاً بثلاثة مجلدات عن تاريخ العالم لسيد لقمان (1586) بعنوان «زبدة التفاريح»، ثم هناك مخطوطات أخرى تصف حملات القادة العثمانيين.

 والمخطوطة بأكثر رسومات توضيحية هي «السورنامة»، وتضم 437 منمنمة، ونفذها النقاش عثمان وفريقه، وتصور احتفالات السلطان مراد الثالث بختان ولده محمد في عام 1582. وهناك عمل آخر مهم في مكتبة القصر وهو عبارة عن ثلاثة مجلدات من مخطوطة من ست مجلدات عن السيرة النبوية. وهناك أيضا، مجموعة أخرى كبيرة، ومن بين أهم مخطوطات أواخر الفترة الكلاسيكية، كتاب قراءة البخت من قبل قالندار باشا خلال عرش أحمد الأول (1603-1617) والذي يحوي على 35 من المنمنمات.