من يذهب إلى أن الحضارة العربية إنما هي ظاهرة شفاهية، وجدانية في الأساس، يرتكز إلى أن الشعر وقصص الأساطير وذكريات الماضي المجترة في صورة مدائح ومراثٍ، تطغى- ضمن مكونات ذاكرتنا التأريخية - على ما دونها من منتجات العقل والتحليل المنهجي والفلسفي.
تمخضات الفتوح الإسلامية أسست لنموذج جديد، نحا نحو فضائل البحث والدراسة والتوثيق المنهجي، حيث تحول التراث الإسلامي إلى عظم ظهر للحضارة.
ولكن ما حدث بعد ذلك هو أن التشكل الوجداني أفرز ظاهرة هي التي تهمنا الآن، حيث تبلور نمطان للمزاج العربي العام، أحدهما النموذج المشرقي الوجداني الممتد من مصر حتى بلاد الرافدين، والثاني هو النموذج المغاربي النقدي .
«البيان» رصدت هذا المشهد، وتوجهت إلى عدد من الناشرين العرب لاستنطاقهم حوله، بحثاً عن جذور المشكلة ومآلاتها، فيما إذا كانت الفرضية صحيحة أساساً، فكان الحصاد التالي:
الرواية مرغوبة
استهل علي وهبي (دار رشاد برس اللبنانية)، حديثه في الخصوص، موضحاً أن معظم دور النشر اليوم باتت تعتني بمسألة الربح والخسارة كأولوية..
وفي هذا السياق فإن الكتب الفكرية والفلسفية تبدو أقل مبيعاً من غيرها (كالأبراج والطبخ والروايات)، ودليلي على ما أقول هو أنك تطالع كل رواية معلومة (الطبعة الرابعة أو الخامسة)، بينما لا تجد طبعتين في أحسن الأحوال بالنسبة إلى الكتب الفكرية والفلسفية.
ويضيف: «يؤسفني أن أذكر لك أن داراً لبنانية شهيرة عرفت بالتوجه اليساري على مدى عقود، وظلت تصدر الكتب على أساس التزامها هذا ورسالتها الفكرية، ولكنها أضحت أخيراً تنتج الروايات وغيرها، من أجل تأمين استمرارها، وحتى تستطيع أن تصدر ما تراه واجباً عليها».
وهذا ليس كل شيء في نظر وهبي، ولكن المشكلة أن بعض الروايات ليست بالمستوى المرموق، فالرواية اليوم، بغض النظر عن محتواها، مرغوبة، ويظن أن سبب ذلك يعود إلى رغبة الإنسان اليوم في الخروج من جدية وصرامة الواقع، إلى عوالم ترفه عنه.
يقول حسن سالم، من دار الفكر (سوريا): «إن دار الفكر هي التي تحدد الكتب التي تنشرها ولا تخضع لشروط المؤلف، إذا لم تكن مقتنعة بفحوى الكتاب، ولقد كان لسلسلة (حوارات لقرن جديد) علامة ميزت دارنا، إذ استقطبت كبار المفكرين والمؤلفين العرب، مثل:
عبد الوهاب المسيري، الطيب تيزيني، رضوان السيد، عفيف بهنسي، وصادق جلال العظم. وهؤلاء يعتبرون من أعلام الفكر العربي، اضطلعنا بنشر إسهاماتهم إثراءً للمكتبة العربية في هذا الجانب الذي به شح».
وبخصوص المقارنة بين المشرق والمغرب، يقول: «إن المؤلفين في مجالات النقد والدراسات في المغرب أكبر عدداً من المشرق، ربما يعود ذلك إلى اتصالهم بالثقافة الفرنسية، وامتلاكهم اللغة الفرنسية بمستوى أعلى من المفكرين المشارقة».
ولحظ سالم أن المفكرين والنقاد المغاربة يلجأون إلى الدور المشرقية لطباعة وتوزيع أعمالهم، ربما بسبب القيود الجمركية وقيود العملة، غير أن رواج مثل هذه الكتب في المغرب العربي أكبر، لأن العقل الجمعي هناك لا يزال يحتضن تراث بلزاك وأرث جان بول سارت وميشيل فوكو ولاكان ورولان بارت، وغيرهم من المفكرين والفلاسفة البارزين.
الحرية سبباً
يقول نور الهدى محمد نور الهدى (دار عزة للنشر – الخرطوم): «إن مساحة الحرية لدينا أوسع، وكما تعلم فإن الكاتب والناشر مرتبطان ببيئتيهما، الكاتب ينتج ضمن هذا الشرط ويتأثر به، وكذلك فإن الناشر لا يقدم للسوق كتاباً لا يعلم له قارئاً».
ويمضي نور الهدى إلى القول: «إن مهمة تغذية العقل بأعمال ذات قيمة عالية يتحاشى الناشر إصدارها خوفاً من الخسارة، فإنها مسؤولية الدولة وليس الناشر الخاص، فالأخير يحتاج إلى أن يستمر ولا يخسر». ويضيف: «نتحايل على مشكلة ضعف توزيع الكتب الفكرية من خلال الطباعة المحدود، على أن تتم تغطية التكاليف وتجنب الخسائر عبر إصدار الكتب الأكثر رواجاً. ولكن تبقى هناك مشكلة بهذا الصدد، وهي (المصادرة والمنع).
ويتساءل نور: «هل تعلم أن تأشيرة دخول الكتاب (ما يسمى بالفسح)، في بعض الدول العربية، أصعب من تأشيرة دخول الإنسان الذي ألّف الكتاب نفسه أو نشره؟ من هنا أقول إن الحرية مهمة جداً بهذا الخصوص: حرية الكاتب وحرية الكتاب».
تعويض مطلوب
يتفق رأي علي عبد المنعم (مدير دار سما للنشر – القاهرة)، مع الرأي القائل بالتأثر والظلال الثقافية الفرنسية والجنوب أوروبية عموماً الملقاة على العقل الثقافي المغاربي، إلى جانب أنهم يعوضون النقص الواضح في هذا الجانب مشرقياً.
وأما سبب هذا النقص في بعض الدول العربية، فهو ناجم عن ندرة المراكز البحثية والدور النشر المتخصصة في هذا الجانب. ولعل سبقهم إلى الاهتمام بكتب الفكر والبحث (كمحمد عابد الجابري)، جعلهم يهيمنون ويواصلون في هذا الاتجاه، بعد أن لقي إقبالاً وتلقياً معقولاً في المشرق.
وبات القارئ المشرقي معنياً بما ينتجون، فنجح إنتاجهم وارتفع كعبه، وهو الأمر الذي دفع بعض دور النشر المشرقية لتؤسس فروعاً لها في دول المغرب للاهتمام بتلك الخصوصية، منها المركز الثقافي العربي والشبكة العربية للأبحاث والنشر.
ويدعونا علي عبد المنعم لننتبه إلى جانب يتعلق بالمزاج النفسي والعقلي المفارق للطابع المشرقي منذ قديم التاريخ، أي قبل الظاهرة الاستعمارية الحديثة، ومنذ ابن خلدون وابن رشد وابن بطوطة، تراثهم بحثي وتوثيقي وفكري منذ زمان طويل..
وهذا يختلف عن المتحصل لدينا بوجه عام، تلك خصوصية شكلتها جملة من الشروط التاريخية والجغرافية والبيئية. وإنها مزاوجة الروح والمادة. ويتابع: «لا ضير في ذلك، فهم يعوضون ما ينقصنا، ونحن نعوضهم ما ينقصهم، على مستوى الإبداع الشعري والروائي والتشكيلي والغنائي... إلخ».
ذاكرة مختلفة
يرى عبد الفتاح صبري (قسم الدراسات والنشر – دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة)، أن الظاهرة تعود إلى سببين:
أولهما أن المغرب العربي لا يزال على صلة وثقى ودؤوبة مع التراث العربي القديم، تمحيصاً وتحليلاً واكتشافاً للمكنون بأدوات نقدية ومنهجية حديثة، عكس واقع المشرق الذي انبتّ عن محايثة وتملي هذا التراث الذي ارتكن إلى الفلسفة والتمعن في الظواهر الاجتماعية والكونية. وفي ظن صبري أن مرد ذلك إلى انفتاح المشرق أكثر على الحضارات الأخرى التي اختلفت عليه عبر التاريخ (الترك والمماليك والفرس والبريطانيين)..
ومن ثم انفتح أكثر على الإبداع المعاصر في أشكاله الجديدة، كالقصة القصيرة والمسرحية والرواية والشعر الحديث الذي سبق المشرق في إطاره المغرب نحو قصيدة النثر.
ويضيف صبري: «وثانياً، فإن أشقاءنا المغاربة أكثر قرباً من الناحية الجغرافية من فرنسا وإسبانيا، علاوة على أن إتقانهم اللغة الفرنسية ساعدهم كثيراً على ردم الفجوة بين الحضارتين الغربية والعربية، فأفادوا من ذلك المعين، في ظل تعمقهم في التراث العقلي العربي. وهكذا برزوا وتألقت تجاربهم، في ظل ما يتمتعون به من مثابرة واشتغال صبور ودؤوب يميزهم..
كما يميز الغربيين عموماً، حينما يتعلق الأمر بالدراسات والنبش والالتزام بالمنهجي والتحليل المنطقي والعلمي العميق. وحينما نتأمل المغرب، فسنجد أن لكل مدينة خصوصيتها التراثية العريقة، فهم ما زالوا يحافظون على خصوصية المكان، لاستدعاء ذاكرته ومضامينه، على مستوى العمارة والطابع الاجتماعي والمؤسسي.
أعمق
بسام شبارو (الدار العربية للعلوم – بيروت) ناشر معروف، قدم أخيراً ترجمات أعمال الروائي الأميركي الشهير دان براون يقول: «صحيح أن للمغاربة خصوصية، ولكنها ليست في الاهتمام بالكتب الفلسفية والنقدية والفكرية فحسب، وإنما حتى في كتب الطبخ والتسلية، فهم يتمتعون بتمايز يكاد يكون أساسياً عن المشارقة، وعلى فكرة، فإن لديهم من هذه الكتب الفكرية التي تبحث عنها، إصدارات لا تجد من يشتريها حتى في المغرب.
الخلفية الاستعمارية أدت دوراً كبيراً في تشكيل المذاق الثقافي هنا وهناك، ولحظت بحكم عملي أن روايتهم لا تباع عندنا، والعكس صحيح، وهنالك بعض الكتب يفضلون قـــراءتها بالفرنسية مباشرة، لذلك فإن مخيــــلتهم الثقــافية تكاد تكون فرنسية».
ويستطرد الناشر البيروتي: «دارنا هذه (الدار العربية للعلوم)، خسرت من جراء مشروع نشر مشترك بينها وبين دار مغاربية (دار الاختلاف الجزائرية)، ولذلك توقف مشروع التعاون بيننا.
في الهم شرق
كان لا بد أن نصغي إلى رأي أحد الناشرين القادمين من المغرب العربي، لنتأكد من جلية الأمر، فزرنا (المركز الثقافي العربي – المغرب)، حيث تحدث فادي فاضل: «صحيح أن هناك اهتماماً لدينا بالجوانب الفكرية والتحليلية النقدية يفوق ما يحدث في المشرق، وربما كان التأثر بالثقافة الفرنسية هو السبب، وقد برع مفكرون مغاربة مثل عبد الله العروي وطه عبد الرحمن والجابري ..
ومالك بن نبي، ونالوا حظاً من الشهرة مشرقياً، ولكن محمد شكري والطاهر بن جلون ومحمد بنيس وقبلهم الشابي، وهم شعراء وروائيون، أيضاً طبقت شهرتهم الآفاق المشارقية كذلك. ولكنني أريد أن أفاجئك بمعـــــلومة جديدة، مفادها أن كل ما تتحدث عنه ويقــــوله المعتـــقدون بهذه الخصوصية، إنما يتعلق بالجيل القديم من المثقفين والكتّاب المغاربة..
وأما الجيل الجديد فإن جدول اهتماماته بات يتجه نحو الإبداع وفي مقدمته الرواية، وأما الشعر فمساحته باتت تتــقلص في كل مكان، كما هي الحال هنا، والذين يتشبثون بالطابع القديم المرتبط بالاهتمامات النقدية والفلـــسفية هم المثقفون المغاربة القدامى .
دور مطلوب
تؤكد آراء الناشرين، طبقاً لحديثهم إلى «البيان»، أن نشر الكتب الاستشرافية المستقبلية يحتاج إلى تبنٍّ رسمي، ليس على صعيد التأليف من جهة، شحذاً وتشجيعاً، أو على صعيد تحمُّل تكاليف النشر من جهة أخرى، وإنما أيضاً على مستوى التشجيع على الاطلاع في أوساط الشباب المولع الآن بالرواية وتحولها إلى أفلام سينمائية.
وهنا يبرز دور الحكومات العربية ممثلة بوزارات التربية والتعليم العالي والثقافة، إلى جانب دور مؤسسات المجتمع المدني واتحادات الكتاب، فالعقل العربي ظمآن، والقلب والوجدان العربيان مشغولان بالروايات التي تستعرض وتكرس مفردات الحضارات الأخرى، في ظل جهل مطبق بمكنونات حضارتنا، وهذا ناقوس قرعناه.
جذور
منجزات الأجداد على صعيد الفكر والرياضيات والاسهامات الاستشرافية وحتى العلوم البحتة، فقد جرى التعويل خلالها على موروثات أمم أخرى كالفرس مثلاً، حيث تأثرت بها ثقافتنا عقب الفتوح وقد اجتاحت الشرق والغرب حاملة الرسالة..
تمخضات الفتوح تلك أسست لنموذج اتجه الى التحليل والتوثيق المنهجي .
لكن الأمر لم يستمر كذلك اثناء عصور الانحطاط ( التتار والمماليك) التي أعقبتها الفتوح المضادة أو ما عرف بعصر الكولونيالية، إذ ألقى المستعمر (البريطاني والإيطالي والفرنسي) بظلاله الثقافية الكثيفة على الواقع الاجتماعي، فأحاله إلى حالة صراع ثنائيات وازدواجيات تمثلت في النزعة العقلية التي استدعت اشراقات الأزدهار الأموي والعباسي والاندلسي، مقابل الارتداد نحو الغنائية الجاهلية والانشغالات الوجدانية العتيدة، على أن التجاذب بين الأصالة والمعاصرة تأتي ضمن هذا السياق الازدواجي.
معرض الدار البيضاء للكتاب عيد الجميع
يؤكد الشاعر والناقد المغربي عبداللطيف الوراري أنّ لحظة المعرض الدولي للكتاب في مدينة الدار البيضاء هي لحظة حضارية ورمزية شديدة الأهمية، أكثر من كونها دورة موسمية ترتبط بمتوالية العرض والطلب؛ إذ يكفي أنّ الكتاب هو حلقتها الرمز التي تشدّ الناس بعضهم إلى بعض، وتنعقد حولها الأفكار وطاولات النقاش وحفلات التوقيع والكثير من الحبّ والإصغاء..
وبالتالي فخطرها جليل «في أمّةٍ لا تقرأ». ويتابع: عشْتُ كغيري غمار هذه اللحظة، وشعرْتُ بأنّي وسط احتفالية تُمثّل بالنسبة لأصدقاء الكتاب والكتابة عزاءً في ظلّ الكساد المعمّم الذي يغشى وسطنا الثقافي، وتفشّي قيم الزيف وعلاقاته العامة التي زاد منسوبها عن ذي قبل. فهي مناسبة للتعرف على الجديد في سوق الإصدارات، والاستفادة ممّا يقدّم في أجنحة المعرض من نقاشات فكرية وقراءات أدبية وحوارات حميمية مع كُتّاب من أولي الطول...».
وأما الشاعر السوري نوري الجراح فيقول: معرض الدار البيضاء يدخل في كتاب الشرق والغرب معاً فرصة لما تصدره المطبعة المغربية، لمشرقي مثلي أنا ولشخص يأتي في أوروبا، بما فيه من كنوز.. سعدت جداً بطابور من الأطفال في المعرض، يسعدني أن يمسك طفل بالكتاب، خصوصاً في وجود وسائل إلكترونية أخرى، الكتاب الورقي لا تزال له قيمة وتأثير.
أما الأديب الجزائري واسيني الأعرج فيرى أن المعرض فرصة للقاء بين المثقفين العرب، ويستطرد: هذا يمنحنا فرصة لمناقشة القضايا الثقافية العربية والقضايا الأدبية، إنها مسألة مهمة في الحقيقة توفرها الندوات والمعارض بامتياز، لكن أجمل ما في المعارض هو أنها فرصة للقاء المباشر مع جمهور القراء ..
تضييق الفجوة بين المشرق والمغرب مهمة صعبة
في ذاكرة العلاقة بين المشرق المغرب، لا تزال ترن الأفكار التي هجست بتشخيص ظاهرة الفرقة الثقافية بين طرفي الوطن العربي، وذلك ضمن ملتقى «حوار الثقافة العربية بين المشرق والمغرب»، الذي استضافته دمشق عام 2008، وتمحور حول نقاط ثلاث:
ـ التواصل والتكامل الثقافي بين مشرق الأمة العربية ومغربها.
ـ الاستجابة العربية للعولمة وتحديات القرن الحادي والعشرين بين المشرق والمغرب.
ـ العرب والعلاقة الثقافية مع الغرب.
وتضمنت مداخلة الدكتور رياض نعسان آغا، مساءلات الحوار الحضاري بين المشرق والمغرب، والاعداد التربوي والروحي والحضاري للثقافة العربية المستقبلية والتحديات السياسية والاقتصادية، من خلال ارتهان ثقافة المستقبل وترسيخ التراث الحضاري القومي وضمان حقوق الانسان العربي والديمقراطية.
وجدليات السياسة والدعوة والحرية في المشرق والمغرب من الشؤون الوطنية القطرية والاقليمية إلى الاستراتيجيات القومية العربية إزاء التشكيك والتحريض والمعاندة والتسلط والاضعاف والهدم. وكذلك ملامح الثقافة العربية الراهنة والمستقبلية، في ما يخص العولمة وحوار الثقافات.
وتطرق نعسان آغا إلى توحيد مناهج اللغة العربية ورصد أشكال الهوية السياسية ومفاهيمها. وفي كلمة المشاركين، التي ألقاها الدكتور أمين الزاوي- مدير المكتبة الوطنية في الجزائر، تأكيد على أهمية الحوار والجدوى من مثل هذه الملتقيات على الصعيدين الوطني والقومي. لأن الوطن طائر لا يحلق إلا بجناحيه.
الرحلة البهية إلى باريس السرية
عن منشورات التوحيدي بالرباط، صدر في طبعة أولى هذه السنة للكاتب عبدالرحيم مؤذن كتاب «الرحلة البهية إلى باريس السرية» عن نصوص للراحل محمد باهي. يقع الكتاب في 88 صفحة. ويضم إلى جانب التقديم ـ التأطير النظري للكاتب عبدالرحيم مؤذن 10 نصوص.
تدخل هذه النصوص التي ألفها الفقيد «محمد الباهي حرمة» في سياق السرد الرحلي المتميز بغنى تجاربه، وتعدد أنماطه، استناداً إلى مكوناته البنائية ـ سرداً ووصفاًـ التي لا غنى عنها في النص الرحلي، الذي يوازي، ويتقاطع مع السرد عامة، دون أن يمنع ذلك من استقلاله أجناسياً من غيره من النصوص السردية المتعددة.
ورحلة محمد باهي الباريسية هي ارتحال في أحشاء باريس السردابية، الرحلة إلى باريس رحلة مستمرة، في الزمان والمكان... يشير الباحث مؤذن إلى أن الكتابة عند المرحوم محمد باهي تعتبر حفراً أركلوجياً في الذات والمكان معاً، ولعل هذا ما يفسر طراوة «المحكي» عند الكاتب، وكأنه لم يقع إلا البارحة بالرغم من انتسابه إلى أزمنة متباعدة.
قراءة في «بنية العقل العربي»
كتاب (بنية العقل العربي) هو الجزء الثاني من دراسة المفكر المغربي د. محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، واهتم فيه بالمعنى الحقيقي للعقل العربي، وهو مجموعة من المبادئ والقواعد التي تقدمها الثقافة العربية والإسلامية. هذه القواعد التي تساعد على اكتساب المعرفة في فترات تاريخية مختلفة، حدد الجابري بدايتها انطلاقاً من عصر التدوين..
ولم يحدد لهذه الفترة التاريخية نهاية، لأن العقل العربي لا يزال يشتغل. وحدد للثقافة العربية ثلاثة قطاعات مختلفة، كل قطاع له تصور خاص به، ويدخل في علاقة منافسة مع القطاعات الأخرى. واهتم بالأسس التي يعتمد عليها المثقف العربي في تحصيل المعرفة، وهذه القطاعات الثلاثة هي:
1- البيان
2- العرفان
3- البرهان
واعتمد الجابري في دراسة كل قطاع بتحليله ومعرفة طبيعة الفعل المعرفي المؤسس لها، ثم الاهتمام بالعناصر الأساسية التي يتشكل منها كل واحد من هذه القطاعات.








