حين تتصدر الرواية المشهد الثقافي، وتتهادى على أرفف دور النشر بلا منافس، لتصبح الملك الذي يتربع على العرش، فلا شك أن هناك أسباباً تميزها عن غيرها. وحين تتحول إلى أول خيار للكُتاب الجدد، وأكثر استهدافاً للجوائز الأدبية، والأكثر إقبالاً من قِبل الجمهور على شرائها، لتتصدر نسب المبيعات، متفوقة بذلك على نظرائها من شعر وفكر وسياسة وغيرها، فهناك ما يجب النظر فيه ومناقشته.

«البيان» التقت مجموعة من أصحاب دور النشر العربية، الذين أكدوا أن طغيان الرواية يعود إلى عدة أسباب، أهمها انتشار الجوائز الأدبية الخاصة بها، ما يعد حافزاً للكُتَّاب ودور النشر - في آنٍ معاً - للاتجاه نحوها.

بالإضافة إلى حاجة القارئ العربي إلى متنفس يأخذه بعيداً بعض الشيء، عن ما يجهد عقله وفكره، ليرى الواقع بعين شخصيات أخرى، إضافة إلى ما يميزها من طرح عميق، وبعد إنساني ومتعة فكرية، ليجعل منها ذلك، الاختيار الأول للكثيرين.

دعم غير مباشر

أكد ناصر فليطي، مندوب شركة رياض الريس للنشر والتوزيع اللبنانية، أن الرواية جزء من الأدب، إلا أنها الأكثر تدليلاً، لا سيما أنها حصلت على امتيازات لم تحصل عليها غيرها من أجناس الأدب الأخرى.

 وقال: استهدفت الجوائز الأدبية، الرواية في الفترة الأخيرة، ما ساعد على انتشارها اكثر من غيرها، وشكَّل ذلك دافعاً لاتجاه الكُتَّاب ودور النشر نحوها، حتى صاحب الآراء السياسية أصبح يضع خلاصة آرائه في قالب روائي، كون هذا القالب هو الأسهل والأكثر قبولاً وانتشاراً من غيره.

ولفت فليطي إلى أن الرواية تشهد إقبالاً من الجمهور وتحصل على دعم غير مباشر أكثر من غيرها.

وعن أكثر أنواع الرواية طلباً قال: تشهد الرواية السياسية إقبالاً كبيراً، وهذا مرتبط بالوضع العام الذي يعيشه الوطن العربي.

هموم يومية

«لم يعد أحد يقرأ كتب السياسة». هكذا بدأ علي بحسون، مدير العلاقات العامة بدار الفارابي للنشر والتوزيع، حديثه، مشيراً إلى أن الرواية طغت على غيرها من حيث زيادة نشر إصدارات جديدة، إضافة إلى إقبال القراء عليها، وقال: بدأنا العمل على الرواية منذ بداية تأسيس الدار.

ونستطيع ملاحظة الاهتمام بالرواية أكثر من غيرها، لا سيما في الأعوام الأخيرة، والسبب في ذلك برأيي، يعود إلى الوضع الاجتماعي والسياسي في المنطقة.. بالإضافة إلى أن الرواية هي الأكثر تسلية من غيرها، وهو ما يحتاجه القارئ في ظل الأحداث التي أصبحت ترهق فكره وعقله، وتأخذه بعيداً - بعض الشيء - عن الهموم اليومية التي يعيشها.

ولفت بحسون، إلى أن طغيان الرواية يعود إلى رغبة من البعض لتوجيه المواطن بعيداً عن السياسة .. في محاولة لتقليل الوعي، ما يجعل الرواية الخيار الأفضل، الذي يأخذ القارئ بعيداً عن ما يحدث في وطنه العربي، ويلهيه لبعض الوقت.

متنفس

« في ظل العالم المليء بالأحداث السياسية، يحتاج القارئ لمتنفس، والرواية تشكل له النافذة التي يتنفس من خلالها»، هذا ما أكدته منال شمعون مسؤولة العلاقات العامة والتسويق بدار الساقي للنشر اللبنانية، لافتة إلى أن الرواية كالسهل الممتنع، فهي الأسهل في التناول والقراءة، وتحقق متعة فكرية يعجز غيرها عن تحقيقها، كما تحتاج لأدوات معينة يجب أن يمتلكها الكاتب.

وأشارت شمعون إلى أن الأوضاع الاجتماعية والسياسية تحدد اتجاهات القراءة، وأن الرواية مطلوبة أكثر من غيرها، وقالت: نلاحظ إقبال القراء على اقتناء الرواية، كما نشعر بأن البعد عن القصة القصيرة يعود لصعوبة كتابتها، فعلى الرغم من أن الكثيرين يعتقدون بأن كتابة القصة أسهل، إلا أن الاتجاه إلى الرواية برأيي يعود إلى حاجة القصة لاختزال الفكرة في صفحات معدودة، وهو ما لا يجيده الكثيرون.

ولفتت منال إلى أن الجوائز الروائية تساعد على انتشار الرواية أكثر من غيرها، وأضافت: تشكل الجوائز حافزاً معنوياً مهماً، كما تحقق الشهرة والانتشار لصاحبها، وهذا سبب مباشر للاتجاه نحوها.

هلع

ذكر عارف صالح، المدير التنفيذي لدار العين للنشر والتوزيع المصرية، أن السبب الرئيس لطغيان الرواية على غيرها من الأجناس الأدبية، يعود لانتشار جوائز الرواية، وقال: تحصل الرواية على دعم لا تحصل عليه غيرها، لا سيما أن جائزة بحجم «بوكر» العربية تستهدفها، بالإضافة إلى جائزة نجيب محفوظ للرواية وغيرها، وهذا يخلق حالة من الهلع لدى الكتاب ليتسابقوا في إصدار الرواية، ما يضاعف بالتالي عدد الروايات، مقارنة بغيرها.

ولفت عارف إلى أن الرواية تحتاج إلى حبكة لا يستطيع أي هاوٍ كتابتها، فهناك مقومات وأدوات خاصة يجب على الكاتب امتلاكها ليقدمها بأفضل صورة.

وأكد عارف أن الروايات تحقق أرباحاً أكثر من غيرها لدور النشر، مشيراً إلى أن فوز بعض الروايات بجائزة البوكر يزيد نسبة مبيعاتها، ما يؤثر بالتالي على أرباح دار النشر التي تقبل على نشر أعداد أكبر للحصول على أرباح أكثر بالمقابل.

تناغم

أشار موسى الموسوي، مدير دار فراديس للنشر والتوزيع، البحرينية، إلى أن الرواية في الوقت الحالي، هي الأكثر انتشاراً بسبب تناولها لموضوعات متعددة في كافة المجالات الاجتماعية والسياسية والتاريخية..

وسيادة الحالة السردية في المنطقة، وقال: طغت الرواية خلال الخمس سنوات الأخيرة على غيرها من المجالات وذلك يعود لتناغمها مع الشخصيات التي تقدمها، ومع القارئ الذي يجد نفسه بين دفتيها، وطرحها لأفكار عميقة بأسلوب روائي ممتع وجاذب.

وذكر الموسوي أن انتشار الجوائز الأدبية الخاصة بالرواية يشكل حافزاً كبيراً لانتشارها وتوجه الكُتاب نحوها، لافتاً إلى أن الروايات الكلاسيكية لا تزال تتصدر قائمة الأكثر مبيعاً، إضافة إلى الروايات المحلية التي تظهر فيها الروح الاجتماعية وتناقش العلاقات الإنسانية، وتطرح المشكلات المختلفة.

أسئلة وإجابات

ذكر الروائي هاني نقشبندي، أن الكتب 3 أنواع، علمية أو فكرية أو روائية، وقال: يُقبل الناس على الكتب التي يجدون أنفسهم فيها، ولذا يجدون في الروايات ما لا يجدونه في غيرها، ويعيشون مع أحداثها قصصاً تلامسهم وتلامس حياتهم اليومية، وهذا ما يجعل الرواية تطغى على غيرها، كما أن دور النشر - بشكل عام - تبحث عما يحقق لها مردوداً مادياً، وتجد ذلك في الرواية اكثر من غيرها، بسبب إقبال القراء على شرائها.

وأشار نقشبندي إلى أن هناك أسئلة حائرة يبحث عنها القارئ ويجدها في الرواية، وأضاف: تعطي الروايات إجابات لأسئلة يبحث عنها القارئ، ما يجعل البعد الإنساني مطلوباً فيها، وقد نجحت روايات كثيرة وفشلت أخرى بسبب بعدها او قربها من الإنسان وهمومه، ولذا فقراءة الرواية - في نظري - لا تكون بهدف التسلية فقط. واستنكر نقشبندي الجوائز الأدبية، وقال: لدي موقف شخصي من جوائز الأدب.. فلا شيء، برأيي، يدمر الأدب كما تفعل هذه الجوائز.

وبين أن دور النشر تسعى للربح، وأصبحت تعرف تماماً ما الذي يحقق لها الأرباح، وقال: الكتب المربحة هي الكتب الدينية والروايات، وهي التي تزيد أرباح دور النشر، ورغم الرسالة الأدبية التي تقوم بها هذه الدور، إلا أن المادة أصبحت هي الأهم، ما يؤدي بالتالي إلى توجه دور النشر للمجالات التي تحقق لها الأرباح المادية.

وأنهى نقشبندي حديثه : بقي أن أقول إن كتابة الرواية أسهل من كتابة العمل الفكري، ما يجعلنا نرى عشرة روائيين مقابل مفكر واحد.

أعمال جريئة وأخرى اخترقت التابوهات

 روايات عربية كثيرة أثارت الجدل، إما لجرأتها في الطرح والتناول، أو لاختراقها تابوهات معينة، وغالبيتها تلامس مسائل السياسة والدين، وفي مجتمعاتنا التي لا تزال تعاني الكثير من الصعوبات وبعض التشتت والتشدد.. بجانب أمراض كثيرة، يبقى للرواية وقع مختلف، وخصوصاً عندما تحيد عن خط المجتمع، وتتجاوز مشكلاته وقضاياه اليومية العادية، وتتعدى حدود رغيف الخبز ولقمة العيش.

وفي العالم العربي، برزت عدة روايات لم تمر مرور الكرام، بل شكلت صدمة للبعض، مثيرة حفيظتهم، ومنها ما شغل البعض الآخر، ليقفوا أمامها محللين وناقدين. ومن بين أبرزها :

«عزازيل»

أثارت رواية «عزازيل » للكاتب المصري الدكتور يوسف زيدان، جدلاً دينياً واسعاً، إلا أنها رغم هذا الجدل، حازت «البوكر» - 2009م، كما نالت استحساناً كبيراً من قبل النقاد والقراء العرب وشهدت أسواق الكتب بمصر إقبالا شديدا على نسخ الرواية، وذلك للغتها العربية المميزة، ولتناولها فترة زمنية غير مطروقة في الأدب العربي برغم أهميتها، إضافة إلى اللغة الشعرية ذات الطابع الصوفي في بعض المواضع.

«أجنحة الفراشة»

أما «أجنحة الفراشة» لكاتبها الروائي المصري محمد سلماوي، فاتخذت منحنى سياسياً، وفتحت الأنظار على صاحبها. إذ إنها من الروايات النادرة التي تنبأت بحدوث عاصفة الغضب المصرية التي تكللت بالثورة المصرية، وكان موضوعها الحراك السياسي الذي تشهده البلاد..حيث نتج عنه تشكل الحركات السياسية المطالبة بالتغيير وانتشار المظاهرات في كل مكان.

«ترمي بشرر»

وخرجت رواية «ترمي بشرر» لكاتبها الروائي السعودي عبده خال، بطروحات وموضوعات أثارت حفيظة الكثيرين، متطرقة إلى جملة قضايا واحداث مجتمعية، ومن ثم استحقت جائزة البوكر عام 2010، ونفدت طبعاتها بسرعة البرق، لجرأتها الكبيرة في نزع القناع عن خبايا النفس البشرية.

«بنات الرياض»

أحدثت رواية «بنات الرياض» للكاتبة السعودية رجاء الصانع، منذ صدورها، ضجة كبيرة، وتحكي قصة أربع فتيات سعوديات يبحثن عن الحب، ويمتاز أسلوب الرواية بسهولته وسلاسته، ورغم أن الرواية حازت إعجاب الكثيرين، إلا انها أثارت الجدل في المجتمع السعودي، وسببت استياء الكثيرين ممن يرون أنها أضرت كثيرا بجرأتها وتطرقت لجوانب غير مسموح طرقها، حسب الآراء تلك.

روائيات يتخطين حدود المحلية

روائيات عربيات كثيرات أثبتن أنفسهن في عالم الرواية، وتخطت إصداراتهن حدود المحلية لتنطلق للوطن العربي، وحققت رواياتهن نجاحات كبيرة ونسب مبيعات عالية.

ومن أشهرهن الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، التي حققت ثلاثيتها « ذاكرة الجسد» و«فوضى الحواس» و«عابر سرير»، شهرة كبيرة، لتتلوها إصدارات أخرى تنوعت ما بين الرواية والأشعار والخواطر.

إضافة إلى الروائية السورية غادة السمان التي تعد من الرائدات في مجال الأدب، وأحدثت كتاباتها ضجة كبرى في الأوساط الأدبية والسياسية، ومن أشهر رواياتها «كوابيس بيروت» التي جعلتها في نظر الكثير من النقاد، الروائية العربية الأهم.

نبع الرواية يرفد السينما

روايات كثيرة تحولت إلى أفلام، وتحولت فيها الكلمة المكتوبة إلى صورة مرئية، ما جعلها نبع السينما، وأسهم تحويل الروايات إلى أفلام في زيادة شهرتها، وأضاف الكثير لها، وفي المقابل عانت بعض الروايات من الشكل السينمائي الذي قُدم به، ما انتقص من قيمة الرواية بعض الشيء.

ونهلت السينما من نبع روايات نجيب محفوظ، وإحسان عبدالقدوس الذي تحولت روايته «الوسادة الخالية» إلى فيلم سينمائي حقق نجاحاً كبيراً، كما نجح فيلم «الأرض» ليوسف شاهين والمأخوذ عن رواية للأديب عبدالرحمن الشرقاوي في تحقيق جماهيرية كبيرة..

ومن الأفلام الشهيرة المأخوذة من روايات، «لن اعيش في جلباب أبي» و«دعاء الكروان» و«أم العروسة».. وأخيرا نجح فيلم «الفيل الأزرق» المأخوذ عن رواية الكاتب أحمد مراد، في أن يتصدر شباك التذاكر، محققاً شعبية واسعة بسبب عمقه وطريقة معالجته للأحداث. ويلعب بطولته كريم عبدالعزيز.

جوائز الرواية.. شهادات اعتراف ومنصات شهرة

مجموعة حيوية من الحوافز الكبيرة والدوافع القوية تخلقها جوائز الرواية، وتحتل الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» مكانة هامة لدى الروائيين، إذ أصبحت كشهادة تقدير وتكريم معترف بها، ومؤشر على تميز صاحبها، وأنشئت هذه الجائزة في عام 2007 بأبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة ونظمت بالاشتراك بين مؤسسة جائزة بوكر البريطانية ومؤسسة الإمارات ومعهد وايدنفيلد للحوار الاستراتيجي..

وتمنح الجائزة في مجال الرواية حصرياً، وترشح ست روايات لتتنافس في ما بينها على الجائزة، وتمنح الرواية الفائزة، خمسين ألف دولار أميركي بالإضافة إلى عشرة آلاف دولار للروايات الست المرشحة للفوز بالجائزة.

وهناك أيضاً، جائزة نجيب محفوظ للرواية، وهي جائزة أدبية تمنح لإحدى الروايات الحديثة في حفل سنوي يوافق مولد الكاتب الكبير نجيب محفوظ، وأنشئت هذه الجائزة عام 1996، وتبلغ قيمتها ألف دولار أميركي.. وتترافق مع ترجمة الرواية الفائزة، إلى الإنجليزية ونشرها.

أفضل الروايات العربية

أدرج اتحاد الكتاب العربـ، تصنيفا لأفضل مئة رواية عربية. وتمثلت العشرة الأولى ب:«الثلاثية» لنجيب محفوظ، «البحث عن وليد مسعود» لجبرا إبراهيم جبرا، « شرف» لصنع الله إبراهيم، «الحرب في بر مصر» ليوسف القعيد، «رجال في الشمس» لغسان كنفاني، «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» لإميل حبيبي، «الزمن الموحش» لحيدر حيدر، «رامة والتنين» لإدوار الخراط، «حدث أبو هريرة قال» لمحمود المسعدي، «كوابيس بيروت» لغادة السمان.