ربما يكون التعليم أحد مفاتيح النجاح. إلا أن الطلاب الجامحين يمكن أن يجدوا عزاء لهم في حقيقة أن بعض أكثر الشخصيات التاريخية تأثيراً طردوا من المدرسة في أيام شبابهم. فالغالبية نالت هذا الجزاء بسبب الحيل أو التصرفات الطائشة والطفولية الأخرى. لكن بعضهم حصل على طرد بفضل الميزات الفعلية نفسها، التي جعلتهم مشهورين لاحقاً.

وتلك الحال تنطبق على نماذج وامثلة كثيرة، لامعة، بدءاً بـإدغار آلان بو وانتهاءً بسيلفادور دالي. إذ يمكننا، مع الغوص والتعمق في هذا الشأن، أن نعلم أكثر وأوسع، عن ست شخصيات تاريخية طردت من المدرسة.

متمرد هازئ

في عام 1830. استقال الأسطورة الأدبية المستقبلية إدغار آلان بو من وظيفة في الجيش الأميركي. وسجل في الأكاديمية العسكرية الأميركية في «ويست بوينت».. وكان الشاعر الطموح قد ترك سابقاً جامعة «فرجينيا»، بسبب تعاطيه المشروبات الروحية، وانغماسه في المقامرة.. وهو ما أدى به إلى الوقوع تحت تهديد جبل من الديون. ويبدو أن فترة عمله في الـ«ويست بوينت»، لم تكن مستقرة بشكل متكافئ.

وتحمل بو الانضباط العسكري الصارم في المدرسة. ونجح في دراسته. ولكن تبعاً لخلاف مع والده بالتبني: «جون آلان»، صمم على أن يحصل لنفسه على الطرد من الدراسة، بشكل متعمد.. وتقول أسطورة شائعة بأنه نال عقابا عبر محكمة عسكرية لظهوره في تدريب عسكري عارياً من الملابس، باستثناء حزام الخراطيش (طوق الذخيرة).

 ولكن الحقيقة هي أنه توقف ببساطة عن حضور الصفوف وتفقد الأسماء وجوقة الإنشاد. وذلك ليفضل قضاء الوقت في «بيني هيفينز»، وهي حفرة سقاية محلية. وفي العموم، جمع بو أكثر من مئتي مخالفة في طريقه ليطرد من «ويست بوينت»، في يناير من عام 1831.

وقبل مغادرته، أقنع ابن الـ22 عاماً، العديد من زملائه التبرع بالمال لتمويل تكاليف طباعة كتابه الثالث من القصائد. وأهدى المجلد لاحقاً إلى فيلق «الكاديت» الأميركي.

فضيحة

قبل أن يؤسس امبراطورية إعلامية جديدة، كان ويليام راندولف هيرست، واحداً من أكثر طلاب جامعة «هارفارد» الجامحين وذوي السمعة السيئة.. إذ كافح الشاب - صاحب الشأن مستقبلاً –، ليواكب برنامج المدرسة الأكاديمي الصارم، مفضلاً تربية تمساح أليف اسمه «شامباين تشارلي»، إضافة إلى السهر مع الأصدقاء، بدلا من قضاء أيامه في العمل في مجلة «هارفارد لامبون» الهزلية.

ومع ذلك، فربما يكون ولع هيرست بالحيل، هو الذي جلب له الطرد في النهاية. ففي حادثة مشهورة، تعمد ترك حمار في صف أحد الأساتذة، وذلك مع ملحوظة حول رقبته (الحمار) تقول : «الآن هناك اثنان منك». وهو يقصد بذلك المدرس. كما أنه اعتدى مرة على أحد الممثلين في مسرح «بوستون» بفطيرة الكاستارد.

وآخر مصاعبه جاءت في عام 1885، عندما أرسل هيرست - والذي كان في فترة رقابة أكاديمية – بالبريد إلى أساتذته الجامعيين، أوعية طهو مجوفة ومصنوعة خصيصاً.. مع أسمائهم عليها وصور منقوشة على جانبها.

وغادر هيرست جامعة «هارفارد» بفضيحة. ولكن في عام 1887، اقنع والده أن يضعه مسؤولاً عن صحيفة «سان فرانسيسكو إكزامينر»، التي تمتلكها عائلته. وتلك كانت ضربة البداية له في مسيرة مهنية إعلامية، جعلته واحداً من أغنى رجال العالم.

«الطاغية»

في أيام المدرسة، وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، كان للديكتاتور الفاشي، بينيتو موسوليني، سمعة سيئة الصيت في التنمر والسرقة والتعامل الحاد مع اساتذته. ونقرأ ما يقوله في الخصوص: «أكثر من مرة، عدت إلى المنزل ورأسي مدمى من لطمة حجر».. هكذا قال لاحقاً عن معاركه المتعددة.

وتابع..«لكني عرفت كيف أدافع عن نفسي». وبالرغم من نفوره الظاهر تجاه الدراسة، حصل «موسوليني» لاحقاً على شهادة تعليم.. وعمل بشكل متقطع كمدرس. وربما من غير المفاجئ حقيقة أن الديكتاتور المستقبلي كان معروفاً بصرامته، وكان يلقب بـ«الطاغية» من قبل طلابه.

«ممتعض غير مرغوب به»

إن أحد أشهر أدوار افلام الممثل مارلون براندو، جاء في العام الثالث والخمسين من القرن العشرين بعنوان «البري». إذ لعب دور قائد عصابة دراجات نارية متمردة. إ

لا أن شخصية سائق دراجة ربما لم تكن بالاتساع الكافي لـ«براندو»، بصفته الشخص عديم الحياء المسبب للمشكلات والمثير للمتاعب، والذي قاد مرة دراجة نارية عبر أروقة مدرسته الثانوية في «ليبيرتيفيل» في «إيلينوي». ويحكي عن أيامه في المدرسة الثانوية: «كنت طالباً سيئاً، متغيباً بشكل دائم.. فاسد الأخلاق من جميع النواحي».

وبسبب العلامات المنخفضة والسلاسل المتكررة من السلوك السيئ - تدرجاً من المفرقعات النارية إلى كتابة مقالة صفية على بكرة من ورق المراحيض –، طرد «براندو» اخيراً من المدرسة الثانوية في «ليبيرتيفيل» عام 1941. ثم انتقل إلى «أكاديمية شاتاك العسكرية» في «مينيسوتا»، حيث استمر في التعبير عن امتعاضه من السلطة.

وفي عام 1943، وُضع براندو تحت الرقابة.. وحُجز في حرم الأكاديمية. وذلك لرده في وجه ضابط خلال فصل تدريب عسكري. وعند تجاهله للأمر وتوجهه نحو البلدة لمدة يوم كامل، مخالفا الاوامر والعقوبة بحقه، اتهم بكونه «غائبا من دون تصريح مغادرة». ومن ثم طرد رسمياً.

وبعد اسبتعاده من مدرستين مختلفتين، انتقل «براندو» إلى نيويورك، وانغمس في التمثيل، وحقق ظهوره الأول في «برودوي» بعد عام واحد فقط.

محرض وملحد

إن الكاتب «بيرسي بيش شيلي» معروف بشكل كبير كمؤلف لقصائد المحبوبة، مثل «أوزيماندياز» و«الملكة ماب». إلا أنه كان أيضاً: محرضاً وملحداً سيء السمعة.

وفي عام 1811، خلال عامه الأول كطالب في جامعة أوكسفورد، اشترك «شيلي» ذو الـ18 عاماً مع صديقه توماس جيفرسون هوغ، في كتابة مجهولة الاسم لكتيب بعنوان «ضرورة الإلحاد» قام شيلي بالدعاية للكتيب على نحو متسع، واستخدم أسماء مستعارة لإرسال نسخ إلى عدة آباء (كنسيين) وأساتذة جامعيين، وبعد فترة ليست بطويلة، كُشف أمر هوغ وشيلي.

وسحبتهما السلطات الأكاديمية لجامعة «أوكسفورد» من أجل الاستجواب، وعندما رفضا تأكيد ونفي تأليفهما ذلك الكتيب المثير للجدل، طردا.

تلك الفضيحة خلقت شرخاً بين شيلي وابيه الذي ندد بالمنشور بكونه «إجراميا» و«فاحشا». وبعد عدة شهور لاحقة فقط، قطع شيلي علاقاته بعائلته، وفر مع فتاة ذات ستة عشر عاماً، وانطلق في رحلته ليبدأ مسيرته المهنية الأدبية بجدية.

«طالب.. أستاذ»

في عام 1922، دخل الرمز السريالي المستقبلي «سيلفادور دالي» إلى أكاديمية «سان فيرناندو» للفنون الجميلة في مدريد. وكان دالي قد قدم طلباً للمدرسة بعد أن شجعه والده على ذلك. ومنذ البداية، لم يكن معجباً كثيراً بهيئتها التدريسية. ويسرد تجربته في هذا الشأن: «لقد فهمت فورياً أن هؤلاء الاستاذة الجامعيين كبار السن.. والذين تغطيهم درجات الشرف والأوسمة، لا يمكنهم أن يعلموني شيئاً».

وبينما تلقى دالي آراء إيجابية حول نمط رسمه الجريء، إلا أنه أبعده من الأكاديمية في عام 1923، جراء قيادته احتجاجاً طلابياً ضد عملية اختيار الهيئة التدريسية. ومن ثم عاد إلى سان فيرناندو في العام التالي، ليتخذ في النهاية، قرار استبعاده للأبد في عام 1926. وذلك عندما صرح بأن لا أحد من أساتذته الجامعيين كان بارعاً بما يكفي ليقيم عمله.

وعقب طرده، دخل دالي عالم الفن في باريس. واعتمد شاربيه المقلوبين كعلامة له، وبدأ بالتعاون مع أعضاء الحركة السريالية، وفي عام 1931، عمل على فيلمين، وأكمل «دوام الذاكرة» وهي لوحته الأكثر شهرة.