رهانها توصيل الكتاب إلى القرى النائية وقطع العزلة الثقافية التي يعيش فيها الريف المغربي الفقير، رغم كل العراقيل الاجتماعية والبيروقراطية تحاول بكل ما تملك من وسائل بسيطة في غالب الأحيان «دمقرطة المعرفة» في مجتمعها المغربي الذي يعد واحداً من المجتمعات العربية التي تعاني من أدنى نسب القراءة في العالم.

عزيمة

بقافلتها الصغيرة المحملة بالكتب تجوب، الناشطة الحقوقية والكاتبة المغربية جميلة حسون، الصحراء المغربية قرية قرية، محملة بالكثير من العزيمة تبحث عن السائلين عن المعرفة والمتعطشين للكتاب، من خلال كرنفال الكتاب الذي أطلقته منذ عشر سنوات.

فضاءات ثقافية

وحول هذا المشروع تقول صاحبته ورئيسة جمعية ثقافية مغربية جميلة حسون «كرنفال الكتاب هو فضاء ثقافي متنقل خصوصا من المدينة إلى القرى المهمشة في الصحراء المغربية..

وهو عبارة عن منتدى للنقاش أو الحوار وإعطاء الفرصة للشباب في الأماكن المنعزلة للتعبير واللقاء مع الكتاب ومن أبدعوا في كتابته، كما نحاول أن يكون حلا بالنسبة لفئة معينة من الناس التي لا تصل إليها الكتب خاصة تلك البعيدة والفقيرة التي لا تحتوي المناطق التي يعيشون فيها على مكتبات أو فضاءات ثقافية».

مشروع خاص

فكرة مشروع كرنفال الكتاب الذي يعد مشروعا خاصا غير ربحي تمخضت لدى صاحبتها قبل عشر سنوات بعد عملها اليومي في مكتبة ببلدها المغرب، حيث كانت كغيرها من أصحاب المكتبات في انتظار دائم للزبون القارئ الذي يدق بابها بين الحين والآخر، باحثا عن جرعات من الكلمات والجمل بين صفحات الكتب والمجلات التي تملأ رفوف مكتبتها الصغيرة وصعوبة إقناع الزبائن وخاصة الشباب منهم وتعويدهم على ربط تلك العلاقة الدائمة مع الكتاب والاطلاع المستمر على الجديد، خصوصا أولئك الذين يعيشون خارج المدن الكبرى.

حلول أخرى

ذلك الانتظار الذي كان طويلا في بعض الأحيان من دون ضمان مجيء الزبون للمكتبة جعل جميلة حسون تبحث عن حلول أخرى، حيث تقول، «اعتبارا من سنة 1994 قررت أن أجسد أفكاري وأذهب أنا للبحث عن القراء حيثما كانوا حتى بعيداً، بدلا من تضييع وقتي في انتظارهم خلف جدران مكتبتي، وبدأت أولاً في التنقل بمعارض صغيرة للمدارس في القرى النائية، الأمر الذي مكنني من القيام بمسح كامل لعدد من القرى لمعرفة متطلباتها وما تأمل إليه..

وهو عمل شجعني وساعدني كثيرا في السنوات التي تلت ذلك العام وفتحت لي أبوابا كثيرة شجعتني في الذهاب قدما في مشروعي لغاية تجسيده بالشكل الذي هو عليه الآن، بدليل مشاركته في معارض دولية للكتاب لها صيتها على المستوى العالمي كمعرض الكتاب في أبوظبي الذي نزلت فيه ضيفة شرف وتمكنت من التعريف بتجربة المغرب المختصة مع الكتاب من خلال عرض مشروع كرنفال الكتاب».

إقبال كبير

وعن مدى الإقبال الذي لاقاه المشروع في المجتمع المغربي المعروف على غرار المجتمعات المغاربية والعربية بقلة شغفه بالكتاب والمطالعة، ولدى السلطات المختصة تقول جميلة حسون، «مشروع القافلة يستقبل بكل حفاوة في الأماكن التي أذهب إليها لأنه مشروع فريد من نوعه، ففي كل مرة وعلى مدار ثلاثة إلى أربعة أيام تعرف القرية الذي أحط رحالي بها مع قافلتي وكتبي حركة غير عادية، خصوصا أننا نشتغل مع المدارس والمجتمع المدني..

فالمشروع لا يعتمد على عرض الكتب وتقديمها للسكان وإنما يرافقنا في كل مرة كتاب ومؤلفون وفنانون وموسيقيون من المغرب وخارجها ما يخلق أجواء خاصة تخرج أهالي القرى من عزلتهم ليست الاجتماعية فقط ولكن حتى الثقافية والفكرية».

عوائق وصعوبات

مثل الكثير من المشاريع الأدبية التي تعـــنى بالكتاب والقــــراءة في المجتمعات العربية، مر كرنفال الكتاب بالكثير من العوائق والصـــعوبات التي تعترض طريقه بعد عشر سنوات قطعها في مجال صعب تريد صاحبته جميلة حسون «دمقرطة المعرفة» في بلادها، حيث تقول «عندما قررت أخد الكتب من الرفوف وتحريكها راهنت علي أنني لابد أن أذهب للناس..

وأعمل كما عمل الأوائل عرسا ثقافيا بشكل مبسط، إلا أن الكثير من العوائق كانت في انتــــظاري لتستوقفني في طريقي بين اليـــــوم والآخر، لكــن من دون أن تقلل من عزيمـــتي في المضي قدما في المشروع وأهم هذه المشاكل كانت قلة الكتب ونقص المساعدات المالية للتنقل».

المعرفة للجميع

وتعترف جميلة حسون من جهة أخرى بمشكلة اجتماعية علها لم تسهل مسيرتها وهي تدني نسبة المقروئية في المجتمع المغربي على غرار غالبية المجتمعات العربية، فعدد القرّاء في مجتمعاتنا العربية في يتراجع مستمر، يصاحبه ارتفاع كبير في نسبة الأمية في السنوات الأخيرة، فالقراءة مشروع يبدأ في الصغر في البيت والمدرسة وللأسف عندنا بعض المناهج الدراسية تكره الطفل وتبعده منذ الصغر عن الكتاب والمطالعة ببرامج مدرسية مملة، وساعات كثيرة للدراسة إذ لا يبقى لديه الوقت للاستمتاع بالقراءة بعدها، زد على ذلك عدم وجود برامج مهمة تحث على المطالعة..

فالكتاب لم يعد أبدا مصدرا للمعرفة، ليزيد الأمر تعقيدا الانشغال بالتلفاز والإنترنت، وانعدام استراتيجيات حكومية للكتاب. فالكتاب بالنسبة لجميلة حسون قبل كل شيء هواية وحب وشغف بقراءته، وطبعا دور المؤسسات الحكومية مهم لجعل الثقافة في متناول الجميع وليست حكرا على النخبة فقط.

تجربة

تعكف جميلة حسون منذ إطلاق مشروع كرنفال كتاب، قبل عشر سنوات على المشاركة في صالونات الكتاب ومعارضه في مختلف البلدان العربية وحتى الغربية، وخاصة في دول الخليج حيث تقدم لها مساعدات كثيرة من شأنها دعم مشاريعها الكثيرة خدمة للكتاب وقارئه باعتبار هذه المواعيد حدثا هاما يجمع في كل مرة صناع الكتاب والمساهمين فيه.

وكانت لجميلة حسون مشاركة مؤخرا في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، حيث شاركت 1025 دار نشر تمثل 57 دولة تتحدث 55 لغة أجنبية، وطرحت أكثر من 500 ألف كتاب في مختلف صنوف المعرفة والأدب والفن.

وحلت جميلة حسون ضيفة شرف على المعرض، حيث عرضت خلال يومين على جمهوره وزواره تجربتها في نقل المعرفة وتوصيل الكتاب إلى حيث لا يمكن الوصول إليه، وتخطي الصعاب في سبيل الترويج للكتاب بمختلف أنواعه.

10

10 سنوات عمر كرنفال الكتاب الذي أرادته هذه الناشطة والحقوقية المغربية جميلة حسون، من خلال تجربة بدأت بتحد، لتصبح رائدة في بلدها يأخذ المنوال بها بعدما ذاع صيتها في القرى النائية والمدن الريفية البعيدة والفقيرة في المغرب، ورغم كل الصعوبات التي واجهتها ولا تزال تواجهها تتمسك هذه السيدة المغربية بقافلتها المحملة بالكتب لأنها كما تقول «يمكننا أن نحرم الشخص من أي شيء إلا المعرفة فهي ملك للجميع».

تطوير فكر نقدي لأبناء الأرياف

تبحث جميلة حسون تساؤلات كثيرة مع من تلتقيهم كلما استوقفها الرحيل في قافلتها للكتب في الأرياف والقرى البعيدة، كيف يمكن للجيل الجديد تطوير فكر نقدي؟

ورش نقاش تدور حول الموضوع تنظم في كل رحلة لكرنفال الكتاب، تجمع بين أبناء الأرياف والقرى بالكتاب والأدباء والمثقفين والإعلاميين الذين يشاركون في كل مرة في رحلة المعرفة المتنقلة هاته. وتستعمل الكتب عادة في هذه الورشات، بالإضافة إلى وسائل تثقيفية أخرى كالسينما والمسرح ووسائل التكنولوجيات الحديثة.

وجاء اعتماد جميلة حسون - أو من صارت تلقب بـ«السندبادة»- على هذه الفنون ووسائل التكنولوجيات الحديثة لإدراكها أن الشباب يُقبل على السينما والتكنولوجيا أكثر من القراءة. ومن هنا جاء سعيها لدمج الكتاب مع السينما عبر مجموعة عروض في الهواء الطلق، إلى جانب تعزيز حب القراءة في الشباب عبر جلسات حوارية وورش عمل تخلق تواصلاً مجتمعياً يجعل من الكتاب أداة حركية.